الشيخ سعيد الأعظمي الندوي

 شخصيات أعجبتني : (٥٠) 

الشيخ سعيد الأعظمي الندوي

( ١٩٣٤- ٢٠٢٦م )


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


وما كان قيس هلكه هلك واحد 

و لكنه   بنيان    قوم      تهدما 


فقيد العلم والعمل، والأدب واللغة، والثقافة والصحافة، والكتابة والخطابة، والتلاوة والعبادة، أستاذ الأجيال ومربي المعلمين، صاحب مقامات أدبية وصولات خطابية ومؤلفات قيمة شيخ الشيوخ الدكتور سعيد الأعظمي الندوي غادرنا إلى عالم الآخرة ..

لقد استراح الرجل الكادح المُجد الناشط .. 

نعم . لقد استراح الرجل الذي لم يعرف للراحة والاستجمام معنى في حياته .. 

فقد كان شعلة من النشاط  والحركة والجِد والسعي   ..

صاحب عزم وثاب، وهمة صادقة، وروح متقدة، وعمل دؤوب .

لقد مضى فقيدنا الغالي إلى ربه بعد أن قضى حياة سعيدة مغبوطة بكل معنى الكلمة، حياة حافلة بالإنجازات و المآثر والصنائع والمفاخر .. 


صنائع فاق صانعها ففاقت 

وغرس طاب غارسه فطابا


لقد كان رجلًا مثاليًا .. أو قل مثلًا أعلى في الإخلاص والإتقان والإحسان، وقوة العمل، والاستفادة من كل لحظة من لحظات حياته، والالتزام بالمواعيد، ودقة الشعور  بالمسؤوليات والواجبات ..

أما *ندوة العلماء*  .. فقد سقاها بدمائه ودموعه،  وسخر لها جميع مواهبه وصلاحياته وملكاته، وظل ابنًا لها وفيًّا، بارًّا بها، مهتمًّا بأمورها وشؤونها، ساعيّا في ترقيتها والنهوض بها إلى آخر مستوى من الرقي الظاهري والمعنوي  .. لا يفكر إلا فيها، ولا يسعى إلا لها، ولا يجِدّ ولا يكدح إلا في سبيلها .

علّم آلافًا من الطلبة، ورباهم، وأدبهم فأحسن تأديبهم و هذبهم فأتقن تهذيبهم، أنشأ فيهم الحس الأدبي، والذوق الأدبي، و نمّى فيهم الملكة الأدبية، وعلّمهم الكتابة، ودرّبهم على الخطابة، ومكّنهم من العربية وعلومها وآدابها، فتخرج على يديه أفواج من الأدباء البارعين والصحفيين البارزين والكتاب المتميزين الذين يقومون بمهامهم في داخل الهند وخارجها .

عشقَ الأدب والعربية، فخرّج مئات من عشاق الأدب والعربية، وجعلهم يخدمون لغة الكتاب والسنة تأليفًا وتدريسًا، وتأليفّا ونشرًا وصحافة .

الحقيقة أن العربية كانت هوايته وهويته، وخدمتُها كانت غاية حياته ومنتهى آماله، عاش لها وفيها .

كان جِدّ مهتمّ بصحة الأداء وسلامة الكلام من اللحن والخطأ، وكانت له حساسية زائدة في ذلك، حتى ضرب به المثل في ذلك، وكان الإجماع على أنه لم يسجل عليه قط أي لحن نحوي أو صرفي أو بلاغي في خطبه التي كان يلقيها في مسجد ندوة العلماء يوم الجمعة، وهذا شيء نادر جدًا جدًا كعنقاء مغرب أو كالكبريت الأحمر . وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم .

أما شيخه ومربيه الإمام أبو الحسن الندوي رحمه الله، فقد تفانى في عشقه وحبه، وخدمته بكل ما يُرضيه، وقلما رأيت تلميذًا يحب أستاذه كما كان يحب سعيدٌ التلميذ عليًا الأستاذ، فقد كان يرُجع  - بعد الله -  كل فضل حظي به إلى أستاذه أبي الحسن الندوي، فكان « سعيد » خير مثال لتلميذ سعيد بار وفي مخلص لأستاذه ومربيه علي الندوي، في زمن قل - بل ندر - فيه التلامذة السعداء الأوفياء لأساتذتهم الذين يذيبون حبات عرقهم في تحليتهم بالعلم والأخلاق والفضائل .

كان الشيخ الأعظمي خير مثال أو خير ممثل لنظرة « ندوة العلماء » فكرة وتطبيقًا، فقد كان مديرًا لدار العلوم لندوة العلماء مدة ثلاثين سنة تقريبًا، كما كان من مؤسسي و رئيسَ جامعة انتيكرل ( integral University) التي تعد من أرقى جامعات الهند لا على مستوى البلاد، بل على مستوى العالم كله، والتي تخرّج كوادر مؤهلة في مختلف أنواع العلم الحديث والتكنولوجيا الجديدة المتطورة.

وهكذا أثبت الأعظمي عمليّا أن الندوي يكون جامعًا بين القديم الصالح والجديد النافع، ومفيدًا في الناحيتين، ومقتبسًا من المنهلين، وممثلًا للوسط والاعتدال والتوازن، الذي يعد شعار الأمة وواسطة عقدها { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } .

كما كان للشيخ الأعظمي إسهام متميز في تأسيس مئات من المدارس والمعاهد العلمية والدينية و تطويرها، فلم يضن قط بتزويدها بالتوصيات والتزكيات إلى أهل الخير والفضل، يحثهم فيها على مد يد المساعدة إليها .

كما كان يشرف علميًّا وعمليًا على عشرات تلك الدور العلمية والدينية والتعليمية، يُمد القائمين عليها بخبراته وتجاربه القيمة .

وبعد . فهذه سطور عاجلة كتبت على تشتت البال وتشرد الفكر وتأثر بفداحة الخطب والمصاب الجلل، لا تمثل جوانب حياته الخصبة، الحافلة بجلائل الأعمال التي لا يسعها سفر ضخم، فضلًا عن سطور عديدة كتبت على عجل، والحقيقة أن هذه السطور كتبت وفاء وأداء لبعض حقوق فقيدنا الغالي الذي نعتز بأن نكون من تلامذته، فقد قرأنا عليه عدة كتب، وتعلمنا منه الكثير والكثير . ولا يسعنا إلا أن ندعو الله سبحانه وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته، ويجزيه بما قدم لأمته ودينه خير ما يجزي به عباده العالمين العاملين المحسنين.

والحمد لله رب العالمين .


( الجمعة : ٢٦ من ربيع الثاني ١٤٤٨ھ = ٩ من أكتوبر ٢٠٢٦م )

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لا تكن غيرَ نفسِك . . !!

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

يا أمتي .. !