المشاركات

نعمة النسيان . . !

 على مائدة العلم والأدب  نعمة النسيان  . . ! محمد نعمان الدين الندوي  لكناؤ، الهند   إي والله ! إن النسيان في كثير من الأحيان نعمة  .. كما أن السم - في بعض الأحيان - ترياق لبعض الأمراض المزمنة الميؤوس من علاجها .. صحيح أن الذاكرة الجيدة من أعظم نعم الله على الإنسان، وباختلافها - قوة وضعفًا - يرتقي الإنسان أويهبط مكانة، ويصعد أوينزل قدرًا . . ويسعد أو يشقى حظًّا .. فكلما كانت ذاكرة الإنسان جيدة رائعة قوية، وقدَرها حق قدرها، واستخدمها - مثلًا - في القراءة الواعية الراشدة، والمطالعة الجادة المفيدة وحِفظ المقروء، كانت منزلته أسمى بين أقرانه، ومكانته أرفع، وربما بذّ - بفضل ذاكرته -  كثيرًا من الزملاء والمعاصرين، والحقيقة أن تسعين في المئة ممن يُعَدَّون من العباقرة والنوابغ،  مدينون في عبقريتهم ونبوغهم للذاكرة والذكاء .. فلو لا أن أنعم الله عليهم - بما أنعم به - من الذكاء الخارق، والحافظة القوية، والذاكرة الواعية، ثم استخدموها استخدامًا جيدًا، لَمَا كان لهم أن يبلغوا ما بلغوا من المكانة المغبوطة والشرف المحسود في مجال اختصاصهم ونبوغهم .. على أن الج...

محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء

 على مائدة العلم والأدب (١٧) محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء *الأدعية النبوية وخصائصها*  مكانة الدعاء في الإسلام : كان الدعاء في الجاهلية - كجميع العبادات والطاعات - مهملًا مضاعًا، وإذا كان في شكل ما، فكان حظ «  الآلهة الكثيرة » ، فلما جاء الإسلام أعاد إليه مكانته وقيمته وبهاءه ورونقه، وأعطاه حقه من الإخلاص والضراعة والخشوع، وخصه بالله العلي الكبير فاطر السموات والأرض، وحث عليه نبي الإسلام في الأحاديث الكثيرة : « ليس شيء أكرم على الله من الدعاء » ، رواه الترمذي . « الدعاء مخ العبادة » ، الترمذي .  وفي رواية : « الدعاء هو العبادة » ، الترمذي . وقال :  « الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات والأرض » . وهدد عليه الصلاة والسلام المعرضين عن الدعاء بالعذاب الأليم فقال : «  من لم يسأل الله يغضب الله عليه » ، الترمذي . وقال الله تعالى في القرآن المجيد : { إن الذين يستكبرون عن عبادتي  سيدخلون جهنم داخرين } ، وقد وجدت ذخيرة حية من الدعاء، تعتز بها المكتبة الإسلامية الغنية، وتمتاز عن جميع المكتبات العالمية - على غناها واتساعها - . *أد...

معالم في طريق الطامحين (٢)

 على مائدة العلم والأدب معالم في طريق الطامحين (٢)  محمد نعمان الدين الندوي  لكناؤ، الهند  تحدثنا في الحلقة الأولى من سلسلة : " معالم في طريق الطامحين " عن المعلم الأول، ونواصل الحديث عن معالم أخرى في هذه الحلقة بإذن الله تعالى  . ( ٢ ) ابدأ بالأهم ومشتت العزمات ينفق عمره  حيرانَ   لا ظفرٌ  و لا  إخفاقُ تتزاحم المسئوليات وتكثر التبعات، فيحار الإنسان . .  أيًّا منها يُفضِّل ويرَجّح . . و أيًّا  منها يؤجل ويؤخر . . ؟ والجواب : يفعل ما أرشد إليه الإمام الشافعي قائلًا  : " إذا كثرت عليك الحوائج فابدأ بأهمها " . .   وهذه القاعدة من أهم أسس علم الإدارة في العصر الحديث، فهي تقدم لنا منهجًا هاديًا حين تتزاحم أمامنا المسؤوليات والأشغال . وبه قال ابن المقفع في الأدب الصغير والأدب الكبير : " لا تتركن مباشرة جسيم أمرك، فيعود شأنك صغيرًا، ولا تلزمن نفسك مباشرة الصغير، فيصير الكبير ضائعًا  . واعلم أن مالَك لا يغني الناس كلهم ، فاخصص به أهل الحق، وأن كرامتك لا تطيق العامة، فتوخ بها أهل الفضل، وأن قلبك لا يتسع لكل شيء،...

العلاقة بين السكون ونتاج الفكر . . !

 على مائدة العلم والأدب العلاقة بين السكون ونتاج  الفكر . . ! محمد نعمان الدين الندوي  لكناؤ، الهند  السكون .. والهدوء  .. والاطمئنان .. والخلوة .. كلمات جميلات متقاربات معنى أو مآلًا .. متداخلة بعضها في بعض محتوى ومدلولًا  ..  فالخلوة - مثلًا - تؤدي إلى السكون .. كما أن الحصول على السكون  يحتاج إلى الخلوة .. فالصلة بينهما صلة تلازُم وترابُط، وتفاعُل وتجاذُب .. و كأنهما توءمان لا ينفك بعضهما عن بعض ..  أو رضيعا ثدي وضجيعا مهد .. وكل كلمة - من الكلمات المذكورة - خفيفة على اللسان .. حلوة أليفة مألوفة عند كل إنسان .. سهلة في النطق والبيان .. حبيبة إلى الناس عامة .. وإلى المشغوفين بالقراءة خاصة .. و إلى رجال الفكر والنظر، وأهل العلم والقلم بصفة أخص ..  فاسألوا عن قيمة الهدوء، ونعمة السكون، وأهمية الخلوة، الناسَ المولَعين بالمطالعة والقراءة، كيف يهتبلونها اهتبالًا ..  لإشباع نهمهم المعرفي . . فينعمون فيها بالقراءة والمطالعة، ويتمتعون بها ما شاء الله أن يتمتعوا قبل أن يحرموا هذه الفرص الهادئة . .  واسألوا عن قيمة السكون والخلوة - كذل...

محمد الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء

 على مائدة العلم والأدب : (١٦)  محمد الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء *نماذج من مناهج التعبير النبوي الشريف* *( النموذج التاسع )*       *اختبار مدى فهم المخاطبين* عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم : « إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنما هي مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله فوقع في قلبي : إنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا حدثنا يا رسول الله ما هي قال : هي النخلة » رواه البخاري . *موقف رسول الله ﷺ من الألغاز* إن هذا الحديث الشريف يعطينا صورة واضحة لموقف رسول الله ﷺ من الألغاز والأحاجي، وهو أن لا يقصد السائل تعنيت المسؤول وإزعاجه بإلقاء صعاب المسائل أو تعجيزه (١) ، وإنما يريد بذلك اختبار الأفهام وتصوير المعاني وتثبيتها في الذهن وتحديد الفكر والنظر في حكم الحادثة . . . كما نرى ذلك في الحديث الشريف . فقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين خير المؤمن وثباته بـ « المثال » الذي يلعب دورًا هامًّا في إبراز خبيئات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، ( وكما يقال : بالمثال يتضح المقال) ، فإن ا...

معالم في طريق الطامحين

 على مائدة العلم والأدب معالم في طريق الطامحين   محمد نعمان الدين الندوي  لكناؤ، الهند  *[ بعون الله تعالى نبدأ سلسة جديدة تحت العنوان المركزي : « معالم في طريق الطامحين » ، الذي يحتوي توجيهات تنفع الشباب الطامحين،  الذين يتوقون إلى الأمجاد والمراتب العالية عبر تحقيق أهداف سامية وأغراض نبيلة - ، تنفعهم إذا ما وضعوها - التوجيهات - نصب أعينهم، وساروا في ضوئها في مشوار حياتهم ]*.      * * * *كيف تصنع نفسك بنفسك . . ؟*  نفس عصام سودت عصاما  وعلمته    الكر  و  الإقداما كثيرًا ما يتساءل الشباب والطلاب الطماحون، المتطلعون إلى المستقبل المشرق : كيف نتقدم إلى الأمام . . ؟ وكيف نصنع مستقبلنا ؟ وكيف . . وكيف . . ؟ والحقيقة أن جواب هذه الأسئلة معلوم معروف عند كل واحد .. وهو :  الجملة السائرة المنسوبة إلى ابن عطاء الله الإسكندري، وهي : *« من كانت له بداية محرقة، كانت له نهاية مشرقة »* .. التي تشير إلى ضرورة شغف واحتراق المرء في البداية، خاصة في طلب العلم ودرك النبوغ فيه، لتحقيق النجاح الباهر في النهاية .. و البداية المحرقة تع...

الشباب . . ومنابع العطاء

 من وحي الأيام الشباب  . .  ومنابع العطاء محمد نعمان الدين الندوي  لكناؤ، الهند  مما لا شك فيه أن الشباب في كل زمان ومكان هو العنصر المهم والفعال في حياة الأمم، لأنه القلب الذي يدفع بدماء الحياة إلى شرايينها .. ولأنه العقل الذي تنتظر منه الخبرة والمعرفة، وتكوين الحضارة العلمية والفكرية، والساعد الذي يرجى منه بناء صرح الحضارة المادية، والروح التي تحتفظ بالعقيدة والقيم الإنسانية . فالشباب يمثل جزءا أكثر حساسية من نبض المجتمع، وسن الشباب تمثل قمة العطاء والفاعلية والحركية . من هنا .. فإن جميع المهمات التغييرية والتحولات ذات الشأن التي غيرت مسار التاريخ عبر مسيرة الحياة الإنسانية، كان بطلها : الشباب ! ولكن ليس كشباب اليوم :  وإنما شباب الصمود الذي يستعصي على زمجرة التاريخ، وجنون العاصفة ووحشية الأمواج، شباب الرجولة والطموح، الشباب الذي يجري في شرايينه دم الحياة، وتتحمس في قلبه الغيرة على الإسلام، وتكمن في أعصابه قوة للنهوض بأعباء المسئولية . لا شباب الخضوع أمام ربات الخدور، الشباب الذي يتفاخر بالتخنث وأميل إليه منه إلى اختيار خصال الرجال : شباب خنث لا خير فيهم ...

الإمام أبو الحسنات محمد عبد الحي الفرنجي محلي اللكهنوي الهندي

 شخصيات أعجبتني : (٤٠) الإمام  أبو الحسنات محمد عبد الحي الفرنجي محلي   اللكهنوي  الهندي محمد نعمان الدين الندوي  لكناؤ، الهند قصُر عمره، ولكن عظم نفعه. وعم فيضه وعبّقت رائحةُ علمه المكانَ و الزمان . .  حيث كان عمره لدى وفاته ٣٩ سنة وأربعة شهور فقط، ولكن هذا العمر القصير - نسبيًا - بارك الله فيه كثيرًا، ونفع به نفعًا عظيمًا، لأن صاحبه لم يضع أية لحظة من اللحظات . .  فضلًا عن دقيقة من دقائق حياته، حيث استثمر كل لحظة و كل دقيقة من عمره في تلقي العلم  ونشره وخدمة الدين استثمارًا دقيقًا واعيًا مسؤولًا .. * النشأة والذاكرة اللاقطة *: ينحدر من أسرة علمية دينية عريقة في الشمائل والفضائل والمكرمات . .  - فطبعًا - أولُ ما طرق أذنيه العلمُ والدين،  فمن هنا . . ألِِف العلم وأنس بالدين منذ الطفولة المبكرة، وجرى كل منهما في عروقه وأوصاله مجرى الروح والدم، فكان العلمُ غذاءَه، والدينُ - أي الصلاح والتقى - روحَه، لا انفكاك له عنهما، ولا يتنفس إلا بهما،  ولا يعيش إلا في جوهما، وهناك قصة مشهورة تتداولها الألسنة وتتناقلها الكتب، و تدل على انهماك ...

محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء (١٥)

 على مائدة العلم والأدب محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء (١٥) محمد نعمان الدين الندوي  لكناؤ، الهند  نماذج من مناهج التعبير النبوي   (*النموذج الثامن*) *الإيجاز العجيب والتصوير الرائع والتناسق اللفظي البديع*: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  « استحيوا من الله حق الحياء، قالوا إنا لنستحيي من الله والحمد لله، قال ليس ذلك . . من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، من فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء » رواه الترمذي . *معجزة من المعجزات البيانية النبوية* نعم . إن هذا الحديث الشريف درة يتيمة في عقد البيان النبوي الساحر، وإن القلم _ والله -  ليعجز عن وصف الحديث الشريف بما ازدان به من بدائع المحسنات اللفظية، وروائع المعاني الغزيرة، ولطائف المضامين الشريفة في أسلوب مرصع بنغمة صوتية وموسيقى عذبة نابعة من أداء الألفاظ والكلمات وتقارب مخارجها وتناسب حركاتها وفواصلها من غير تصنع ولا تكلف وإخلال بالمعنى . يبدأ الحديث الشري...