محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء (١٥)

 على مائدة العلم والأدب

محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم
المثل الأعلى للأدباء (١٥)


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


نماذج من مناهج التعبير النبوي

 

(*النموذج الثامن*)


*الإيجاز العجيب والتصوير الرائع والتناسق اللفظي البديع*:


عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

 « استحيوا من الله حق الحياء، قالوا إنا لنستحيي من الله والحمد لله، قال ليس ذلك . . من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، من فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء » رواه الترمذي .


*معجزة من المعجزات البيانية النبوية*


نعم . إن هذا الحديث الشريف درة يتيمة في عقد البيان النبوي الساحر، وإن القلم _ والله -  ليعجز عن وصف الحديث الشريف بما ازدان به من بدائع المحسنات اللفظية، وروائع المعاني الغزيرة، ولطائف المضامين الشريفة في أسلوب مرصع بنغمة صوتية وموسيقى عذبة نابعة من أداء الألفاظ والكلمات وتقارب مخارجها وتناسب حركاتها وفواصلها من غير تصنع ولا تكلف وإخلال بالمعنى .

يبدأ الحديث الشريف بكلمة مختصرة ذات معنى ومغزى . .  يراد بها لفتُ الأنظار إلى أمر خاص  . .  ( حياء ) ما عرفوه حق معرفته، وتحريك مشاعرهم إلى وعي حقيقة هامة قد لا تنال قسطها من العناية والتدبر والإدراك .

« فليحفظ الرأس وما وعى » . .  كلمة قليلة الألفاظ كثيرة المعاني . . ينبه الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم بهذه الجملة القصيرة إلى أشياء هامة عديدة، وإن التعبير بـ : «  حفظ الرأس وما وعى »  يعني عدة حواس وأعضاء توجد في الرأس : الأذن، واللسان والعين والعقل، فحياء الأذن - مثلاً أن نحفظها من الاستماع إلى أغان مثيرة للغرائز والشهوات الحيوانية، أو الغيبة أو النميمة، و غير ذلك مما يحرم أو يقبح سماعه، وحياء اللسان أن نحفظه من الخوض ( اللامناسب ) في الصفات الإلهية أو التطاول على ذات الله عـز وجل ومقام الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم، ومن السب والشتم وما إلى ذلك، وحياء العين أن نحفظها من النظر الحرام . . ، وحياء العقل أن نفكر به تفكيرًا نريد به إعلاء الباطل بدلاً من التفكير في إعلاء الحق وفي خلق السموات والأرض .

« وليحفظ البطن وما حوى » . . يعني - كذلك ـ التجنب من إشباع الغرائز بالحرام . . 

إنه لا يعنينا . هنا - النظر في المعاني الشريفة الغزيرة ـ التي يتضمنها الحديث الشريف - بمثلما يعنينا النظر إلى أسلوب الحديث وصوره البلاغية الإعجازية، فالحديث الشريف كلما قرأناه زدنا إيمانًا بسحره وتأثيره، وتمتعًا ببدائعه من الشكل والمضمون، فلننظر إلى هذه الكلمات المتقاربة الألفاظ، المتشابهة المخارج، العذبة الأداء، المسجعة الأسلوب، ولننظر إلى الإيقاع الموسيقي العذب الذي ينشأ من أداء كلمات : « الرأس ومـا وعـــى، والبطن وما حوى » ولننظر إلى هذا السجع الطبيعي الجميل  : « وعى » ، « حوى » ، « البلى » ، « الدنيا »  . . . ولننظر إلى وزن هذه الألفاظ المتقاربة الأداء : « يحفظ » الذي يساوي « يذكر » و « الرأس » الذي يساوي « الدنيا ».

ومما يزيد الحديث روعة بعد روعة، ونورًا على نور، وبهاء على بهاء . .  أن السجع قد جاء طبيعيًّا سهلًا موافقًا للمعنى غير زائد عليه، ولا نستطيع أن نقول : إن كلمة من الكلمات أقحمت رعاية للفواصل وتكلفًا للسجع، لا ... إنما هو طبيعة واسترسال وانسياب عفوي غير معتمد، وإنما هو تدفق ينبوع ثروة اللغة النبوية، وفيضان الفضل الإلهي البياني الذي خص به سيد الأنام محمد بن عبد الله ﷺ .


( الاثنين : ٢٩ من رجب ١٤٤٧ھ = 19 من يناير - كانون الثاني - 2026م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده