لماذا صار الزمان بخيلًا بالعباقرة ...؟

 من وحي الأيام

لماذا صار الزمان بخيلًا  بالعباقرة ...؟


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


سؤال من أكثر الأسئلة تداولًا في المجالس والنوادي .. وبين المثقفين والأميين .. وشرقًا و غربًا .. وشمالًا وجنوبًا ..

لماذا قلت الأبطال في العصر الحاضر .. ؟

لماذا عقمت الأرحام عن إنجاب النوابغ والعباقرة كما كانت تنجبها في الماضي .. ؟ 

لماذا ضنّ الزمان بأصحاب البطولة والنبوغ والذكاء الخارق للعادة والذاكرة الأسطورة، والملكات والمواهب المحيرة للعقول .. ؟

فترى العالم الإسلامي اليوم لم يعد ينبت الأبطال، وتربته لم تعد تخرج إلا الزعانف والأقزام ..

وندرة الأبطال وأزمة الرجال هذه ليست خاصة بساحة دون ساحة، أو لون معين  من العلوم والفنون والمعارف، بل تشمل جميع الأنواع من العلوم والفنون .. بل تتجاوز إلى الصناعات والمهن والحِرَف .. 

وكان المفروض يقتضي أن يتضاعف أو يكثر عدد المتميزين المتفوقين في العصر الحاضر ... لأن الوسائل والإمكانيات توفرت بشكل لم يكن يحلم به أبناء الأزمنة السابقة .. 

لأن الدراسة لم يكن يُسمح بها لكل من شاء .. بل كانت حكرًا على أفراد مخصوصين، أو فئات أو طبقات معينة ...

وطريق العلم لم يكن ممهدًا ولا ميسرًا، ولا خاليًا من العثرات والعقبات .. بل كان مفروشًا بالأشواك والقتاد، ومحفوفًا بالمشكلات والمتاعب .

أنا لا أتحدث عن القرون أو العصور الأولى أو المتوسطة التي كانت تزخر بأئمة العلوم والفنون مثل البخاري أو مسلم، أو أبي حنيفة أو ابن حنبل، أو المتنبي أو أبي تمام، أو الغزالي أو الرازي، أو الأصمعي أو التوحيدي، وأمثالهم من عباقرة الإسلام، ونوادر الزمان، الذين لا يوجد لهم نظير في تاريخ الأمم الأخرى .

فلا أتحدث عن أمثال هؤلاء الشموس والأقمار والنجوم والكواكب المتلألئة في سماء التاريخ الإسلامي الزاهر المجيد .

بل أتحدث عن الماضي القريب ... عن القرنين  :  الثامن عشر والتاسع عشر وأوائل القرن العشرين .. 

فمثلًا في الشعر والأدب  لا نجد - في العصر الحاضر - أمثال إقبال وشوقي و حافظ، وحتى أمثال الرافعي والمنفلوطي والطنطاوي .. لا نكاد نجد لهم مثيلًا بعد أن غادرونا .. فضلًا عن إقبال وشوقي وحافظ .

وفي القيادة والصحافة والخطابة لا نجد أمثال الأفغاني أو محمد عبده أو أبو الكلام آزاد ومحمد على جوهر أو عطاء الله شاه بخاري أو سعد زغلول .

وفي التبحر العلمي والبحث والتحقيق لا نجد أمثال شاه ولي اللٌٰه الدهلوي، والقاسم النانوتوي، وأنورشاه الكشميري، وسيد سليمان الندوي، وأبي الحسن الندوي، والدكتور حميد الله  الحيدرآبادي .

وفي الدعوة والإصلاح والتربية لا نجد أمثال الشيخ إلياس الكاندهلوي، والشيخ أشرف علي التهانوي، والشيخ عبد القادر الرائيبوري، والشيخ محمد بن عبد الوهاب من الحجاز .

رد بعض المفكرين  على هذا السؤال الصارخ،  الذي يعد من أبرز تساؤلات الساعة، فقال : " من الأسباب القوية - على ما يظهر - أن الناس سما مثلهم الأعلى في النابغة والبطل، فلا يسمون بطلًا او نابغة إلا من حاز صفات كثيرة ممتازة قلّ أن تتحقق، وهذا طبيعي، فكلما رقي الناس ارتقى مثلهم الأعلى .

والناس - على الجملة - استنارت أذهانهم إلى حد بعيد، واكتشفوا سر العظمة، فأصبحت العظمة المعتادة لا تروعهم، إنما يروعهم الخارق للعادة " .

هذا جواب عجيب .. وكأن صاحبه يريد أن يقول إن البطولة كان نيلها سهلًا ميسورًا لكل من هب ودب .. وشروط تحقيق العبقرية لم تكن صعبة، فلذا كثر النوابغ والعباقرة في الماضي .

أما في العصر الحاضر .. فالعظمة أو البطولة أو العبقرية،  فدون ذلك شوك وقتاد، وعلقم وصاب .. لأن الناس صار مستواهم أو مثلهم الأعلى أسمى وأرقى وأعظم .. فلا تروعهم البطولة العادية .. وإنما يروعهم الخارق للعادة .. 

و هذا الجواب لا يصدقه الأمر الواقع بل يكذبه ويفضحه .. 

فالرجل لم يكن يطلق عليه وصْفُ النابغة أو العبقري إلا إذا أتى بشيء غير عادي، أو أبدع إبداعًا غير معهود، أو سلك مسلكًا غير مسبوق في مجال من المجالات، أو كان ذا ذاكرة نادرة محيرة، أو صاحب شعر ساحر بديع، أو مؤلفات قيمة تسير بها الركبان و يتلقاها فطاحل الرجال .. أو .. أو ..

أنا أسأل حضرة المجيب : هل أتى حافظ جديد أو شوقى جديد بعد ما فقدناهما .. ؟ 

وهل تستطيع أن تقدم نظيرًا لجمال الدين الأفغاني أو محمد عبده بعد أن رحلا ..؟ 

وهل أنجبت الهند أمثال الدهلوي أو إقبال أوالكشميري ومحمد علي جوهر مرة أخرى .. ؟ 

هل هؤلاء كانت عظمتهم عظمة معتادة .. هل كانوا رجالًا عاديين  عندك .. ؟ 

أم كان كل واحد منهم يحق له أن ينشد متمثلًا بقول المتنبي :


فدع عنك تشبيهي بما  وكأنه 

فما أحدٌ فوقي وما أحد مثلي 


هل تستطيع - أيها المجيب المحترم - أن تقدم شاعرًا -  مثل إقبال - هز العالم الإسلامي بشعره الثائر المثير المحرك للشعور والوجدان، الذي يدفع القارىء إلى العمل والنشاط، ويثير فيه الطموح، ويشعل فيه عواطف الحب واليقين . 

هل هذا الشاعر - إقبال - كان عندك شاعرًا عاديًّا .. ؟ وهل أتى شاعر مثله مرة أخرى ..؟

وأظنك تردد معي قول أبي تمام  :


 هيهات لا يأتي الزمان بمثله 

إن   الزمان     بمثله   لبخيل 


إذا كان مثل الأفغاني وعبده وإقبال الذين أحدثوا هزة وقلبوا الأوضاع ونفخوا الروح في جسم العالم الإسلامي البارد رجالًا عاديين أو أصحاب عظمة عادية ..

فلعلك في حاجة إلى فهم معنى : " العظمة " فهمًا جيدًا .. 

ليس معنى : " العظمة " أن تقلب العصا حية .. فهذا ليس بعظمة أو عبقرية أو عصامية .. وإنما هو سحر أو شعوذة أو بهلوانية أو معجزة  . . كما وقعت من موسى عليه السلام بأمر من الله .

أما العظمة أو العبقرية أو الإبداع أو النبوغ فهي صفات أو ملكات متقاربة متماثلة .. وصحيح أنها قد توهب من الله لفرد هبة  .. بحيث أن الله تعالى قد يمنح عبدًا من عباده، ملكة خاصة بدون جهد يُذكر، أو عناء خاص يُرى .. فيبَرّز بها أقرانه ويفوقهم ويسبقهم فضلًا وقدرًا ودرجات . . 

ولكن هذا شذوذ لا يقاس عليه .. ونادرًا ما يقع .. فليس ذلك قاعدةً مطردة أو سنة عامة من سنن الله .. 


والأصل والأساس في الحصول على العبقرية أو النبوغ أو الإبداع :  التفرغُ الكامل للموضوع الذي يريد فيه الإنسان أن يصل فيه إلى مرتبة الإمامة .. 

إن ذلك - نيل النبوغ - يحتاج إلى اجتماع الهم واستفراغ الجهد والتضحية بالكثير من الراحة والمُتَع، والصوم عن الملذات والمشتهيات .. 

إن ذلك يحتاج إلى السكون والانقطاع عن كثير من الأعمال والنشاطات الزائدة .. 

في الماضي لم تكن مثل هذه النشاطات من الحفلات والندوات والمؤتمرات وما إلى ذلك ..

فكان الإنسان - في الماضي - يتفرغ لمطالعته ودراسته، وتأليفه وتصنيفه، ولا يهمه رفع مستوى الحياة، وإنما كانت تقنعه المعيشة الساذجة البسيطة .

وكان الواحد منهم يطرح نفسه على عتبة أستاذه، يقضي عنده سنوات وسنوات يرتوي من علمه الفياض، ويشبع نهمه العلمي ما شاء الله أن يشبع، ولا يترك عتبته إلا إذا أمره أستاذه بذلك، بعد ما يقتنع بأن تلميذه هذا صار مؤهلًا للتعليم والإفادة، فيرسله إلى جهة تكون في حاجة إلى المعلم والمربي، فكان التلميذ يتوجه من ساعته إلى حيث يأمره أستاذه،  ويقضي حياته - هناك - معلمًا ومربيًا، تتعلم وتتربى على يديه الأجيال، أو كان يتفرغ للمطالعة والتأليف والتصنيف، فربما كان يؤلف وحده مكتبة كاملة، لا يقوم بها مجمع مزود بالطاقم العلمي واحدث التسهيلات .. 

فالعبقرية أو الإبداع والنبوغ والعظمة لا يصل إليها إلا أصحاب الهمم العالية وذوو العزائم العصامية، والنفوس الأبية العالية، الذين لا يعرفون للراحة والكسل معنى، وللتعب والكدح حدًّا في مرحلة من مراحل حياتهم  :

 

و من   طلب  العلا  بغير  كد 

أضاع العمر في طلب المعالي 


يقول ابن الجوزي متحدثًا عن تكاليف المجد العلمي والعبقرية والنبوغ : " ما يتناهى في طلب العلم إلا عاشق العلم، و العاشق ينبغي أن يصبر على المكاره، والفضائل تنادي :


لا  تحسب  المجد  تمرًا أنت آكله 

لن تبلغ المجد حتى تلحق الصبرا


وهنا ذكرت ما سمعته كثيرًا من سماحة الشيخ أبي الحسن الندوي رحمه الله، فكان كثيرًا ما يقول وهو يخاطب طلاب ندوة العلماء خاصة، وطلاب غيرها عامة : " لا يمكن النجاح في المقصد ما لم توجد العلاقة معه إلى حد العشق والتفاني " .

وكذلك سمعت منه و من غيره - من الأساتذة والمربين - في حث الطلاب على بذل أقصى الجهد في الدراسة  ما معناه : " لا يمكن أن تنجحوا نجاحًا مبرّزًا إلا أن تفقؤوا عيونكم لكثرة القراءة والمطالعة " .

وهناك مقولة معروفة مماثلة منسوبة إلى أكثر من عَلَم من أعلام الإسلام، وهي : " العلم لا يعطيك بعضه، إلا إذا أعطيته كلك، وأنت إذا أعطيته كلك، فأنت من بعضه على خطر " .

وحضرني - كذلك - ما سمعت وقرأت  - مرات - قصة تدل على مدى شغف سلفنا رحمهم الله  بالعلم وعكوفهم عليه وتفرغهم له، والقصة من بلدنا : لكناؤ  .. لأحد  علمائها الأعلام من الماضي القريب .. وهو العلامة عبد الحي الفرنجي محلي اللكهنوي  ( ١٨٤٨ - ١٨٨٦م ) صاحب المؤلفات القيمة، المعروف عند أهل العلم، فمما سمعنا وقرأنا عنه أنه طلب - ذات مرة - الماء من الخادم، وكان - الشيخ عبد الحي - مشتغلًا بالمطالعة، فلما بلغ والدَه أن ابنه طلب الماء وهو يشتغل بالمطالعة، أهمه الخبر وأقلقه، لأن الإنسان إذا كان منهمكًا في المطالعة أو شيء ما .. فلا يشعر بعطش أو جوع أو حتى ألم خفيف .. فشعور عبد الحي بالعطش  وطلَبُه الماءَ - أثناء المطالعة - جعل والده يهتم ويفكر : هل الابن لم يكن مشتغلًا بالمطالعة اشتغالًا كليًّا، لأنه لو كان كذلك، لما شعر بالعطش أو أي حاجة .. ثم أبعد في التفكير، وقال في نفسه : لعل نعمة العلم هذه يُسلَبُها أهلُ بيته ويحرمون منه، لأن هذا الحدث من دلائل ذلك، و- فجأة - خطر بباله خاطر وأراد أن يمتحن مدى اهتمام الابن بالمطالعة، فقال للخادم : اخلط الماء بالزيت ، ثم ناوله عبدَ الحي .. ففعل الخادم كما أمره والد الشيخ عبد الحي، وبعد ما شرب الماء المخلوط بالزيت، سأل الوالدُ الخادمَ  : هل قال عبد الحي شيئًا خلال الشرب أو بعده ؟ فقال : لا. .. فحمد الوالدُ اللهَ تعالى، وشكره. واطمأن على أن نعمة العلم ستبقى في بيته وتستمر إن شاء الله .. لأن عدم شعور الابن بالماء المخلوط يدل على أن الانقطاع المطلوب للعلم والانهماك فيه ما زال موجودًا على الوجه المنشود مما يبشر بخير، ويشير إلى بقاء كنز العلم في بيته إلى المزيد من الوقت إن شاء الله تعالى ..


   ( للحديث صلة )


( الأحد : ٢١ من رجب ١٤٤٧ ھ = 11 من يناير - كانون الثاني - 2026 م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده