محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء : (١٤)
على مائدة العلم والأدب
محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم
المثل الأعلى للأدباء : (١٤)
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
نماذج من مناهج التعبير النبوي
*النموذج السابع*
*تشويق المخاطب وإثارة انتباهه*
( مثال توجيهي من الحديث الشريف) :
«عن معاذ بن جبل قال : بينا أنا رديف رسول الله ، ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل، فقال : يا معاذ ! قلت لبيك رسول الله وسعديك . . ثم سار ساعة ثم قال : يا معاذ ! قلت لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة ثم قال : يا معاذ بن جبل ! قلت لبيك رسول الله وسعديك، قال : هل تدري ما حق الله على عباده ! قلت : الله ورسوله أعلم ! قال : حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ، ثم سار ساعة ثم قال يا معاذ بن جبل ! قلت لبيك رسول الله وسعديك : قال : هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟ قلت : الله ورسوله أعلم ! قال حق العباد على الله أن لا يعذبهم » رواه البخاري .
*إعداد المخاطب نفسيًّا وذهنيًّا*:
نحن الآن أمام خصيصة أخرى رائعة من خصائص النبي البيانية، ولها ما لها من تأثير في المخاطب، وتأكيد بليغ في نفسه، وإشعاره بأهمية ما يقول المتحدث، وهي خصيصة قلما توجد في أصحاب البيان الآخرين، وهي أن النبي كان حريصًا - أشد ما يكون الحرص - على تعليم أمته ما يعود إليها من متطلبات دينها وأحكام شريعتها، ثم ما لها من أجر وثواب عند الله سبحانه، إذا كانت هي قد أدتها حق أدائها، فكان رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم يستخدم لذلك أساليب مشوقة تُعِدٌ السامع لما يلقى إليه من الكلام للإصغاء إليه، لكي يكون أوقع في النفس، وأشد أثراً وتأثيراً في القلب، فها أنا ذا أقدم نموذجًا واحدًا من هذه الأساليب النبوية المشوقة للكلام . .
لما أراد رسول الله أن يعلم معاذًا - الذي كان رديفه آنذاك - حقيقة عظيمة من حقائق الدين، ويُعَرّف - عن طريقه ـ أمته بما عليها من مسؤولية وحق تجاه ربه، ثم مالها من ثواب على أداء هذا الحق من الله، أعد معاذًا للاستماع إلى هذا الأمر الهام، فبدأ بشرح هذه الحقيقة عن طريق النداء فخاطبه بـ : « یا » فقال : « يا معاذ » ! يا له من أسلوب المخاطبة ! مخاطبة رفق ولين وحب، مخاطبة ناعمة تشوق القلب، وتستثير كوامنه، وتجذبه جذبًا، وتنفذ إلى أعماقه، وتجعل المنادى يقبل على المنادي إقبالًا كليًّا . .
وفي بعض الروايات : « معاذ « بدون « يا » ، وهذا أصح من جهة القياس والمعنى، لأن حرف « النداء » تدل على بعد المنادى، فلم تكن ثمة حاجة إلى ذكر : « يا » ، لأن رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم لم يكن بينه ومعاذ إلا آخرة الرحل .
فلننظر كيف بدأ رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم الكلام مع معاذ باختيار أسلوب مشوق محبب، ثم ما لمثل هذا الأسلوب من تأثير في المخاطب، ولفت نظره إلى ما سيُعرَض عليه، و - بالتالي- قبوله ذلك قبولاً حسنًا، فليس ذلك بخافٍ على الداعي الذي يمارس عمله ونشاطه الدعوي بالحكمة والموعظة الحسنة.
« قلت لبيك رسول الله وسعديك » . . يا لها من إجابة كلها أدب وتعظيم و احترام يتفق واحترام الصحابة الكرام - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - للنبي صلى اللّٰه عليه وسلم، وكما يطابق ويناسب ومقام الرسول العظيم - عليه أفضل الصلاة والتسليم - ، فأجاب معاذ رسول الله بهذه الكلمة الرقيقة الحانية : « لبيك رسول الله وسعديك » ، أي أجبتك إجابة بعد إجابة، أسعدتك إسعاداً بعد إسعاد، أي أنا كلي إطاعة وامتثال لأمرك، واستماع إلى قولك، وإقبال على ذاتك الشريفة يا رسول الله ..
« ثم سار ساعة ثم قال يا معاذ » . . هذا لمزيد من التشويق والتهيئة الذهنية والقلبية ، « قلت لبيك رسول الله وسعديك » هنا أيضًا أجاب بمثلما أجاب في النداء الأول الكريم .
« ثم سار ساعة، ثم قال يا معاذ بن جبل » . . لعمري كم كان رسول الله ﷺ حريصًا على تلقين أمته أمور دينها، وكم كان موفقًا في اختيار الأساليب التعليمية والتوجيهية التي تجذب القلوب، وتلفت الأنظار توفيقًا ملهمًا .
فهذا ليس تكرارًا محضًا خاليًا من الفائدة، بل إنما هو حرصًا منه - صلى اللّٰه عليه وسلم - على أن يكون معاذ كله حنينًا واشتياقًا ومستعدًا لسماع القول الهام الذي سیصدر عن فم النبوة الكريم.
ثم هنا في النداء الثالث النبوي الكريم ما يدعو النظر والتأمل، وهو أن الرسول ﷺخاطب معاِذًا في المرتين الأوليين بـ : « يا معاذ » بدون أن يذكر كنيته، أما في النداء الثالث فكنى المعاذ فقال « يا معاذ بن جبل ».
ومعلوم أنه خير لك - ومما ينبغي - أن تنادي الرجل بكنيته، فبهذه الطريقة تكون قد جذبت الرجل إليك جذبًا، وتكون موفقًا توفيقًا أعظم في هدفك الذي تتوخاه، وأكثر حظًّا من الإصغاء والإقبال عليك، لأنك كسبت قلب الرجل بعد أن ذكرت اسمه بكل اهتمام وعناية، فذكرت اسمه الكامل، فخاطبته - مثلًا - بكنيته التي يحب أن يُعرَف وينادَى بها.
فخاطب رسولُ الله صلى اللّٰه عليه وسلم معاذًا في المرة الثالثة بـ : « يا معاذ بن جبل » بكنيته . . فجذبه إلى نفسه كليًّا، فكأنه أشار بذلك إلى أنه يجب عليك الآن أن تكون على أتم استعداد . . بقلبك وذهنك وأعضائك كلها . . للاستماع والإصغاء، فقد آن الأوان أن أجود لك بتلك الحقيقة العظيمة التي أعددتك لها هذا الإعداد العظيم .
فما هي تلك الحقيقة التي عني بها الرسول هذه العناية الكبيرة، وأعد لها هذا الجو من الاشتياق والحنين والعناية، وقبل أن أذكر تلك الحقيقة العظيمة أريد أن أمر مرًّا سريعًا بإجابة معاذ للمرة الثالثة، فلم يكن أتى بجواب جديد، وإنما هو هو فقال : « لبيك وسعديك » ، لم يمل معاذ و لم يغضب، ومعاذ الله وحاشا لله من أن يغضب معاذ بألف نداء . . بل مئة ألف نداء . . من الرسول ، ولا يتصور ذلك من صحابي، فكان الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - يحبون الرسول الله حباً لا يتصور فوقه حب، حبًا خالط لحمهم ودمهم، وكانوا يوقرونه توقيرًا لم - ولن يحظى بمثله أحد - من البشر فوق الأرض إلى يوم القيامة . . !
فلم يقل معاذ لرسول الله : مالك يا رسول الله ! ما تزال تناديني ولا تقول شيئًا . . لا . . بل أجاب بنفس الجواب المؤدب المتواضع الحاني الرقيق الذي أجاب به من قبل في المرتين الأولى والثانية . . فقال : « لبيك رسول الله وسعديك ».
هنالك مهد الرسول صلى الله عليه وسلم لتلك الحقيقة تمهيدًا عمليًّا، فقال : « هل تدري ما حق الله على عباده ؟ قلت : الله ورسوله أعلم » ، هذا هو أيضًا من أدب معاذ - رضي الله عنه - إذ نسب العلم إلى الله ورسوله، وكان له أن يقول شيئًا اعتمادًا على علمه وفهمه، وهكذا كان دأب الصحابة كلهم أنهم كانوا ينسبون العلم إلى الله ورسوله، حتى ولو سُئلوا عن البدهيات .
هنالك نطق رسول الله بتلك الحقيقة . . فلنسمعها في الألفاظ النبوية الكريمة : قال : « حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا » .
حقًّا ! إنها لأجدر بمثل هذه التهيئات والتشويقات والاستثارات، فقد جمعت هذه الكلمة الموجزة خلاصة الشريعة الإسلامية، فالشريعة الإسلامية كلها تدور حول نقطتين بارزتين: إما الأمر، وإما النهي . . الأمر بكل ما يجلب رضا الله من عبادة وامتثال وطاعة وخضوع، والتمتع بالطيب من الطعام والشراب واللباس والمسكن وغير ذلك من الطيبات التي يعرفها كل مسلم، والانتهاء عن النواهي والمنكرات التي يعرفها عامة المسلمين، والحقيقة أن هذه الكلمة المختصرة الجامعة لم تغادر صغيرة ولا كبيرة من الشريعة إلا أحصتها.
ومما يجدر بالنظر إليه : بلاغة لفظ « عباد الله » بدلًا عن « الناس » ، فإنه يفيد تأكد معنى الحق كما يثير في النفس معنى الطواعية والقبول . .
هذا نموذج واحد من كثير من الأساليب التربوية التعليمية النبوية المشوّقة للأذهان، النافذة إلى القلوب المؤثرة في النفوس .
وهذه هي المعرفة النبوية الفذة بدقائق الأساليب المؤثرة، وكيفية إراءة الأذهان طريقها من الاهتداء إلى الصواب والتجنب من المزالق .
إنها حكمة الله وقدرته التي جعلت رجلًا أميًّا، أفصح من تكلم من البشر على امتداد تاريخهم، وخصه بمفاتيح البيان التي كان يتصرف بها في تنوير الأذهان، وتربية النفوس تصرف الحر القادر المطلق - في هذا المجال – الذي كان لا يضارعه فيه أحد . .
صلى الله وسلم على صاحب هذا البيان العالي المعجز، ووفقنا لاقتداء منهجه القويم في كل أمر من أمور الدنيا والدين (آمين) .
( الاثنين : ١٥ من رجب ١٤٤٧ھ = 5 من يناير - كانون الثاني - 2026 ) .
تعليقات
إرسال تعليق