يا أمتي .. !
من وحي الأيام
يا أمتي .. !
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
على الرغم مني .. أعود إلى التفكير فيك يا أمتي ! وعبثًا أحاول أن أصرف فكري إلى حديثٍ غير حديثك، وذكرٍ غير ذكرك ..
ولماذا أصرف فكري عنك . . ؟
أ لأَني يسوءني إذا فكرت فيما تقاسين من الآلام والنكبات، وما تواجهين من التحديات والمخاطر .. أو فيما أصابك ما أصابك - عبر ما مضى من القرون وما سلف من الدهور - من الأهوال والشدائد، والبلايا والمحن ..
ألم تعد في النفس بقية من الشجاعة، فأواجه بها الحقائق .. وإن كان أحلى ما فيها أمَرّ من العلقم والصاب ..
أو لأنني أخاف إن أكثرتُ من التفكير فيما مرّ أو يمر بك من الفظائع والشدائد التي تجعل الحليم حيران، أن أكون حزينًا كئيبًا، مضطرب الفكر، عابس الوجه، قلقًا في النهار أرقًا في الليل، لا يقر لي قرار، ولا يهدأ لي بال، ولا أكتحل بنوم، ولا يهنأ لي طعام ولا شراب ..
* * *
ثم لماذا أزهد فيك وأصرف الفكر عنك .. ؟
أ لأن شرفي من شرفك، وعزتي من عزتك، وعزتك من عزة الله .. فلقد شرفك الله واجتباك من بين الأمم، ورفع ذكرك، وأعلى شأنك، فجعلكِ خير أمة أخرجت للناس، أمة محمد - عليه الصلاة والسلام - أفضل الأنبياء وآخر الرسل، فكيف أفكر - مجرد تفكير - في تقليل التفكير فيك، فلستُ بدون الانتماء إليك شيئًا مذكورًا .. ( بل أُكون نكرةً من النكرات ) ، وكما قال شاعرنا شاعر الإسلام الدكتور إقبال رحمه الله :
فرد قائم ربطِ ملت سے ہے تنہا کچہ بہی نہیں
موج دریا میں ہے اور بیرون دریا کچہ بہی نہیں
( إن أي فرد - من أفراد الأمة - يكتسب أهميته بارتباطه بالأمة، وانتمائه إليها، فهو - بمفرده - ليس بشيء، لا قيمة له و لا أهمية ولا كرامة ..
إذ الموج يكون في البحر، أما خارج البحر فلا وجود له ولا أثر ) .
فأنا منكِ .. وأنتِ مني .. وكلانا كل لا يتجزأ .. على أنكِ غنية عن الحاجة إليّ، فلستِ بحاجة إلي .. مثل حاجتي إليك .. فلن استغني عنك !
وكيف استغني عنك، وأنت جعلك الله خير الأمم وأفضلها على الإطلاق، وخيري ونجاتي في الاستمساك بعروتك ( من شذ شذ في النار ) .
نعمتٌ في ظلك، واهتديت بسنة نبيك، ونلت السعادة بالارتماء في أحضانك، وأحرزت الخير - كل الخير - بالسير مع قافلتك ..
فكيف يمكن لي أن أصرف فكري عنك .. ؟
فأي كفران للجميل أقبح وأشنع من هذا الكفران .. ؟
وأي عقوق مثل هذا العقوق .. ؟
وأي جحود أسوأ من هذا الجحود .. ؟
* * *
أي أمتي .. !
آه .. لقد كنتِ في الماضي أمة عظيمة .. ذات الحول والطول، والعدة والبأس، موفورة العزة .. مرفوعة الهامة .. جليلة الشان .. مرهوبة الجانب .. مسموعة الكلمة .. مطاعة الأمر .. تسامين النجوم رفعة، وتناطحين السحاب علوًّا .. تتربعين على عرش القيادة، وتخفق رايتك في معظم أرجاء المعمورة .. تصدرين أمرًا فينفذ، يوم كانت الشعوب والأمم تتخبط في الظلام، وتعيش في الأوهام، يوم لا كلمة إلا كلمتك .. ولا قرار إلا قرارك .. وما يوم حليمة بسر .. !
ثم انقلب الأمر رأسًا على عقب .. وذل العزيز، وعز الذليل، وضعف القوي، وقوي الضعيف، وكسر الجناح، وانتُهِكت الحِمى :
كنا كما ذكر الإله أعز أبناء الأنام
واليوم شتت شملنا وغدا الحضيض لنا مقام
وتحولتِ إلى فرق وأوزاع، وتفرقت الفرق إلى فرق، والأوزاع إلى أوزاع، فأصبحت هذه الفرق فرائس سهلة لقراصنة الإنسانية ووحوش الحضارة، ولصوص الدين والكرامة، وعدتِ أمة تائهة موزعة متخاصمة متناحرة، تنهشها الذئاب، وتهتك أعراضها الكلاب، وتسلب أموالها الغربان، وتدوس أرضَها الأمة الملعونة، ويجثم على مقدساتها أبناء القردة والخنازير من اليهود المغضوب عليهم، ولا دور لأبنائك إلا دور الأتباع المهانين، ولا وزن لهم إلا وزن الكرة المقذوفة بين اللاعبين، و صاروا كالأيتام على مأدبة اللئام ..
ويصدق عليهم ما قال الشاعر العربي الأخطل الذي هجا به قبيلة كليب بن يربوع :
مخلفون ويقضي الناس أمرهم
وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا
وأيضًا قول جرير :
ويُقضى القرارُ حين تغيب
تميم ولا يستأمرون وهم شهود
ما دهاك يا أمتي .. هل أصابتك العين .. ؟
فسقطت من الثريا إلى الثرى .. ومن العلو إلى الحضيض !
آه .. قد طال ليلكِ .. شرقتِ فيه بدموعك، وتلظى الهم في ضلوعك :
فيالك من ليل كأن نجومه
بكل مغار الفتل شدت بيذبل
ولا يُقنطنّكِ كلُ ذلك .. فإن اشتداد الظلام يشير إلى أن الصبح يكاد يطلع، فالظروف القاتمة تؤذن بقرب انبلاج فجر جديد إن شاء الله، فجر الحرية والعزة والكرامة .. وما ذلك على الله بعزيز، وهو على ذلك لقدير !
* * *
ويقولون إنك عقمتِ .. وأصبحت لا تلدين العظماء ولا الأحرار والأبطال والقامات الفارعة .. ولم تعودي تنجبين العباقرة والنوابغ كما عهد العالم منك بها .. فكان كل قطر بل كل مدينة - من مدنك - يحفل بعدد غير قليل من أهل النبوغ والفضل والبراعة في مختلف أنواع العلوم والمعارف ..
نعم . يزعمون أن رحمك لم تعد تخرج إلا الزعانف والأقزام، ماهم بالرجال ولا بأنصافهم ولا بأشباههم ..
ولعلهم مصيبون في زعمهم إلى حد ما ..
فلعلك تفكرين في هذا الأمر الذي يحتار فيه المخلصون المحبون من أبنائك ..
فما الذي أصابك بالعقم من إنجاب أصحاب المواهب المبدعة و العقول العبقرية التي حيرت العالم بإنتاجاتها الفكرية الفذة .. ؟
فالأرض هي الأرض .. والسماء هي السماء .. والشمس هي الشمس .. والقمر هو القمر .. والإنسان هو الإنسان بمواهبه وقدراته، ومداركه وملكاته ..
وفوق ذلك كله .. الله هو الله الحي القيوم المانح المعطي الذي لا تنفد خزائنه .. { وما كان عطاء ربك محظورًا } .
إلا أنني على ثقة بأن كل ما تمرين به من الأزمات والمحن والنكبات غمرات ثم تنجلي، وسحابة صيف عن قريب تنقشع . . ومع اليوم غد . . والدهر دولاب يدور . . والأيام دول تدول . . وإن مع العسر يسرا .. ولكل أجل كتاب . . وستعود إليك - إن شاء الله تعالى - أيامك الماضية الغراء .. أيام العظمة والسؤدد، والهناء والرخاء، والتقدم والازدهار .. وتقبل عليكِ رحمة ربكِ مرة أخرى، فتعودي - كما كنتِ - مبعث خير وسعادة، ومشعل نور وهداية للإنسانية جمعاء ..
فهذا هو رجائي ودعائي وتمنياتي لكِ دائمًا وأبدًا .. فخيركِ خيري، والعكس بالعكس .. فأنا منك، ولستُ شيئًا إذا قطعت الصلة بك .
وسامحيني إذا خانني التعببر عن خواطري تجاهك، فما أردت إلا النصح لك ..
والسلام عليكٓ ورحمة الله وبركاته !
( الثلاثاء : ٣ من ذي القعدة ١٤٤٧ھ ٢١ من أبريل - نيسان - ٢٠٢٦م )
تعليقات
إرسال تعليق