اللحن في العربية بين استهجان السلف واستخفاف الخلف. (الحلقة الثالثة / الأخيرة)
على مائدة العلم والأدب
اللحن في العربية
بين استهجان السلف واستخفاف الخلف
(الحلقة الثالثة / الأخيرة)
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
*حال العربية في العصر الحاضر* :
لقد كانت هذه نظرة عابرة - من خلال ذكر بعض الأقوال والحكايات والآثار المقتبسة من المصادر القديمة والجديدة – على غيرة السلف الصالح تجاه العربية وحرصهم الأكيد على سلامتها ونصاعتها، والدفاع عن حريمها، وحفظها مما يشينها ويفسد جمالها وبهاءها، ولكن - للأسف الشديد – خلف من بعدهم خلف أضاعوا اللغة، وأفسدوها وتنكروا لها، وأساءوا إليها، وجنوا عليها جناية لا تغتفر !
فإن الخبير المطلع يعرف - تمام المعرفة ـ ما آل إليه أمر اللغة المجني عليها من الإهمال والضعف، والعقوق ممن رضعوا بلبانها والتنكرمن الناطقين بها، فتتعرض العربية منذ فترة غير قصيرة إلى " تكسير لأضلاعها " - على حد تعبير الأستاذ علي الشادي ( ١) - على ألسنة أبنائها الذين يقرأ بعضهم كلمات تحطم أضلاع (سيبويه) وربما ( أبي الأسود الدؤلي ) في قبريهما، والتي ضاعت في زحمة التفرنج والعولمة والانترنت.
فقد أصبح - وللأسف - غير القليل من العرب - يخجلون من التحدث بالعربية، ويتباهون بالنطق بغيرها، ويرسلون أولادهم إلى مدارس وجامعات تعلم اللغات الأجنبية . . ظانين أن ذلك يؤمن مستقبل أولادهم !
وقلّ بل وندر من يتحدث باللغة العربية الفصيحة السليمة من اللحن والرطانة الأعجمية التي فشت وبغت وعمت و طمت حتى بين أساتذة كليات اللغة العربية والشرعية ورؤسائها فضلًا عن طلابها والمتخرجين فيها.
وقد أطلق شاعر النيل حافظ بك إبراهيم - في وقت مبكر نداءه الحزين - على لسان العربية - عبر قصيدته الرائعة الذائعة الصيت العالمية الشهرة : *« اللغة العربية تنعى حظها »* بين أهلها، يشكو فيها بثه وحزنه على ما تتعرض له العربية من المكائد السافرة المتلاحقة التي تهدف إلى تشويه وجهها، وتحطيم بنيتها، ومسخ لكيانها، قائلًا :
أرى كل يوم بالجرائد مزلقًا
من القبر يدنيني بغير أناة
وأسمع للكتاب في مصر ضجة
فاعلم أن الصائحين نعاتي
أيهجرني قومي عفا الله عنهم
إلى لغة لم تتصل برواتي
سرت لوثة الأعجام فيها كما سرى
لعاب الأفاعي في مسيل فرات
فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة
مُشَكَّلة الألوان مختلفات
*بعض صور إفساد العربية* :
إن محاولات الإساءة إلى اللغة العربية الفصحى وإفسادها والقضاء عليها متنوعة، فالحقيقة أن أي لغة من اللغات لم تلق من العداء والمكيدة ما لاقته اللغة العربية، فالبداية كانت بها، والهدف : العقيدة الإسلامية والكتاب والسنة والتراث الإسلامي - الذي معظمه بالعربية - !
فقد جرت محاولات تحطيم العربية وهدمها ومسخها تحت مظلات مختلفة وبأسماء براقة من " التجديد " ، و " التحديث "، و " التقدم والتطور . . . وما إلى ذلك !
وقد أشار إلى ذلك أمير الشعراء أحمد شوقي في أبياته التالية التي ينصح فيها الأمة بالاعتصام بلغة القرآن والحديث مثلًا أعلى في البيان والتعبير :
لا تخلط الأعجام بالإعراب
تحجل - وقاك الله - كالغراب
وكل مالم يرم عن قوس العرب
فليس في نبع لهم ولا غرب
فامش بآداب الكتاب تهتد
وقف بأبواب الحديث واجتد
هما هما القلب فيه يفرغ
ومعدن الحسن الذي لا يفرغ
وتارة تمثلث - وتتمثل - محاولات القضاء على العربية - في اتهامها بالقصور والعجز عن مواكبة التطورات الحديثة، وهو - طبعًا - اتهام باطل، أجاب عنه شاعر النيل في قصيدته - السالفة الذكر - قائلًا :
وسعت كتاب الله لفظًا وغاية
وما ضقت عن أي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة
وتنسيق أسماء. لمخترعات
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي
ويضيف قائلًا - وهو يوجه اللوم على لسان العربية - إلى أبنائها العاقّين الذين يرمون لغتهم الأم بالعجز والتخلف - :
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي
وناديت قومي فاحتسبت حياتي
رموني بعقم في الشباب وليتني
عقمت فلم أجزع لقول عداتي
ولدت ولما لم أجد لعرائسي
رجالًا و أكفاء وأدت بناتي
وأحيانًا جاءت محاولات الإساءة إلى العربية في الدعوة إلى العامية، أو إلى تحريرها من قواعد اللغة وتجريدها من الإعراب، وأخرى في استبدال بعض حروفها بحروف أخرى، أو إلغاء بعضها الآخر، أو إخراج بعض الحروف من غير مخارجها الأصلية.
لقد أعجبني - بهذا الصدد - ما قاله الشيخ محمد بن سعد المشعان في شرح الحديث الشريف : « إن العربية ليست لكم بأب ولا أم، وإنما العربية لسان ، فمن تكلم العربية فهو عربي » (٢)، وهو - الشيخ المشعان - ينعى على العرب تقصيرهم في لغتهم، ويؤنبهم وينبههم إلى ما آل إليه الأمر من شيوع الخلل واللحن بين الناطقين بالعربية، يقول :
« أتسال أحيانًا عبر هو اجسي : ما الذي يجعلني شديد الاهتمام بهذا الحديث - المذكور آنفًا - لقد تسألت كثيرًا عن المعاني التي يمكن استخلاصها من الحديث الشريف، الذي يبدو قصير العبارة، ظننت - في بداية الأمر - أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوجه سامعيه إلى عدم الخوض في معاني الانتماء إلى العرب، لأنهم شعوب وقبائل، وفيهم من هو من أهل شبه الجزيرة العربية، وفيهم من هو من القادمين إليها من أرومة أخرى من بلدان نائية أو دانية، فأراد أن يختصر لهم مفهوم " العربية " في قول جامع يحافظ على الأصل، ويبتعد عما يقود إلى منافرات الجاهليين ومفاخراتهم التي ذبحتهم فيما مضى من الزمان قبل الإسلام، ولاحقتهم فيما بعد الإسلام حتى دمرت مدنيتهم وهدمت حضارتهم، ولا زالت تهدد البقية من وجودهم .
لم أفطن إلى ما في الحديث الشريف من نبوءة سوف تظهر في المستقبل حتى لفت نظري إلى ذلك من لفت نظري فقال لي : الرسول صلى الله عليه وسلم علًق صفة " العروبة " في الإنسان باللغة العربية .
وقد فهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين مقصد الرسول فهمًا جيدًا، وساروا حسب توجيهه كعادتهم وانصرفوا إلى توحيد صفوفهم وتوثيق أخوتهم، وسد الثغرات في مجتمعهم، لأنهم يعرفون : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يترك الرجل مفرجًا، بل يلحقه بقبيلة يكون لها، وتكون له.
فبلال ابن رباح أخ لأبي بكر الصديق، و"سلمان منا آل البيت " ، والصحابة عرفوا ذلك حق المعرفة، وعملوا بالتوجيهات النبوية بما أراهم الله .
العرب في وقتنا يواجهون أعتى عدو لهم، وهو أنفسهم . . . لقد اتضحت فيهم " النبوءة " . . . لقد عجزوا عن أن يكونوا عرب اللسان . . مدارسهم كثيرة، ومطبوعاتهم كثيرة، وجامعاتهم كثيرة، ونواديهم كثيرة، والقرآن الكريم يتلى بين ظهرانيهم، والأحاديث النبوية مطبوعة في متناول أي منهم، ومع ذلك عجزوا عن أن يكونوا عربًا باللسان . . . انظروا إلى الحروف الهجائية في اللغة العربية، إنما ثمانية وعشرون حرفًا فقط . . . ثم انظر إلى الذين يدعون أنهم عرب، ثم حاول أن تستنتج مقدار كونهم عربًا باللسان من قدرة أكثريتهم على نطق الحروف الهجائية العربية نطقًا سليمًا . . . أو تستنتج عدم قدرتهم .
لقد حاولت - والكلام مازال للشيخ المشعان - تتبع ذلك، فوجدت العجب العجاب . . لقد سمعت ورأيت أساتذة في المدارس والجامعات يُلغون بعض الحروف الهجائية إلغاء مثل حرف الذال، وحرف الثاء، وحرف الظاء، وحرف القاف، ويجعلون لبعض الحروف العربية مثيلًا دونما حاجة إلى ذلك . . . فقد جعلوا الذال زاء دونما حاجة، وجعلوا الثاء سينًا دونما حاجة، وجعلوا الظاء زاء، أو حرفًا شبيهًا بالزاء دونما حاجة، وجعل بعضهم القاف همزة دونما حاجة إلى ذلك، وبعضهم جعل القاف غينًا دونما حاجة إلى ذلك، فإذًا هذا التحريف في الحروف الهجائية العربية قد ورد من قبل الأساتذة في المدارس والجامعات ، فما بالك بالعامة و أشباه العامة، إن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال : « ليست العربية لكم بأب ولا أم وإنما هي اللغة .. فمن تكلم العربية فهو عربي » ، لم يكن مُبسّطًا للأمر - كما يبدو لذي النظرة العاجلة - ولكنه كان هو ينظر إلى ما سوف يكون عليه القوم فيما يأتي من الزمان . . ؟ إنها النبوءة . . . فهل نستفيد منها، ونبدأ في العودة إلى عربية اللسان . . . ؟
إن لدينا من المثبطات والموانع الشيء الكثير، وحين نقدر على ذلك فإنه التغيير المطلوب أو جزء منه، و { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من دونه من وال } . ( الرعد / ١١ ) .
ولكي نكون عربًا لا بد أن نتكلم العربية، ولكي نتكلم العربية لا بد أن نستعمل الحروف الهجائية العربية الاستعمال الصحيح، وننطقها النطق السليم وذلك يكون بقيادة الأساتذة في المدارس والجامعات، ثم ليتكرم " أهل الفن " بالمساعدة في ذلك، ولعلها تتعطف الحكومات العربية باستعمال سلطانها للمساعدة في تحقيق ذلك، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن . . . لعلنا حين نصبح عربًا باللسان ندرك ماهي رسالة العرب في هذا الكون " . (٣) .
هذا. وينادي شاعر النيل حافظ بك إبراهيم - منذ زمان - إلى العودة إلى عربية اللسان، ويستثير النخوة، ويستنهض الهمم، ويستحث الغيرة على عرض العربية وكرامتها وقداستها، وإعادتها إلى مكانتها السابقة وبعثها من جديد وإحياء قدرها في النفوس، فيقول :
إلى معشر الكتاب والجمع حافل
بسطت رجائي بعد بسط شكاتي
فإما حياة تبعث الميت في البلى
وتنبت في تلك الرموس رفاتي
وإما ممات لا قيامة بعده
ممات لعمري لم يقس بممات
*مبشرات من الأرض المقدسة*:
وقد ظهرت مبشرات العودة إلى عربية اللسان من أرض الخيرات والبركات، موطن العروبة الأصيل .. أرض الجزيرة العربية . . . و *" الرياض"* بالذات - حاضرة الثقافة العربية والإسلامية الكبرى، وعاصمة المملكة العربية السعودية التي تحتضن في رحابها الحرمين الشريفين أقدس البقاع وأجلها وأحبها إلى أكثر من مليار مسلم وأعزها عليهم، فقد بشرنا الأستاذ على الشدي بأن أمانة "الرياض" قررت تحويل كلمات أجنبية – شاع استعمالها شيوعًا مؤسفًا - إلى الكلمات العربية مثل كلمة "صالون"، تم تحويلها إلى كلمة حلاق" على جميع محلات الحلاقة. (٤) .
وهذه المبادرة الطيبة والعناية الجميلة بـ : " لغة الضاد" ليست بغريبة على ولاة الأمر في المملكة العزيزة السباقين دائمًا إلى ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، ولا عجب فهم - ولاة الأمور في المملكة - خير خلف لخير سلف قال عنهم شاعر النيل :
سقى الله في بطن الجزيرة أعظمًا
يعز عليها أن تلين قناتي
حفظن ودادي في البلى وحفظته
لهن بقلب دائم. الحسرات
وفاخرت أهل الغرب والشرق مطرق
حياء بتلك الأعظم النخرات
وقضية العربية بالنسبة للمسلمين قضية مصيرية، وقضية حياة أو موت . . قضية عز أو مهانة، ففي عزة اللغة عزة الأمة - أي أمة - وشرفها وسيادتها :
أرى لرجال الغرب عزًّا ومنعة
وكم عز أقوام بعز لغات
*ويقول الرافعي :*
« وما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمرها في ذهاب وإدبار، ومن هنا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضًا على الأمة التي يستعمرها ويركبهم بها، ويشعرها عظمته فيها، ويستلحقهم من ناحيتها، ويحكم عليهم أحكامًا ثلاثة في عمل واحد، فالأول : فحبس لغتهم في لغته سجنًا مؤبدًا، وأما الثاني : فالحكم على ماضيهم بالقتل محوًا أو نسيانًا، وأما الثالث : فتقييد مستقبلهم في الأعمال التي يصنعها، فأمرهم من بعدها لأمره تبع » . (٥) .
وفوق ذلك كله . . إنها - قضية العربية - قضية ترتبط بالقرآن الكريم عمدة الشريعة وأساس الدين، فالعناية بها – العربية – تعني العناية بالكتاب والسنة، وربط المسلمين - بالتالي - بالنبعين الصافيين اللذين فيهما فلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة!
فلنغر على اللغة العربية غيرتنا على الدين، ولنذد عن حماها ذودنا عن حمى العقيدة !.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى !
*الهوامش*:
(١) انظر مجلة : « اليمامة » السعودية، العدد : ١٦٥٤ - ١١ صفر ١٤٢٢ھ ۔
(٢) رواه الحافظ بن عساكر بسنده إلى مالك عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن .
(٣) مجلة اليمامة، العدد : ١٣٢٧، ١٤ جمادى الأولى ١٤٢٢ھ ۔
(٤) مجلة اليمامة العدد ١٦٥٤، ١١ صفر ١٤٢٢ھ ۔
(٥) وحي القلم للرافعي ٢/ ٣٣، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان .
( الثلاثاء : ٢ من ربيع الثاني ١٤٤٨ھ = ١٥ من سبتمبر ٢٠٢٦م )
تعليقات
إرسال تعليق