اللحن في العربية بين استهجان السلف واستخفاف الخلف

 على مائدة العلم والأدب

اللحن في العربية
بين استهجان السلف واستخفاف الخلف



محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند


لا جَرَم أن اللغة العربية لغة فذة فريدة من نوعها، سواء أ كان ذلك من حيث ولادتُها وتكَوّنها ونشأتها، أم من حيث مقوماتُها ومكوناتها وعناصرها، أو من حيث مبادؤها وأسسها وقواعدها، أو من حيث نواميسها وسننها وقوانينها، أو من حيث خصائصها وسماتها ومميزاتها، أو من حيث فلسفتها وعلمها وفقهها، وبذلك فإنها لا تشبه لغةً من اللغات، كما أنها لا تشبهها لغةٌ من اللغات، فهي نسيج وحدها بينها جميعًا.


فإنها - العربية - ليست كأي لغة . .  فهي لغة أهل الجنة فيما بينهم، وهي اللغة التي علّمها الله آدم عليه السلام، وهي اللغة التي اختارها الله تعالى لتكون لغة الوحي الإلهي الأخير على الرسول الخاتم سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهي : حاملة الرسالة السماوية و مبلغة الوحي الإلهي : معجزته الخالدة، وإعجازه الأزلي {  كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون }  (فصلت : ۳) ، وناشرة الدين الحنيف، وسفيرته إلى العالمين، وفاتحة دعوته، ولسان شعائره، جامعة الأمة، وآصرة الملة، واحدة موحدة، خالدة خلود الكتاب المنزل بها محفوظة حفظ الوحي الناطق بها { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}  ( الحجر : ۹ ) ، مبدعة الحضارة العربية الإسلامية، وحافظتها، وراويتها بين الأجيال، وذاكرتها على مر العصور، لغة الإبداع العربي قبل الإسلام، ولغة الإعجاز الإلهي بعده، فهي المبدعة المعجزة، حمّلها الإسلامُ رسالتَه العالمية، وأكسبتها العروبةُ قدرةَ التبليغ .

ولما كانت اللغة العربية لغة القرآن الكريم والحديث الشريف والتراث الإسلامي العظيم، شعر السلف بمسئوليتهم وواجبهم نحو هذه اللغة الكريمة، فبذلوا جهودًا مضنية في تأصيلها وتنقيحها، ووضع قواعدها ومبادئها، وصيانتها من شوائب اللحن والخطأ، ومما يشين جمالها، ويذهب برونقها وبهائها.


*حرص القدماء على حفظ العربية من اللحن* :

فقد ظل الأوائل - دائمًا . محافظين على نقاء اللغة العربية وصفائها وبهائها، غيارى على عرضها وشرفها ذابّين عن حياضها، معتزين بخصائصها، حريصين - كل الحرص - على سلامتها وحفظها من الرطانة العجمية واللكنة العامية، مستهجنين اللحن فيها إلى حد لا يتصور، يقول ابن منظور (ت ۱۳۱۱هـ ) - صاحب لسان العرب ـ وهو يبين سبب تأليف معجمه  في المقدمة :

" لم أقصد سوى حفظ هذه اللغة النبوية، وضبط فضلها، إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية، وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان، حتى أصبح اللحن في الكلام يعد لحنًا مردودًا، و صار النطق بالعربية من المعايب معدودًا، وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك، وقومه منه يسخرون " . 

*كتبت ألفت في اللحن*:  

هكذا كان السلف الغُيُر المخلصون الذين أقاموا من أنفسهم حُرّاسًا يقظين عليها، يذودون عن حماها، وينفون عنها الخَبَث ولا يفترون عن النقد والتمحيص، وتنبيه الناس إلى الخطأ حتى يجتنبوه، وردهم إلى الصواب كي يلتزموه، وأشاروا في كتبهم إلى ذلك، كما ألف بعضهم كتبًا ورسائل في اللحن أقدمها رسالة منسوبة إلى الكسائي اسمها : *[ ما تلحن فيه العامة ]* ، وممن ألف في هذا الموضوع : أبو عبيدة (ت : ٢٠٩ هـ - ٨٤٢م)، وأبو عثمان بكر بن محمد المازني (ت : ٢٤٨هـ - ٨٢٤م)، وأبو حاتم السجستاني(ت : ٢٥٥هـ - ٨٦٨م ) و أبو حنيفة الدينوري (ت : ۲۹۰ هـ - ۹۲۰م)، وأبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الإشبيلي (ت : ۳۷۹ هـ - ۹۸۹م ) وكتب هؤلاء جميعًا بعنوان واحد هو : *[ لحن العامة]*، ولأبي هلال العسكري (ت) ٣٩٥ هـ - ١٠٠٤م) : *[ لحن الخاصة ]* ، وألف يحي بن زياد الديلمي المعروف بالفراء (ت :  ۲۰۷ هـ – ۸۲۲م) كتابه : *[ البهاء فيما تلحن فيه العامة ]* وأبو الهيذام كلاب بن حمزة العقيلي الحراني (ت : ٢٠٧هـ ٨٢٢م) : *[ما تلحن فيه العامة]*، وغير هؤلاء كثير، وكان هؤلاء وأولئك يعدون هذا العمل - إصلاح اللحن والعناية بصحة الكلام - أمرًا دينيًّا، و يذكرون بهذا الصدد - إنكار الرسول صلى الله عليه وسلم على من لحن بحضرته : « أرشدوا أخاكم فقد ضل» . (١) .

*استهجان العرب اللحن*:

 لقد كان اللحن عند الأوائل من العرب يُعدُّ عارًا تشيب له الرءوس، وعيبًا فظيعًا لا يعرف به إلا الأعاجم، أو من كانت أمه غير عربية، أو كانت نشأته في بيئة عجمية.

*اللحن ما عرف به إلا الأعاجم*:  

يقول أبو عبيدة : مرّ الشعبي بقوم يتذاكرون النحو، فقال : « لئن أصلحتموه، إنكم لأول من أفسده » . (٢) .

وروى مسلم عن ابن أبي عتيق قال : تحدثت أنا والقاسم عند عائشة حديثًا، وكان القاسم رجلا لحّانة، وكان لأم ولد فقالت له عائشة : مالك لا تحدث كما يتحدث ابن أخي هذا ؟ ! أما إني قد علمت . . . من أين أتيت . . .؟!  هذا أدبته أمه، وأنت أدبتك أمك ! قال : فغضب القاسم، وأضب عليها، (٣) فلما رأى مائدة عائشة رضي الله عنها قد أتى بها قام، قالت : أين ؟ قال " أصلي، قالت : اجلس، قال : إني أصلي ، قالت : اجلس غُدَر ! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان » .

وروى الإمام أحمد : أن عمر بن الخطاب قال لصهيب رضي الله عنه : « لولا ثلاث خصال فيك لم يكن بك بأس، قال : وما هن ؟ فوالله ما نراك تعيب شيئًا، قال اكتناؤك بأبي يحيى، وليس لك ولد، وادعاؤك إلى النمر بن قاسط، وأنت رجل ألكن، وأنك لا تمسك المال، قال : أما اكتنائي بأبي يحيي . . فإن رسول الله صلي الله عليه وسلم كنّاني بها ، فلا أدعه حتى ألقاه، وأما ادعائي إلى النمر بن قاسط، فإني امرؤ منهم، ولكن استرضع لي بالأيلة فهذه اللكنة من ذاك، وأما المال . . . فهل تراني أنفق إلا في حق ؟!

لقد أنكرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على ابن أخيها لحنه في الكلام معها وهو في حجرتها، ولم يك على المنبر، وعاب عمر رضي الله عنه على صهيب لكنته في الحديث، وهو لا يعيب شيئًا، وما ذلك إلا لعظم الأمر وفذاحة الخطيب .

وقد روي عن سلفنا الصالح الكثيرُ فى الإنكار الشديد على اللحن مما يدل على عنايتهم العظيمة، وغيرتهم المتناهية على حفظ لغتهم من كل ما يفسد جمالها، ويسيئ إلى بهائها ورونقها، وعلى حرصهم العجيب الغريب على أن تبقى العربية سليمة مصونة من أي نوع من أنواع اللحن والخطأ في الكلام، والمصادر زاخرة بالأقوال والحكايات الكثيرة المتعلقة بالموضوع، وسنذكر بعضها فيما يأتي من الكلام بإذن الله !

*القرآن الكريم ينكر على كلام غير فصيح*: 


القرآن الكريم كتاب الله، وأساس الشريعة، وعمدة الملة والدين، وهو - أيضًا - المرجع الأعظم و المصدر الأساسي للعربية، و كما وصفه الشيخ أمين الخولي - : " كتاب العربية الأكبر" ، وهو – القرآن – سر خلود العربية و بقائها وصمودها رغم التحديات والأعاصير، وقد جاءت فيه إشارة إلى استيحاش كلام تنقصه الفصاحة وحسن البيان فيما حكى الله تعالى عن نبيه موسى { وأخي هارون هو أفصح مني لسانًا فأرسله معي ردءا يصدقني } . (القصص / ٣٤) .

وقد كانت الفصاحة - عند العرب الأقدمين - وسلامة اللسان من اللحن مفخرة ووقارًا للرجل، قال محمد بن سيرين : «  ما رأيت على امرأة أجمل من شحم، ولا رأيت على رجل أجمل من فصاحة » . (٤) .

*التوجيهات النبوية في إصلاح الكلام*: 

لقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم - الذي كان أفصح وأبلغ العرب والعجم - تأكيدًا بالغًا على سلامة الكلام من اللحن، حتى عده - اللحن في الكلام - ضلالًا . . . وإصلاحه - اللحن - إرشادًا . . فمما يروى في ذلك 

  عنه - صلى الله عليه وسلم - أن رجلًا لحن أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « أرشدوا أخاكم فقد ضل » (٥)  .

 لنتأمل ولننظر في الكلمة النبوية الزاجرة القارعة الشديدة اللهجة : 

*«فقد ضل »* في التنبيه إلى التعبير الخاطئ واللحن في الكلام، مما يدل دلالة واضحة على فظاعة أمر " اللحن" في الكلام، والاهتمام النبوي بإصلاح اللسان غاية الاهتمام .

وفي حديث آخر فاض اللسان النبوي الطاهر الصادق المصدوق بدعاء مبارك كريم لمن يعتني بصحة الكلام وإصلاح اللسان بالخير والرحمة قائلا :  « رحم الله امرءا أصلح من لسانه » . (٦) .


        ( للحديث بقية)


*الهوامش*:

(١) رواه الحاكم، و في سنده ضعف غير قوي، والذي يظهر أن الحديث مقبول بشاهده .

(٢) العقد الفريد ٢/ ٢٧٥، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض .

(٣) قوله : أضبّ، وهو في الساعة : الغل في القلب،  ولعل الراوي يريد أن ابن عمه القاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه حمل على عمته عائشة في قلبه، ووجد عليها من كلامها عن صيرورة العجمة واللحن في كلامه من أمه، وكانت أمه أعجمية كما ذكر ابن أبي عتيق، والله أعلم .

(٤) العقد الفريد ٢/ ٢٧٢ .

(٥) انظروا الهامش الأول .

(٦) رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شرح كتاب الشهاب في الحكم والمواعظ والآداب للإمام القضاعي .


( ليلة الثلاثاء : ٢٥ من ربيع الأول ١٤٤٨ھ = ٧ من سبتمبر ٢٠٢٦م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

لا تكن غيرَ نفسِك . . !!

يا أمتي .. !