مَنِ المُبدِع . . ولماذا يحارَب . . ؟؟

 على مائدة العلم والأدب : 

مَنِ المُبدِع . . ولماذا يحارَب . . ؟؟


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


*الإبداع في اللغة :*

بدع الشيء يبدعه بدعًا وابتدعه : أنشأه وبدأه، والبديع والبِدع : الشيء الذي يكون أولًا ، وفي التنزيل : { قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ } ( الأحقاف : ٩ )  أي ما كنت أول من أُرسل ، قد أرسل قبلي رسل كثير .

وأبدع وابتدع وتبدع : أتى ببدعة ، قال الله تعالى : { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا}  (الحديد : ٢٧) . والبديع : المحدث العجيب . . والبديع : المبدع. وأبدعت الشيء : اخترعته لا على مثال، والبديع من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياءَ وإحداثِه إياها، وهو البديع الأول قبل كل شيء، ويجوز أن يكون بمعنى مبدع، أو يكون من بدع الخلق أي بدأه، والله تعالى كما قال سبحانه : {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}  (البقرة : ۱۱۷ ، والأنعام : ۱۰۱) ، أي خالقها ومبدعها ، فهو سبحانه الخالق المخترع لا عن مثال سابق، قال أبو إسحاق : يعني أنشأها على غير حذاء ولا مثال، إلا أن بديعًا من بدع لا من أبدع، وأبدع :  أكثر في الكلام من بدع، ولو استعمل بدَع لم يكن خطأ،  فبديع فعيل بمعنى فاعل مثل قدير بمعنى قادر، وهو صفة من صفات الله تعالى، لأنه بدأ الخلق على ما أراد على غير مثال تقدمه. ( لسان العرب) .


*ما  الإبداع  عند البلغاء . . ؟*

هو الإجادة في إتقان عمل ما، وإكماله بشيء من الكمال مع الإتيان بشيء جديد، ليس الإبداع تحسين أداء عمل ما بمهارة عالية فحسب، بل المساهمة في التطوير نحو الأفضل، وإضافة شيء جديد بعد أداء العمل بالمهارة اللازمة، وهو أمر يحتاج إلى الابتكار في الممارسات الفعلية، فالمبدع مبتكر لاشك ، ولكن المبتكر ليس بالضرورة أن يكون مبدعًا، فقد أبدع الخالق في بناء الكون وما يحتويه من أجرام سماوية، فهو بديع السماوات والأرض، وقد أتقن في صنع كل شيء، والمؤمن مطالب بإتقان عمله بالقدر الذي يجيده .

وقال عائض القرني : " الإبداع أن تجيد في تخصصك، وما يناسب مواهبك، فقد علم كل أناس مشربهم، ولكل وجهة هو موليها " . (١) .

*مقومات الإبداع*: تتمثل في ثلاثة أشياء مهمة أشار إليها أبو الفضل عبد الرحمن الرازي ( ت ٤٥٤ھ ) بقوله : «   يحتاج العالِم إلى ثلاثة أشياء : جَنان مفكر، ولسان معبّر، وبنان مصور » . (٢) .

أي الإبداع يتسم  بالغرابة ( شيء غير عادي) والجِدّة والجودة والدقة والروعة والإحسان والإتقان بشكل ممتاز .

ثم الإبداع لا يكون جزئيًّا بل يكون شاملًا .. فيكون الإبداع في الرأي والتفكير،  ويكون الإبداع في التعبير والبيان، ويكون الإبداع في التصوير والتسطير والتحبير وما إلى ذلك .. 

والمبدع من يتصف بهذه الصفات .. 

ولكن هذه الصفات والسمات الجليلة المشرفة غير العادية تسبب - غالبًا -  لأصحابها المشاكل والمتاعب، وتجعلهم مذنبين في نظر معاصريهم من الأقران والأصحاب، فمزاياهم تعود وبالًا عليهم، وما ذنبهم إلا أنهم يفوقون أهل زمانهم، ويفضلونهم، ويُبرّزون على قرنائهم، ويبزونهم بفضل : " فضلهم " و : " عبقريتهم " .. وما نقموا منهم إلا أنهم أحرزوا قصب السبق، والسبق لمن سبق : 


يا مبدعًا  تأتي    بدائعه 

فينا بما تستعجز   الفكَرا 

يا أيها الحَبر الذي نشرت 

ألفاظه من   فضله  حِبَرا 


فيا للعجب . . ! فبدًلًا من أن يكون أهل الزمان أحرص على الاعتراف بالإبداع لأصحابه باللسان الأبين، وعلى نشر فضائلهم بالثناء الأحسن، وذكر مزاياهم باللفظ الأفصح، وعلى الاقتباس من إبداعهم ونبوغهم، وعلى الاستنارة بخبراتهم بصدر أرحب، وذهن أفتح ونظر أوسع . .  بدلًا من ذلك، يصيرون لهم حاسدين، وعليهم حاقدين،  ولصلاحياتهم ومواهبهم متجاهلين، يتربصون بهم الدوائر، ويدبرون لهم المؤامرات، ويحيكون لهم الدسائس .

 وبدلًا من أن يكون الفضل  دافعًا إلى الاعتراف بأصحابه، والإبداع حافزًا للإشادة بذويه، يعود سببًا لمحاربتهم ونصب الكيد لهم والتضييق عليهم، واتهامهم بتهم هُم منها براء كبراءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب ..

وهذا المرض - محاربة أهل الفضل و الإبداع - ليس خاصًّا بعصر دون عصر أو فئة معينة من الناس، وإنما هو وباء عام، ومرض كل بيئة ومجتمع، فلذا قال الشوكاني رحمه الله ( ت ١٢٥٠ھ ) : « وهذه قاعدة مطردة في كل عالِم يتبحر في المعارف العلمية، ويفوق أهل عصره، ويَدين بالكتاب والسنة، فإنه لا بد أن يستنكره المقصرون، ويقع له معهم محنة بعد محنة، ثم يكون أمره الأعلى، وقوله الأولى، ويصير له بتلك الزلازل لسان صدق في الآخرين، ويكون لعلمه حظ لا يكون لغيره » . (٣) .

وقديمًا قالوا : « المعاصرة أعدى أعداء الاعتراف بالنبوغ » ، و : « المعاصرة سبب المنافرة » ، و « المعاصرة حجاب » ، و : « أزهد الناس في العالِم أهله وجيرانه » ، ويقول مثل أردي : « تحت المصباح ظلام » .

وكل كلمة من هذه الكلمات، قالها صاحبها نابعًا عن خبرة واقتناع، وعن واقع عاشه ودرسه، ومعبرًا عن حقيقة اجتماعية ونفسية . .  

ومنذ القرون الأولى يشكون من عدم الاعتراف بفضل المعاصرين والأقران، فقال الإمام الذهبي رحمه الله : " كلام الأقران لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، وما ينجو إلا من عصمه الله، وما علمت أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس" . (٤) .

كذلك المعارك الكلامية بين الأقران - منذ قديم - ليست بشيء غريب، والتي كانت تؤدي - أحيانًا - إلى التباعد بل قطع الصلة العلمية والبراءة من مرويات الشيخ، وبهذا الصدد ذكرت الكتب أن  : " لما استوطن البخاري نيسابور، أكثر مسلم من الاختلاف إليه، حتى هُجر وخرج من نيسابور في تلك المحنة،  وقطعه أكثر الناس غير مسلم، فإنه لم يتخلف عن زيارته، حتى إن الذهلي قال يومًا لأهل مجلسه، وفيهم مسلم بن الحجاج : ألا من كان يقول بقول البخاري في مسألة لفظ القرآن فليعتزل مجلسنا، فنهض مسلم من فوره إلى منزله، وجمع ما كان سمعه من الذهلي جميعه، وأرسله إليه، وترك الرواية عن الذهلي بالكلية، فلم يرو عنه شيئًا لا في صحيحه ولا في غيره، واستحكمت الوحشة بينهما " . (٥) .

ولا يستبعد ذلك من البشر، فالسلف أيضًا كانوا بشرًا، لم يسلموا من الهنات البشرية .

على أن الاعتراف بالفضل لذويه لا يحط من قدر المعترف، بل يرفعه في نظر المعترَف به، وفي نظر الآخرين أيضًا، كما يدل - إلى طهارة الباطن وصلاح النفس وسمو الروح - على رحابة الصدر ونبل الأرومة وشرف المحتد وكرم النفس ..

والواقع أن المدح والثناء على المخلوق ليس في الحقيقة - إلا الحمد والشكر للخالق الواهب البديع سبحانه وتعالى، فإذا مدح أحد آخر، واعترف  بفضله ونبوغه، فمعنى ذلك أنه - المادح المُقَدّر المعترف - يحمد الله تعالى ويشكره على أنه أكرم ذلك العبدَ الممدوح بما أكرمه من المواهب والقدرات والتوفيق للإنجاز الذي قام به .

فإذا تفطن الناس لهذه الحقيقة لما ضنّوا بالاعتراف بفضل أحد، ولا حاربوا المبدعين ولا عادوا النوابغ، بل تسابقوا في تقديرهم واحترامهم احتسابًا وطمعًا في الأجر !


*الهوامش* : 

(١) مفتاح النجاح: ١٥،

(٢) تاريخ دمشق لابن عساكر ٣٤ / ١١٨ . 

(٣) البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ( ٦٥/١ ) .

(٤) سير أعلام النبلاء، الجزء التاسع عشر، ص : ٢٥، مؤسسة الرسالة

(٥) " عاشق "  لعائض القرني : ٦٩ ( شبكة مشكاة الإسلامية ) .


( الأربعاء : ١٩ من ربيع الأول ١٤٤٨ھ = ٢ من سبتمبر ٢٠٢٦م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

لا تكن غيرَ نفسِك . . !!

يا أمتي .. !