الفقر
على مائدة العلم والأدب
الفقر
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
إن مجرد تصور للفقر - أعاذنا الله وإياكم منه - يجعل الإنسان ترتعد فرائصه، ويخفق قلبه فزعًا وهلعًا ..
و من هنا . . إذا قلنا إن تسعة و تسعين في المئة من الجِدّ والسعي وإراقة العَرَق والكد والكدح في الدنيا، ليس إلا من أجل التحاشي - قدر المستطاع - من [ الفقر ] ومطاردة كابوسه أو مواجهة غُوله، ما أخطأنا ..
فالفقر يُشَيّب الإنسان قبل الأوان، و يسلب الوجه نضارته وبهاءه ..
الفقر أرَق بالليل وهَمّ بالنهار . .
وذُلّ ومهانة، وبؤس وشقاوة ..
الفقر يجعل الحياة جحيمًا لا يطاق، ويَحرمُ الإنسانَ التمتع بمباهج الحياة ومسراتها، ويحول دون تحقيق أماني الإنسان وطموحاته، ويُقعِده عن الصعود إلى المعالي . .
الفقر يعفّر الوجه المفدى، ويُذبِل العارض المنَدى، ويدنس العرض الطاهر، ويقضي على الطموح وعزة النفس، ويفلّ العزم، ويشل الإرادة، ويصيب الهمة بالفتور والصدأ، ويجلب الطمع والطبَع، ويحول بين المرء ودينه، وسدّ دون مروءته وأدبه، وقد أصاب من قال :
وقد يقصر القُلّ الفتى دون هَمّه
وقد كان لو لا القُل طَلّاع أنجُد
الفقر يجعل صاحبه يفقد الأصحاب والخلان :
إذا قل مال المرء قل صديقه
وأهوت عليه بالعيوب الأصابع
كما يجعله - صاحبَ الفقر - غيرَ محترَم في أعين الناس، منظورًا إليه بنظرة الدون وقلة التقدير، ولذا لم يخطىء من قال :
يمشي الفقير وكل شيء ضده
و الناس تغلق دونه أبوابا
و تراه ممقوتًا وليس بمذنب
يرى العداوة ولا يرى أسبابها
حتى الكلاب إذا رأت رجل الغنى
حنّت إليه وحركت أذنابا
وإذا رأت يومًا فقيرًا ماشيًا
نبحت عليه وكشرت أنيابها
بل حتى الزوجة - أقرب الناس إلى المرء وأحبهم إليه - تزهد في زوجها إذا ما أصابها الفقر، فتفركه ولا تحبه :
ما بال أم حُبيش لا تكلمنا
إذا افتقرنا وقد نُثري فنتّفق
الفقر يريق ماء الوجه، فيُخضع الرقاب، ويُذل الجباه، ويزري بالأنساب والأحساب، ويدنس الأعراض، ويحجب المواهب والملكات، ويعرقل التقدم والإقبال .
نظرًا إلى أفاعيل : [ الفقر ] هذه، وآثاره وتداعياته الخطيرة المدمرة، هناك مقولة تتناقلها الألسنة والكتب، و هي تَنِم عن بغض قائلها الشديد الفقرَ لما يؤدي إليه من الضر والذل والعجز - بل الشلل - عن القيام بضرورات الحياة، والمقولة : *« لو كان الفقر رجلًا لقتلته »* ، ويوجد اختلاف بين العلماء حول نسبها إلى الخليفة عمر بن الخطاب أو إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهما .
على كل . . بيت القصيد أن هذه المقولة تُلاقى هوى عند كل من يسمعها، حتى إنها تعلق في الذاكرة، ولا تحتاج إلى أي جهد يُذكر لحفظها عن ظهر قلب، وهي ضد النسيان، و أغلب الظن أن مصداقيتها القوية المتراكمة عبر الأزمنة والعهود والقرون و المجتمعات هي التي أضفت عليها كل هذه السلاسة المرة اللاذعة .
وكذلك هناك حديث مشهور ينعى على الفقر : « كاد الفقر أن يكون كفرًا » . (١) .
وذلك لأن الفقر ربما يحمل صاحبه على مباشرة ما لا يليق بأهل الدين والمروءة، ويجعله يهجم على أي حرام كان ولا يبالي، وربما يحمله على التلفظ بكلمات تؤديه إلى الكفر .
هذا . ولطالما رأينا الفقراء - في بلدنا : الهند - يحنُون ويركعون بل ربما يسجدون - وهم يمدون أيديهم للسؤال - لأصحاب الغنى والثراء .
والرسول صلى اللًٰه عليه وسلم استعاذ من الفقر استعاذته من الكفر، فقال : « اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر » . (٢) .
على أنها حقيقة أليمة مرة أن الكثيرين من أهل العلم والفضل، وأصحاب النبوغ كانوا - ولا يزالون - شاكين من الفقر والعوز وضيق ذات اليد، ولم يكونوا في رفاهية من العيش وسعة من المال، والتاريخ مليء بقصص الفقر والفاقة والضيق المعيشي للعلماء الكبار، الذين طبقت شهرتهم الآفاق، وكأن هناك صداقة قديمة وتآلفًا حميمًا بين الفقر وأهل العلم، أو كأن الفقر والعلم رضيعا ثدي وضجيعا مهد، حتى قال قائلهم :
قلت للفقير أين أنت مقيم
قال في عمائم الفقهاء
إن بيني وبينهم لإخاء
و عزيز علي ترك الإخاء
فهذا العالم الفقيه عبد الوهاب المالكي كان يعيش في بغداد، فضاق به الحال، فقرر الرحيل من بغداد وقال لأهل بغداد شاكيًا ومتحسرًا :
والله لو وجدت رغيفين كل صباح ومساء ما عدلت عن بلدكم هذا، ثم قال :
بغداد دار لأهل المال طيبة
وللمفاليس دار الضنك والضيق
ظللت حيران أمشي في أزقتها
كأنني مصحف في بيت زنديق
وغادرها إلى مصر، فأكرمه المغاربة، وأعطوه ذهبًا كثيرًا، فتمول جدًّا، فعاد يقول متشوقًا إلى بغداد :
سلام على بغداد في كل موقف
وحق لها مني السلام مضاعف
فوالله ما فارقتها عن قلى لها
وإني بشطي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت علي بأسرها
ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
فكانت كخل كنت أهوي دنوه
وأخلاقه تنأى به وتخالف
ومن الأدباء المشاهير الفقراء نضرب مثالًا واحدًا ، وهو أبو حيان التوحيدي ( ٣١٢- ٤٠٣ھ ) (٣) الذي عاش - على كثرة ما صحب العديد من ذوي السلطان وأصحاب النفوذ - فقيرًا بائسًا، رقيق الحال، مشرد الفكر، جم البلابل، لا يكاد يستقر في مكان إلا ويزعجه أمر إلى ارتياد سواه، دائم التفكير في أهل الدنيا، وما يمرح فيه الجاهلون والمنقوصون، ومن لا يساوي منهم شراك نعله، من الجاه العريض، والدنيا المقبلة، والحظ المواتي، والسلطان الكبير والنفوذ العظيم، ومقارنة ذلك بما هو عليه من البؤس والشقاء، وشظف العيش، وتكفف الكريم، واستجداء البخيل واللئيم، على سعة فضله، وإحاطته بما يلهج به الناس من العلوم والمعارف في زمنه، فلا يكاد يجد ما يسد به رمقه، فتثور به ثائرة التحسر على القدر، ويعتوره تمرار الغضب على الأيام، فيعلن الشكوى من زمانه، ويبكي في تصانيفه على حرمانه، إلى أن يؤول به الأمر إلى أن أحرق ما كان لديه من مصنفاته، وأباد ما اعتده من مؤلفاته، ولعل النسخ الموجودة الآن من تصانيفه كتبت عنه في حياته، وخرجت منه قبل حرقها . (٤) .
هذا . مما لا خلاف فيه أن الأدب - بكلا قسميه: النثر والشعر - مدين للفَقر بالكثير من الفِقَر كالغرر، والشذور كالدرر، فالفَقر ربما يفجّر القريحة ويشحذ الموهبة ويُلَمّع الملكة ويُحرّك الذهن ويُجري على اللسان من الروائع والبدائع من النماذج الأدبية النادرة والإبداعات العلمية النادرة ما لا يستغني عنه أكبر أديب ولا أبلغ بليغ ولا عالم ولا فقيه ..
* * *
الهوامش :
(١) حديث ضعيف، ولكن له شواهد تقويه، معناه صحيح .
(٢) رواه أنس بن مالك، المحدث: ابن جرير الطبري، المصدر : مسند عمر ، الرقم : 575/ 2
(٣) يوجد اختلاف كثير في تاريخ ولادته ووفاته، نقلنا هذا التاريخ من المقابسات ( محقق ومشروح بقلم حسن السندوبي) .
(٤) المقابسات لأبي حيان التوحيدي : ١٢ ، الطبعة الثانية ١٩٩٢م .
( الثلاثاء : ٢٠ من صفر ١٤٤٨ھ = ٤ من أغسطس ٢٠٢٦م )
تعليقات
إرسال تعليق