الاتهامات الموجهة إلى العربية على محك الحقائق والدلائل

 على مائدة العلم والأدب

الاتهامات الموجهة إلى العربية
على محك الحقائق والدلائل


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


إذا كانت سهام الاعتراضات أو الاتهامات تصوب إلى أحد من قبل (الغير /  العدو) . .  فليس في ذلك ما يدعو إلى أدنى شيء من الاستعجاب أو الاستغراب، لأن (الغير / العدو ) لا يرجو منه الإنسان إلا الشر والضر، فإذا صدر منه (الغير) شيء من هذا القبيل . .  كان وفق ما توقع و ترقب !

أما إذا أصاب الإنسان من بعض الإخوان أو الأحباب أو الأرحام ما يكره أو يجرح مشاعره، فذاك ما عبر عنه الشاعر بقوله :


وظلم ذوي القربي أشد مضاضة

على المرء من وقع الحسام المهند


ولكن إذا أصاب الإنسان من فلذات أكباده الأبناء، ما تشم منه رائحة الإساءة أو الإيذاء، فذاك أمر ظل - ولا يزال - أمرًا منكرًا مستقبحًا للغاية عند أصحاب الفطر السليمة والطبائع المستقيمة لدى جميع الشعوب والأمم .

وأدهى من ذلك وأمر أن تشقى الأم المسكينة - التي أحق وأولى بالبر والطاعة حتى من الوالد - بأبناء لا يرعون للأمومة حرمة ولا كرامة، ولا يحفظون لها برًّا ولا وفاء، فلا يتورعون عن الإساءة إليها - إلى الأم - أو وصفها بأقبح النعوت والصفات . . فلو حدث مثل هذا - ولا قدر الله ذلك - فالسلام على البر والطاعة، ورحمة الله على النبل والمروءة وسلامة الفطرة .

وقد حدث - فعلًا - مثل هذا - مع ألف ألف أسف - إذا صح هذا التعبير - مع *"العربية"* اللغة الأم، فقد صار أبناء لها - من المهزومين حضاريًا ، المصابين بمركب النقص - يمارسون معها العقوق السافر، ويتربصون بها الدوائر ، ويكيدون لها كيدًا ، وراحوا يرمونها بأشنع النعوت وأسوأ الصفات من الثرثرة والهرم والبلى، والفقر والعقم ، والعجز عن مواكبة مقتضيات العصر ، إلى أن بلغت الوقاحة ببعض الأبناء "الأشقياء" إلى الدعوة إلى الحكم على (الأم / العربية) بالسجن المؤبد أو الإعدام .


أرى   كل يوم  بالجرائد  مزلقًا 

من القبر     يدنيني   بغير أناة

وأسمع للكتاب في مصر ضجة 

فأعلم أن  الصائحين     نعاتي 


إن الشعوب الحية تحفظ لغاتها، وتغار عليها من أن يعبث بها العابثون، أو أن ينظر الناظرون إليها بسوء أو شر، لأن اللغات - في الحقيقة - وعاء للشعوب تعي به أحداثها وأفراحها وأتراحها وأيامها البيض والسود، وسِجِلٌ يحمل أفكارها وآراءها، ومرآة ترى فيها شخصيتها كاملة واضحة، من هنا . . يحرص كل شعب متحضر مخلص أمين ناصح لتراثه وماضيه على حفظ لغته وتطويرها ونشرها، ففي عزة اللغة عزةُ الناطق بها، وفي ذُلّها ذُلٌه .


أرى لرجال الغرب عزّا ومنعة

و كم   عز   أقوام   بعز لغات


وبالفعل . . كان الأقدمون غيارى على لغتهم العربية غيرة البدو على أعراضهم :


سقى الله في بطن الجزيرة أعظمًا 

يعزً     عليها    أن    تلين    قناتي 

حفظن  ودادي في البلى وحفظته 

لهن    بقلب     دائم      الحسرات 


محافظين على ما كسبته منهم مع الزمن، من دقة في التعبير، وثراء في الألفاظ، وحسن في الأداء، وجمال في الأسلوب، وتنوع في المنهج، "  إن رأوا نَبوًا سارعوا إلى تهذيبه، أو شذوذًا بادروا إلى تشذيبه، أو كدرًا تسابقوا إلى تصفيته، أو قصورًا تكالبوا على إكماله، أو ازورارًا تزاحموا إلى تقويمه " (١) . فقاموا بخدمة لغتهم - العربية - خدمة جبارة سواء من حيث تأصيلها وتقعيدها، أو تدوينها ونشرها، أو حفظها مما يشينها أو يشوه وجهها الوضيء ، وما قصروا في ذلك أيما تقصير، ولكن خلف من بعدهم خلْف تنكروا للغتهم، وقاموا ضدها ينالون من مكانتها ويحطون من منزلتها.

إن هؤلاء الخلْف - من الناطقين بالضاد / العرب أنفسهم - يتفننون في إبداء مساوىء لغتهم - على زعمهم - وفضح جوانب ضعفها أو نقصها، من ذلك ما قرأت في مقال لأحد الكبار - من الكتاب العرب - من اعتراضات أثارها - كما يزعم صاحب المقال - صديقه تجاه العربية، وقد هالني الأمر حينما اطلعت على الاعتراضات والاتهامات التي وجهها إلى العربية أحد أبنائها هي، فعزمت - إثر القراءة مباشرة - على التعقيب عليها وفق كفاءتي الضئيلة، مساهمة مني متواضعة في القيام ببعض الواجب تجاه لغة القرآن ، فأولًا أُورد اعتراضات صديق صاحب المقال ثم أتبعها برد صاحب المقال عليها ، ثم أحاول التعقيب على كلام المعترض والمجيب كليهما بإذن الله ! .

قال المعترض الفاضل - مخاطبًا صديقه الكاتب العربي الكبير - :

" ألا تنظر إلى هذه الظاهرة الغريبة، أنا في مجلس يتجادل أحيانًا فيما يعرض عليه باللغة العربية ، وأحيانًا باللغة الانجليزية، فإذا تجادل باللغة الانجليزية، فالحجة تقرع بالحجة في إيجاز و داخل حدود معينة، قلّ أن يكون هناك استطراد، وقل أن يكون لعب بالألفاظ، وقل أن يكون خروج عن الموضوع، وقل أن يكرر المجادل نفسه فيما يقول، فإما أن يأتي بحجة جديدة وأفكار جديدة، وإما أن يسكت، وما هي إلا هنيهة حتى يؤخذ الرأي ويفصل في الأمر ، وإذا تجادلنا باللغة العربية فهناك يطول الجدل ويكثر الحديث، وكثيرًا ما تقرع الحجة لا بأختها، ولكن ببنت عمها، وكثيرًا ما يستطرد من موضوع إلى موضوع لأقل مناسبة أو بدونها، وبعد طويل من الزمان يعودون إلى ما بدأوا فيه ، وتثار مسائل كثيرة لا يفصل في واحدة منها، ويقول المجادل الآن ما قال من قبل، فيرد عليه صاحبه بمثلما رد من قبل ، وتتشعب الآراء حتى يصعب حصرها، وحتى ينسى أخيرًا ما بدئ به أولًا، ثم يؤخذ الرأي، وقد مل المتجادلون، وسئموا الجدل، وودوا أن يفصل في الأمر على أي شكل، ولذلك قد يكون الرأي يؤخذ أخيرًا شرّا من الرأي يؤخذ أولًا، بل قد يكون الرأي الذي قرر لا علاقة له بالمسألة التي أثيرت من قبل " . (انتهى قول المعترض ) .

 وماذا رد حضرة المجيب - الذي يعد من مشاهير المؤلفين المعاصرين - على صديقه المعترض، فقبل أن يطلع القراء على رد المجيب الفاضل ينبغي أن نعلم أنه ـ المجيب - نفسه - لا يعد من الأبناء الأوفياء للغة الفصحى، بل على العكس من ذلك . . يعد من المتساهلين في أمرها، الداعين إلى نوع من الإهمال فيها، المقللين لأهميتها وفضلها في بعض الأحيان - إن لم نقل في كثير من الأحيان - حتى عده بعض الغيارى على العربية الفصحى من الجناة عليها، فلا نفاجأ برد المجيب الفاضل إذا وجدنا فيه كثيرًا من التأييد أو الميل إلى رأي صاحبه المعترض، فبعد أن نورد رد المجيب الفاضل نناقش الاعتراضات والرد لكي نرى مدى صحتها وواقعيتها في ضوء الحقائق والدلائل المستمدة من المصادر القديمة والحديثة .

قال حضرة المجيب : " نعم ! يا صديقي، أنا اعتقد أن لكل لغة منطقًا يخالف منطق اللغة الأخرى، وأن المسألة لا ترجع إلى عقلية المتجادلين وحدها، فقد يتجادل جماعة - كما ذكرت - باللغة الأجنبية ، ثم هم أنفسهم يتجادلون باللغة العربية فيكونون في الأولى أكثر توفيقًا، وليس من الصحيح أن ترجع هذا إلى ضعفهم في اللغة الأجنبية، وقوتهم في اللغة العربية، فهذا القول ينطبق تمامًا على من أجادوا اللغتين وحذقوا اللسانين .

وتعليل ذلك قد يبدو غريبًا، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن أن اللغة ليست إلا وسيلة للتعبير عن المعاني، وليست إلا مظهرًا من مظاهر العقلية، فإذا كان التفكير صحيحًا سليمًا، كان التعبير عنه كذلك ما دام صاحبه يجيد التعبير ويتقن اللغة، وإذا كان التفكير فاسدًا كان التعبير عنه فاسدًا متى وفق صاحبه للتعبير عما يريد، ولكن يظهر لي أن المسألة أعمق من ذلك، وأن هناك تفاعلًا بين اللغة والتفكير، فاللغة المنظمة تعمل في تنظيم الفكر، والفكر المنظم يعمل في تنظيم اللغة - وكذلك العكس - وأن المتكلم إذا تحدث باللغة الإنجليزية أو الفرنسية خضع لمنطقها وطرق تفكيرها كما يخضع لاختيار كلماتها، واختيار أساليبها، وكيفية معالجة الموضوع، فيؤثر ذلك كله في تفكيره وجدله وحججه، وعلى الجملة فهو يحاول أن يكون إنجليزيًّا أو فرنسيًّا في تفكيره، كما هو إنجليزي أو فرنسي في لغته، يشعر بهذا تمام الشعور من أجادوا لغتين أو أكثر، فهم إذا تكلموا بلغة أجنبية راقية شعروا - مثلًا - بأن هناك غرضًا محدودًا واضحًا يرمون إليه في حديثهم وحججهم، وأنهم يضعون لذلك خططًا ثابتة معينة تشبه خطط الحرب يضعها قادتها لتسلم كل خطة إلى التي تليها، أو كالخطط التي يضعها لاعب الشطرنج الماهر ، إذا لعب لعبة علم ماذا يريد منها، أو ما هي الألعاب التي تترتب عليها. فتنتج الفوز . . وهو هو إذا تكلم باللغة العربية لم يتضح القصد له وضوحه باللغة الأجنبية ، ولم يرتب حججه ذلك الترتيب الذي يرتبه باللغة الأجنبية، ومن أوضح الأمثلة على ذلك أن مجيد اللغتين كثيرًا ما يفكر باللغة الأجنبية، ويترجم تفكيره إلى اللغة العربية، وقلما يعكس ، مع أن اللغة العربية هي لغته الأصلية؛ وهي التي نشأ عليها وتربى في أحضانها ، فكان معقولًا أن تكون هي لغة تفكيره، فإذا عبر بلغة أجنبية نقل تفكيره إليها - وليس من الهين تعليل هذه الظاهرة، ولكن يمكن أن يقال إن السبب في ذلك أن اللغات الأجنبية الراقية قد استكملت أدواتها من حيث الألفاظ الموضوعة لكل آلة مخترعة ولكل معنى مستكشف، كما استكملت أدواتها من حيث أساليب التفكير وصياغة المعانى صياغات مختلفة أدخل في الذهن، وأقبل للعقل وأجمل في الذوق، وأن اللغة العربية أبطأت في تاريخها الحديث، ولم تسرع في السير برغم ما يقوله الدعاة من أنها أغنى اللغات وأجمل اللغات، ثم ينامون على ذلك من غير أن يعملوا على تكميل نقصها، ومعالجة ضعفها، وكيف يعمل على معالجة الضعف من لم يشعر بألم المرض؟ وكيف يعمل على تكميل النقص من لم يشعر بنقص؟ لهذا كان فكر المفكر إذا أجاد اللغتين يتبع ـ من غير اختيار - أرحبها صدرًا وأغزرها مادة وتعبيرًا .


وسبب آخر : وهو أن الأمم الأجنبية الراقية قد مرنت طويلًا على المجالس النيابية والمناظرات المدرسية والجامعية، وتكونت لها مع طول الزمن تقاليد معروفة مألوفة غير مكتوبة، وأثرت في جدلهم ومناظراتهم ومجالسهم أثرًا كبيرًا، كما أثرت في طرق تفكيرهم ولغتهم التي يتبعونها في الجدل والمناظرة .


ثم - مما لا شك فيه ـ أن هناك ارتباطًا قويًّا بين اللغة والخلق، فلست تجد في لغة أجنبية من ألفاظ الملق وعباراته ما تجده في اللغة العربية مما أدخله عليها الفرس والأتراك، ولا تجد من عبارات الحشو التي تدل على الذل والخضوع ما تجد في لغتنا العربية الحديثة، وكانت اللغة ديمقراطية شريفة نبيلة يوم كانت اللغة العربية لغة العرب الديمقراطيين الذين لا يفرقون كثيرًا بين مخاطبة الأمير ومخاطبة بعضهم بعضًا، ثم أصبحت لغة العبيد يوم تسرب إلى أهلها الذل والعبودية، لقد جلست أول أمس إلى رجل يحدث "باشا " فكان ما أحصيت في حديثه من "سعادة الباشا" أكثر من كلماته في الموضوع، وما لي أذهب بعيدًا، ومدلول الكلمة في اللغة العربية أصبح غير مدلولها في اللغة الأجنبية؟ فإذا قال الألماني أو الإنجليزي : "نعم أفعل" ، لم تدل على نفس المعنى الذي يفهم من قول المتكلم باللغة العربية : " نعم أفعل" ، فـ : " نعم أفعل " العربية تدل على أنه قد يفعل وقد لا يفعل، والسامع إذا سمعها شك في مدلولها "هل يفعل أو لا يفعل ؟ " فاحتاج إلى أن يكرر عليه الطلب والرجاء، واحتاج المتكلم أن يعيد " نعم أفعل " ، وربما أقسم وربما استعمل كل صيغ التأكيد، وهي بعد هذه الأيمان وهذه التأكيدات كلها لا يزال مدلولها أنه قد يفعل وقد لا يفعل، وهو إذا لم يفعل لم يخجل، لأنه حقق وجهًا من وجوه الجملة، بل المتكلم الشرقي إذا قال " سأفعل " باللغة الأجنبية كانت أقوى في نظره وأكثر التزامًا مما إذا قالها باللغة العربية والمتكلم هو هو لم يتغير في الكلمة إلا التعبير عنها بإحدى اللغتين، فإذا قالها العربي لأجنبي كان لها أشد احترامًا ولتنفيذها أشد رغبة وأقوى إرادة، أليس في هذا كله دليل على شدة الارتباط بين اللغة والعقل واللغة والخلق، وأن العقل واللغة والخلق كلها تتفاعل ، فإذا رقيت اللغة تبعها - نوعًا ما - رقي العقل والخلق، وإذا رقي العقل تبعه - نوعًا ما - رقي اللغة والخلق ، وهكذا ..." ( انتهى كلام المجيب ) .

لقد وقف القراء على الاعتراضات والرد عليها ، ولعل النتيجة الوحيدة التي تتمخض عنها قراءتهما هي أن العربية مجموعة نقائص وعيوب لا بد أن تطهر منها، وأن اللغات الأجنبية تفوقها كثيرًا، وخاصة كلمة المجيب توحي بل تنطق - بل تصرخ - بأن صاحبها رضع بلبان لغة أجنبية لا العربية، أو ولد من أم إنجليزية أو فرنسية وترعرع في حجرها وغذي بكل ما يحبب إليه كل ما هو غير عربي . .  فلا يألو جهدًا ولا يضيع فرصة في الانتقاص من العربية ورفع شأن غيرها من اللغات .


فأطرف ما في الموضوع أن حضرة المجيب نفسه - كما أسلفت - أشد هجومًا وحنقًا على " الضاد " من المعترض ذاته، وكان المفروض المعقول أن يرد المجيب الفاضل -الكاتب العربي المرموق - على الشبهات والملاحظات التي جاء بها صديقه المعترض ردًّا شافيًا مقنعًا يزيل شبهات المعترض، ويملأه ثقة وقناعة بعظمة العربية وجلالتها لا أن يزيده إصرارًا على رأيه السلبي نحو العربية وسوء ظن بها، ونحن - بدورنا - نحاول أن نعالج بعض - لا كل - ما جاء من الاعتراضات والملاحظات في كل من كلمتي المعترض والمجيب العربيين الفاضلين، منطلقين من شعورنا بمسؤوليتنا نحو الذود عن "عربيتنا " التي نؤمن بعظمتها وفضلها إيماننا بالثوابت لكونها - العربية - مصطفاة خالق اللغات والسماوات ولسان أفضل الأنبياء والرسل عليهم جميعًا الصلاة والسلام!

فمن الاعتراضات التي أثارها الصديق المعترض أن في الانجليزية إيجازًا مقنعًا، وليس فيها تلاعب بالألفاظ أو استطراد كالعربية التي يحتاج فيها إلى طول جدل وكثرة كلام وتشعب آراء . . ورغم ذلك تظل النتيجة صفرًا . .

هذه فحوى كلام المعترض . .  والواقع أن كلامه هذا يدل على عدم معرفته بخصائص العربية، فمن أبرز مزاياها : " الإيجاز " ، وهي ميزة تميزها عن جميع اللغات والألسنة، ونكتفي هنا بشهادتين فقط . . شهادة من الداخل ( من أحد جهابذة اللغة) وشهادة من الخارج ( من يهودي ماكر مُسجَّل عداؤُه للإسلام بنص القرآن نفسه ) [  والفضل ما شهدت به الأعداء ] .

يقول الفراء - وهو يتحدث عن هذه المزية - : "وجدنا للغة العرب فضلًا على لغة (لغات؟) جميع الأمم اختصاصًا من الله وكرامة أكرمهم بها، ومن خصائصها أنه يوجد فيها من الإيجاز ما لا يوجد في غيرها من اللغات، ومن الإيجاز الواقع فيها أن للضرب كلمة واحدة فتوسعوا فيها ، فقالوا للضرب في الوجه :  لطم، وفي القفا : صفع، وفي الرأس إذا أدمى : شج، فكان قولهم : " لطم "  أوجز من : "ضرب على وجهه " . (٢)  .

أما الشهادة من الخارج بكون العربية لغة الإيجاز، فهي ليهودي، قال في " المثل السائر" : حضرت مع رجل يهودي عارف باللغات ، فجرى ذكر اسم " الجمل" فقال : لا شك أن العربية أوجز اللغات، فإن اسم الجمل في العبرانية: " كومل" فسقط منه الواو، وحولت الكاف إلى الجيم .. (٣) .

والأمثلة من هذا " الإيجاز " كثيرة كثرة لا يأتي عليها الحصر، سواء كانت شعرًا أو نثرًا ، فمن أمثلته في الشعر بيت امرئ القيس التالي :


أفاد وجاد وساد   وزاد

وقاد وذاد وعاد  وأفضل


كلمات قليلة لمعان كثيرة، معان تحتاج عند غير ناطقي اللغة العربية إلى مجلد يشرح مراميها كما قال الدكتور عبد العزيز الخويطر .

و - أيضًا - من أمثلة الإيجاز في الشعر : 


قالوا خذ العين من كل فقلت لهم

في العين فضل ولكن ناظر العين


وقال الشاعر في مدح الإيجاز :


ما قل دل وزبدة الهرج نيشان

والهرج يكفي صامله عن كثيره


أما الأمثلة من الإيجاز في النثر، ففي الحديث الشريف منه - فقط - أمثلة ونماذج لا تعد ولا تحصى، ومعلوم أن الإيجاز من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال : « أوتيت جوامع الكلم » ، وكان يشيد بالإيجاز ويكره الثرثرة في الكلام، فمن ذلك ما يروى أن رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم سمع رجلًا يقول لرجل: كفاك الله ما أهمك، فقال : "هذه البلاغة" وسمع آخر يقول: عصمك الله من المكاره، فقال: "هذه البلاغة" " . (٤) .

وقال للذي أطال الكلام كم دون لسانك من حجاب؟ فقال: شفتاي وأسناني، فقال له: « إن الله يكره الانبعاق في الكلام » . (٥) .

 ونكتفي هنا بنموذج واحد  من نماذج جوامع كلمه  - صلى اللًٰه عليه وسلم - قال :

« إن للقلوب صدأ كصدأ الحديد » . (٦) .

ينبه الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا التمثيل الحكيم إلى شر مستطير وداء عضال خطير مصحوبًا بوصف دواء ناجع مفيد، وهو داء القلوب من وسخها وقذارتها بسبب الذنوب والآثام . .  فتفقد هذه القلوب رونقها وبهاءها ونورها، فتصير كالحديد الذي أصابه الصدأ، فيعود سيء المنظر ، وغير قابل للاستعمال، فبالصقل يعود إليه رونقه ولمعانه، هكذا القلوب لا يبعد عنها ظلامها وصدؤها إلا بصقلها، وصقلها بطلب الغفران والعفو من الله، والتوبة إليه، والإقبال على الخشية والإنابة بتصحيح النية وإخلاص العمل، وكثرة الطاعات .

فلننظر كيف بين الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة الكبرى وتشخيص الداء مع وصف الدواء والتمثيل مع الممثل . .  بين ذلك كله في كلمات معدودات لا تتجاوز عدد الأصابع .

والمكتبة الإسلامية نفسها زاخرة بنماذج لا تحصى من مثل هذا "الإيجاز" الذي يجمع معاني عظيمة في كلمات قليلة، ونكتفي هنا بكلمتين موجزتين يتردد صداهما إلى الآن، وكان لهما تأثير غير عادي، غيًر مسار التاريخ وقلب الأوضاع رأسًا على عقب، وهما:

(١)  *" وامعتصماه"* التي فتحت مدينة عمورية، وكذلك كلمة :

(۲) *" وا إسلاماه "* التي استخدمها القائد قطز ليوقف غزو التتار الذي كان يهدد العالم الإسلامي كله آنذاك .

ثم إن للاستطراد - في العربية - أسبابًا ومواضع تقتضيانه، فإذا وجد - في مكان - في الكلام العربي استطراد فليس معنى ذلك أنه - الاستطراد - من لوازمها لا غنى لها - العربية - عنه، أو جزء لا يتجزأ منها .

قيل لأبي عمرو بن العلاء: لم كانت العرب تطيل؟ قال: ليسمع منها، قيل : فلم توجز ؟ قال: ليحفظ عنها .

قال جعفر بن يحيى : إذا كان الإيجاز كافيًا كان الإكثار هذرًا، وإذا كان التطويل واجبًا كان التقصير عجزًا .

يقول الدكتور عبد العزيز الخويطر معلقًا على النصين :

 " أبو عمرو وجعفر في النصين لم يتكلما عن وصف ميزة من ميزات اللغة فقط ، ولا عن شرط من شروط ارتقائها فحسب، ولكنهما دلّلا بإتقانها لنقل الفكرة إلى السامع بأنهما يتكلمان بالطريقة التي مدحا بها من راعى الأصول، ومشى على الأمثل ، ففي كلامهما إيجاز مع كامل الإفادة كما يقتضيه المقام، ويستوجبه الظرف " .

                     ( يتبع )


الهوامش: 

(١) بين الواوين من تعبير الأديب السعودي الدكتور عبد العزيز الخويطر 

(٢) القلقشندي : صبح الأعشى :  ١/ ١٨٤ .

(٣) أيضًا .

(٤) العسكري : كتاب الصناعتين : ١٣٠ .

(٥) الرافعي: تاريخ آداب العرب ٢/ ٣١٧ . ( في الهامش ) .

(٦) السيوطي: الجامع الصغير ( حرف الهمزة )


( الاثنين : ١٠ من ربيع الأول ١٤٤٨ھ = ٢٤ من أغسطس ٢٠٢٦م )

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

لا تكن غيرَ نفسِك . . !!

يا أمتي .. !