« العصامية » و « العظامية »

 على مائدة العلم والأدب

« العصامية » و  « العظامية »



محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


« العصامية » « والعظامية » كلمتان معروفتان، يكثر استعمالهما في كتب التراث ومصادر الأدب .

أما «العصامية » : فتنسب  إلى شخصية تاريخية في العصر الجاهلي يدعى : " عصام بن شهير " حاجب النعمان بن المنذر ( ٥٨٠ -  ٦٠٢ ) آخر الملوك العرب اللخميين في الحيرة، الذي مدحه الشاعر الجاهلي الشهير النابغة الذبياني حكم سوق عكاظ وأحد شعراء المعلقات .

ومعنى « العصامية " أن يصل المرء إلى الشرف والعزة والعظمة والمكانة المحمودة بنفسه . . أي بجهوده الشخصية لا بآبائه وأجداده، من المثل : [ كن عصاميًّا لا عظاميّا ]  . . أي أشرف بنفسك كعصام، الذي شرف بنفسه، وصنع مجده بجده وكدحه، فقال عنه النابغة  : 


نفس عصام سوّدت عصاما 

و علمته   الكرّ   و الإقداما 

وصيرته  ملكًا         هماما

حتى  علا  وجاوز الأقواما


وقد صارت هذه الأبيات مثلًا يقال : في من يعتمد.- بعد الله - على مواهبه التي أودعها الله إياه، و على جهوده التي بذلها في تكوين ذاته، وتلميع شخصيته، وصنع مستقبله .

و من هنا . . تقول العرب  : أنت عظامي أو عصامي ؟ فالعصامي من يعتمد - بعد الله - على نفسه لا على الآخرين، ويبني نفسه بنفسه، ويصنع مجده وشرفه بكد يمينه وعرق جبينه، واجتهاده وكفاحه، ويعتمد على طاقته وعمله ليحقق النجاح من بدايات بسيطة .

والعظامي من يعتز بالانتساب إلى أمجاد ومآثر آبائه الذين صاروا عظامًا نخرة .

على أن من جمع بين العصامية والعظامية . . فهو صاحب السعادتين والحائز على الشرفين، ولذا قال المتنبي : 


إذا لم تكن نفس النسيب كأصله 

فماذا الذي تغني كرام  المناصب 


وقال البحتري : 


وأرى النجابة لا يكون تمامها 

لنجيب قوم ليس بابن نجيب


وهناك قصة مشهورة أن الحجاج سأل أحد الرجال عنده، مختبرًا ذكاءه وفطنته : أ عصامي أنت أم عظامي ؟ فقال: عصامي وعظامي، فأعجب الحجاج بحسن إجابته وروعة تخلصه، وجعله من خاصة نفسه .

فالشرف الحقيقي الأصيل المعتبر في ميزان العقلاء النبلاء، هو شرف : « العصامية »  . . الشرف المطلوب الذي لا ينكر فضله ولا يستهان بأهميته وقيمته .. الشرف الباقي الخالد، ولا يحظى به إلا أصحاب الههم العالية وذوو الطموح والكفاح والتوق إلى المعالي والعوالي .

ويليه شرف « العظامية » وهو شرف تابع طفيلي يقوم على العظام البالية  .. شرفٌ لا أهمية له ولا قيمة كثيرًا  .. ولكنه على كل حال شرف يُعتز بالانتساب إليه .. شرفٌ صاحبُه يكتفي بالانتماء إلى المجد الذي ناله آباؤه، ولا يحاول أن يضيف إليه مجدًا جديدًا يبنيه هو . .

ولكن أصحاب الإباء والأنفة والغيرة يربؤون بأنفسهم عنه، ولا ترضى ضمائرهم أن يقتنعوا به، بل يأبون إلا أن يبنوا مجدهم على سواعدهم وعلى كفاحهم دون الاعتماد على الآخرين، ويحرصون على أن يكون شرفهم شرفًا أصيلًا خالصًا، لا مدينًا لأحد .


( ليلة  الجمعة : ٧ من ربيع الأول ١٤٤٨ھ = ٢٠ من أغسطس ٢٠٢٦م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

لا تكن غيرَ نفسِك . . !!

يا أمتي .. !