حقيقة كلمة : « ما ترك الأول للآخِر شيئًا »

 على مائدة العلم والأدب

حقيقة كلمة : « ما ترك الأول للآخِر شيئًا »


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند


لطالما قرأنا وترددت على أسماعنا هذه الكلمة الشهيرة :

 *[ ما ترك الأول للآخِر شيئًا ]* . .

 ولا يعلم أحدٌ قائلَها .. ومتى قيلت . . ؟ 

ولعل الدافع إلى قول هذه الكلمة الحب الصادق للسابقين والاعتراف الخالص بما قاموا به من جهود في تأصيل العلوم واستخراج الأصول وتقعيدها .. 

والحقيقة أن أحدًا لا يمكنه أن يرفض ما للأوائل من فضل السبق في ابتكار العلوم والمعارف، وما لهم من الجهود والتضحيات في وضعها وخدمتها ونشرها .. فكل ذلك مسجل بمداد من النور والخلود، ولا يتجرأ على إنكاره إلا مكابر أو مجنون ! 

فمهما كان الدافع إلى قول هذه الكلمة التي ظاهرها الحب والاعتراف والتقدير  .. ولكنها - مآلًا - خطرة ضارة مدمرة محبطة مثبطة للعزائم، مؤدية إلى التقاعد عن الحصول على العلم .. و إلى تعطيل القدرات والملكات، وإغلاق باب الجد والاجتهاد، والإبداع والابتكار، وتخدير العقول، وقتل روح البحث والتحقيق، والظن بأن السابقين أتوا بكل شيء ولم يتركوا للمتأخرين شيئًا ليقولوه أو يفعلوه، فلا حاجة للخلف إلى أن يُكِدوا أذهانهم ويتعبوا عقولهم وأجسادهم، فليقعدوا مستريحين آمنين مطمئنين معتمدين على علم السلف الذين لم يتركوا للمتأخرين شيئًا ..

ونظرًا إلى خطورة هذه الكلمة وضررها على العلم والعلماء، أبدى العلماء - قديمًا وحديثًا - بالغ استنكارهم لهذه الكلمة،  فقال ابن عبد البر رحمه الله معلقًا على الكلمة  : « لا كلمة أضر بالعلم وبالعلماء والمتعلمين من هذه الكلمة » (١) .

وقال الجاحظ في الرسائل مستنكرًا للكلمة : « اعتبرها من أضر الكلمات على العلم والعلماء والناس، ولو أخذ بها الناس لانقطع العلم ولتم تعطيل العقول، والتكلف في طلب المعرفة » .

و - كذلك - أصاب من قال - وهو يبين أضرار الكلمة ونتائجها المدمرة -  : « لو اقتصر الناس على كتب السلف، لضاع علم كثير، ولذهب أدب غزير، ولضلت أفهام ثاقبة، ولكلت ألسن لَسِنة، ولما توشى أحد بالخطابة، ولا سلك شعبًا من شعاب البلاغة، ولمجّت الأسماع كل مردَّد مكرَّر، وللفظت القلوب كل مُرَجَّع ممَضَّغ » .

وقال الشاعر ابن شرف القيرواني رادًّا على من لا يعترف للمعاصرين بفضل ولا حظ في إثراء العلم ببدائع قرائحهم وروائع إنتاجاتهم : 


قل لمن لا يرى المعاصر شيئًا 

ويرى      للأوائل     التقديما

إن ذلك   القديم   كان حديثًا 

وسيغدو هذا الجديد    قديما


وقال شاعر آخر : 


من قال قبلي في قرون قد مضوا 

الفضل            للمتقدم   المتبحر 

فليعكسنّ         لي القضية وليقل 

الفضل    كل     الفضل    للمتأخر 


ليس المراد التقليل من عظمة السلف أو التهوين من شأنهم . . حاشا وكلا . . فلا خلاف أن السلف أحرزوا قصب السبق، وفاقوا الخلف في خدمة العلم، وأن الله تعالى فضًلهم على من بعدهم، ففي كلامهم - وإن قل - خير وبركة، وكلام الخلف - وإن كثر - أقل بركة وعمقًا .

قال السيوطي رحمه الله - في الإتقان - مبديًا غاية إعجابه وانبهاره بفضل السلف وعبقريتهم :  

« فلله در السلف ! ما كان أوقفهم على المعاني اللطيفة، التي يدأب المتأخرون فيها زمانًا طويلًا، ويُفنون فيها أعمارهم، ثم غايتهم أن يحوموا حول الحمى »  .

وقال ابن تيمية رحمه الله - متكلمًا عن براعة السلف ورسوخهم في العلم  - : 

« ومما يجب أن يستقر في النفوس أن سلف هذه الأمة أوتوا عمقًا في  الفهم لم يؤته عامة من جاء بعدهم، فإن السلف كانوا أعظم عقولًا، وأكثر فهومًا، وأحد أذهانًا، وألطف إدراكًا، وهم أعلم باتفاق علماء الأمة » .(٢) .


*البديل الصحيح*: فإذًا السؤال الذي يفرض نفسه : ما هو  البديل لهذه المقولة ؟ فالجواب - بدون تلكؤ ولا توقف ولا تلعثم، وبكل قناعة وثقة -  : *« كم ترك الأول للآخِر ! »* ، ففضل الله واسع وعطاؤه غير منقطع في كل زمان ومكان .

و  قال الشاعر في هذا المعنى : 


لا زلت من شكري في نعمة 

مغبوطة البادي مع الحاضر 

ولا  عداك   الحمد من  حُلة 

لابسها   ذو     سلَب   فاخر 

يقول     من   تقرع  أسماعه 

ما مثل  هذا المفخر   الناضر 

لا   غرو  إذ قد قال من قبلنا 

كم ترك            الأول  للآخِر


وما أروع ما قال ابن مالك صاحب الألفية رحمه الله تعالى بهذا الصدد : « إذا كانت العلوم منحًا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يُدّخَر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين، أعاذنا الله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف » .(٣) .

يقول الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله : « لم تكن هناك رحمة مخصصة للسلف بأنهم سلف يُمنحون العلم من الله عز وجل، ولكن هناك أسباب أخذوا بها فوصلوا، ولم نأخذ بها، فلم نصل » . 

فالقضية قضية الأخذ بالأسباب لا التفضيل . . إنهم - السلف - بذلوا - في سبيل العلم - من الجهد والكد والسهر والتضحية بالراحة، ما قصر عنه السلف، وعملوا بالمقولة المشهورة عملًا جادًّا : « العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، وإذا أعطيته كلك، فأنت من بعضه على خطر » . فقد جعل السلف هذه الكلمة شعارهم ودثارهم، ونصب أعينهم، ففازوا من العلم بالقدح المعلى والنصيب الأوفر، أما السلف فلم يكونوا على ذلك القدر من الجد والاجتهاد، وليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، والله لا يضيع أجر المحسنين .


على أن بيت القصيد في هذه القضية، والقول الحاسم الفاصل القاطع قول كل خطيب، قولُ الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم :

 « مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره » . رواه الترمذي.

فقد دل هذا الحديث في العموم على دوام خير هذه الأمة إلى قيام الساعة، ففضل الله ليس حكرًا على زمن دون زمن، ولا خاصًّا بفئة معينة، بل يهبه لمن يشاء ومتى شاء، وهو أعلم بمن يستحقه ومتى يستحقه : { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورا } . ( الإسراء : ٢٠ ) .


الهوامش : 

(١) إبداعات العلماء والمؤلفين : راشد بن عبد الرحمن بن ردن البداح ، ص : ٢٠، مكتبة دار الحجاز ، الطبعة الأولى ١٤٤٦ھ - ٢٠٢٤م .

(٢) نفس المصدر : ٢٥ 

(٣) نفس المصدر: ٢١ .


( ٣ من ربيع الأول ١٤٤٨ھ = ١٧ من أغسطس ٢٠٢٦م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

لا تكن غيرَ نفسِك . . !!

يا أمتي .. !