تحية من وراء البحار إلى مصر . . !

 من وحي الأيام

تحية من وراء البحار إلى مصر . . !


محمد نعمان الدين الندوي

         لكناؤ، الهند


 

*مصر .. وما أدراك ما مصر .. ؟!*

كنانة الله في أرضه .

مصر التي بشّر بفتحها الصادق الأمين، فكانت أعظم بشرى .. وكان فتحها من أجلّ الفتوحات في التاريخ الإسلامي .

مصر التي تشرفت بالمصاهرة النبوية الشريفة، فلها - مصر - ببيت النبوة ومعدن الرسالة وكهف الحكمة صلة وسبب،  و يا لها من صلة وسبب ! 

مصر التي تتبوأ المقام الفذ في التراث العلمي والأدبي والحضاري منذ أن أشرقت أرضها بنور الإسلام، فقد نقلها الإسلام من أفق إلى أفق، ورفعها من جو إلى جو، فأشرفت به على العالم كله { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } .

مصر التي ظلت - ولاتزال - قلب العالم الإسلامي النابض، وإحدى عواصمه العلمية والأدبية الكبرى .

 بلد الأنبياء، وأرض المعجزات والانتصارات، والخيرات والبركات .

و أرض الأمجاد والبطولات، والفتوحات والملاحم  .

أرض مبدعي العلوم والآداب والمعارف ..

أرض العقول الخصبة المبتكرة، والأذهان الثاقبةاليقظة، والقرائح الوقادة المطاوعة، والفِكَر النيرة المنقحة، والصلاحيات والكفاءات النادرة المحيرة للعالم  . .

مصر التي حظيت  من سلاطين القلم وأئمته، وعباقرة أهل العلم  ونوابغه، بما لم يحظ به أي بلد من البلاد، وحوت من أصحاب الفضل والإبداع ما لم يحو أي قطر من الأقطار، فما زالت غنية آهلة بجمهرة من العلماء والأدباء والشعراء والخطباء وغيرهم من الأفذاذ في كل علم وفن وصناعة، فقدظلت  مصر - على ممر الدهور وتعاقب الأزمان - متألقة في سماء العلم والأدب عبر النجوم والكواكب من أبنائها الجهابذة .

مصر ذات النيل . . ذلك النهر الفياض المبارك ( كل الموارد غير النيل آسنة ) ..


* * * * *

سلام عليك يا أرض العز والمجد والفضل . 

يا قبلة الأدب وعاصمة الأدباء، وكعبة الفصحاء  والبلغاء ..

يا أم الحضارة  .. ويا أم الدنيا !

يا أيتها الأرض المخصبة للرجال .. ذوي القامات الفارعة كالأهرام ..

يا من لم تفارقها الحيويةُ - أو لم تُحرَمْ الحركةَ- العلميةَ والأدبية في أي عصر من عصورها، ولم تزل تحمل أمانة البيان وتُبَلِّغ رسالة الأدب  منذ أن تشرفت بالإسلام : دين العلم والمعرفة والسلام ، 

 يا ولّادة الرجال ومنجبة العباقرة  !

لقد هززتِ الدنيا بأبنائك الغر الأماجد هزا ...


نجومُ سماءٍ كلما غاب كوكبٌ

بدا كوكبٌ تأوي إليه  كواكبهْ


ومثلكِ كمثل تلك الأم العربية التي فخرت غاية الفخر، حين رأت أبناءها الماجدين متماثلين متقاربين متشابهين فضلًا وقدرًا .. لا تستطيع تفضيل واحد منهم على أخيه، فقالت عنهم وهي مغمورة بنشوة الفخر والإعجاب : " هم كالحلقة الفارغة لا يُدرى أين طرفاها " !

فهكذا أنتِ - با مصرنا الغالية العزيزة - لا إخالك  إلا مثل الأم العربية تلك .. مفتخرةً حائرةً  .. مفتخرةً بأبنائك الذين يضاهون الشمس والقمر نورًا وعلوًّا في جانب . . وحائرةً في تفضيل بعضهم على بعض في جانب آخر ...

هنيئا لك يا مصر ! أبناؤك العظام، الذين نشأوا في حضنك، وتحت سمعك وبصرك، وربّيتِهم .. فأحسنتِ تربيتهم، حتى كانوا ملء الزمان والمكان .. 

فأنتِ مربية العباقرة .. وأم النوابغ .. وصانعة الرجال ..

فعلى أرضك يتربى الفطاحل والعباقرة، وفي معملك  يُصنع النوابغ والعمالقة ..

* * * * *

بارك الله فيك  يا قاهرة  المعز .. و حياك وبياك يا من حباكِ الله بما حباك !

يا من تحتضن : " *الأزهر الشريف* " حرم العلم ومصنع العلماء ، ومحطة توليد الكهرباء، التي يتزود منها العالمُ الإسلامي النورَ والحرارة والقوة، و من مقارّ الإشعاعِ الفكري والتربوي الكبرى، التي تضُخّ الدم الطازج القاني إلى الأمة، فيحافظ على حياتها وشبابها وانتعاشها . 

وكفى بذلك شرفًا لك،  ووسامًا على جبينك، فكأنه - الأزهر الشريف - : " واسطة العقد " ، و : "بيت القصيد"، و : " التاج على رأس الملك " و : " الغرة على ناصية الفرس " ..

فهنيئا لكِ هذا المعقل الأعرق الأكبر للتعليم والتربية .. 

والحقيقة أن الأزهر ليس مفخرة لك وحدك، بل للعالم الإسلامي أجمع .. 


قم في فم الدنيا وحيّ  الأزهرا

وانثر على سمع الزمان الجوهرا


* * * * *

لله أنت يا مصر . . !

بعد المدينتين المقدستين : مكة المكرمة والمدينة المنورة ، - لعلي - لا أُحِبُّ بلدًا ولا مدينة كما أُحُب مصر ..

أحبها ولم أزرها ولا مرة واحدة ..


يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة

والأذن تعشق قبل  العين  أحيانا


ولا شُغِف قلبي ببلد - بعد الحرمين الشريفين - كما شغف بمصر ..

صحيح أنني لم أزر  - لحد الٱن - مصر جسديًّا، ولكنني أزورها نفسيًّا  ..  وأراها - دائمًا- عبر مشاعري وعواطفي .. وذوقي وفكري ..


إن كنت لستَ معي، فالذكر منك معي

يراك قلبي  وإن   غيبت  عن    بصري

العين   تبصر  من      تهوى  و  تفقده

و   ناظر    القلب   لا  يخلو  من  النظر

 

وقصة حبي لمصر ليست جديدة ..

إنها تعود  إلى ما قبل  أربعة عقود من الزمن . .

 منذ أن بدأت أتذوق الأدب ..

يوم وجدت ضالتي في أدب مصر .. 

ووجدت ذوقي يتجاوب مع أدبيات مصر .. 

 فهنالك أكببت على  كتب أدباء مصر إكبابًا .. ففيها كنت أبيت وأصبح .. ، فلم أقرأ كما قرأت لأدباء مصر، ولم يشف غليلي الأدبي كما شفاه - من الأدب المعاصر-  الأدبُ الذي وجدته في كُتّاب مصر وأدبائها .

فمِن آنذاك - من أكثر من أربعين سنة - أعيش مع الأدب المصري، وكلما قرأته زادني نشوة وطربًا، وملأني روعة وعجبًا وإعحابًا، وإيمانًا بأصالة الأدب المصري وتميزه، وسطوعه ولموعه . 

هذا . والسر وراء ما فاق به أدبُ مصر  أدبَ شقيقاتها، وما حباه الله به  أهلَها من الفصاحة  والبلاغة، أرجعه العلماء إلى تشرف أهل مصر بالمصاهرة النبوية الشريفة : " ولقد أحسن بهاء الدين السبكي رحمه الله في بيان السبب،  والتعويل في انجبال أهل مصر على هذا العلم على علاقة الصهر والنسب، حيث قال في أوائل خطبته في أثناء الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : [ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما خفقت للبلاغة راية مجد في بني غالب بن فِهر، وتعلقت بأزِمة الفصاحة أهل مصر: لما لهم من نسب وصهر ] "  ( ١) . 

كما أن لأهل مصر  مزايا أخرى، خصهم الله تعالى بها، وقد أشار إلى بعضها السبكي قائلًا : " أما أهل بلادنا فهم مستغنون عن ذلك بما طبعهم الله عليه من الذوق السليم، و الفهم المستقيم، والأذهان التي هي أرق من النسيم، وألطف من ماء الحياة في المحيّا الوسيم، أكسبهم النيلُ تلك الحلاوة، وأشار إليهم بأصابعه، فظهرت عليهم هذه الطلاوة، فهم يدركون بطباعهم ما أفنت فيه العلماء فضلًا عن الأغمار، الأعمارَ، ويرون في مرآة قلوبهم الصقيلة ما احتجب من الأسرار خلف الأستار  " (٢) .


والسيف ما لم يُلفَ فيه صيقلٌ

مِن طَبْعِه لم   يَنٰتفِع     بصقال


 و هذا . مما استفاض وجرى على الألسنة أن لـ : " النيل" أثرًا - بفضل الله وكرمه - في الناهلين من منهله العذب المبارك، فمن شرب منه أعطي الحلاوة في أخلاقه، والفصاحة في لسانه، والغزارة في علمه .. وما إلى ذلك من آثار البركة ومظاهرها، التي تُشاهَد فيمن يسعدهم حظهم  بالشرب من " النيل" الميمون .

والنيل بمعناه اللغوي وحقيقته المشاهدة هو فيض الله ونوال السماء، أي عطيتها التي ينالها أهلوها، بل لقد ضمخ الإسلام ذكر النيل بشذى عاطر، و زينه بظلال رمزية رائعة، فجاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النيل موصول الأسباب بسدرة المنتهى، التي عندها جنة المأوى .


* * * * *

أُحِبُّ مصر القرآن والقراء  ..

منذ طفولتنا نسمع جملة : " الأدب كتب في مصر، وطبع  في الشام، وقرىء في السودان" ..

وأنا زدت فيها وعدَّلت - راجيًا عدم المؤاخذة - : " القرآن نزل في الرحاب الطاهرة، وقُرىء في مصر، وخُدِم في الهند" .

فَقُرٌَاء مصر ومجودوها معروفون في العالم كله بألحانهم الحلوة، وأصواتهم الجميلة، وحناجرهم الذهبية، التي جعلت الملائكة تحلق في سماء مصر، فإذا تلا أحدهم القرآن بصوته الغَرِد الرخيم، 

فكأن السامع يسمع القرآن غضًّا طريًّا كأول ما نزل به الوحي . 

* * * * *


أُحِبُّ مصر الإسلامِ والعروبة . .

أحب مصر الأحرار النبلاء الشرفاء .

أحب مصر التي عرفت الله منذ القديم الأقدم من العصور، ذلك البلد الذي نبتت فيه شريعة موسى، ولجأت إليه شريعة عيسى، واعتزت بجهوده وجهاده شريعة محمد .

أُحِبُّ مصر  التي فُتحَت باسم الله .. وأسست على بركة الله، وعجنت طينتها بالحب والرحمة، فيعلم الجميع أن فاتح مصر عمرو بن العاص لما أمر بفسطاطه أن يقوض، أصابوا يمامة قد باضت في أعلاه، فأخبروه، فقال: " قد تحرمت في جوارنا، أقروا الفسطاط حتى تطير فراخها "، فأقروه .


لا أجدني مبالغًا إن اعترفت بأن قلمي العجمي لم يَقْوَ على الإفصاح عن جميع مآثر مصر، ورَفْعِ الأستار عما تمتاز به من  المفاخر والفضائل كاملة ، فقد عجَزَ عن إجمالها فضلًا عن استيعابها .. فكل ما ذُكر ثمد من غزير وغيض من فيض من خصائص مصر ومزاياها، غير أنه لا يفوتني  أن أسجل -معترفًا ومعتزًّا-  بأنني  أعتبر نفسي من تلاميذ المدرسة الأدبية المصرية، فقد تتلمذت على كتب أبناء مصر من أمثال القلقشندي، والنويري،  والرافعي، وأحمد أمين، والزيات، والطنطاوي( و أعتبره من مصر، لأنه من أصل مصري) ، وشوقي، وحافظ، والمنفلوطي وغيرهم من الأدباء والشعراء، فأنا مدين لهؤلاء في المجال الأدبي العربي، بما لا أدين به لغيرهم من كتاب أي بلد آخر - على تقديري لهم واستفادتي من إنتاجاتهم - .

ومما جعلني مشغوفًا بكتاب مصر أنني وجدتهم مطبوعين، و فرق بين الطبع والتقليد( ليس التكحل في العينين كالكَحَل ) .

فما يتميز به أدب كتاب مصر من الأصالة والإبداع والسمو والبيان العالي والتأثير -وغير ذلك من الخصائص والمزايا . . - جعلني مهتمًا - بالأصح : مفتونًا-  بكتب أدباء مصر من مقتبل عمري، وعليها مُرَكِّزا، ومن دَنّها مرتشفا، وفي سِلك المُعجَبين بها منتظمًا .

فأنا وإن لم يتيسر لي التتلمذ المباشر  على أبناء مصر، والدراسة في جامعاتها، وفقني الله تعالى للتتلمذ عليهم عبر  تلقف آثارهم .. مستفيدًا من منتجات قرائحهم، ومعتنيًا بمؤلفاتهم اعتناء الطالب بمقرراته الدراسية، أَنْعَمُ بمطالعتها، وأستنشق شذى أدبياتها، وأفيد من روائعها وبدائعها، وأختار منها الدرر والغرر، والجواهر والنوادر، فاستفدت منها ما شاء الله أن أستفيد .. ومتعت الفكر في رياضها ما شاء الله أن أمتع .. إلى أن صارت - كتب أدباء مصر -  جزءًا لا يتجزأ  من مطالعتي الأدبية اليومية :


سقوني وقالوا لا تُغَنِّ ولو سقوا

جبال  حُنينٍ  ما   سقيت  لغنت


* * * * *


هذا . ولا يكتمل حديثي هذا ما لم أذكر "أمي العلمية" :*" ندوة العلماء*"- الواحة الخضراء للغة العربية والعلوم والثقافة الإسلامية-  التي حَبًَبتْ إلينا هذه اللغةَ القرآنية ، فلا يمكن أن يدرس طالب في الندوة، ولا يحب العربية، بل لا  يتشبع بحبها، فحب بنت عدنان يتداخل في عروق دم : "الندوي" وشرايينه وحشاياه،  وكاتب السطور بدأ دراسته في الندوة، حتى أكملها فيها، فكأنه رضع بلبان العربية، و نشأ  وشب  على حبها، الذي هو في - الحقيقة - من حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم (٣) ، و الجدير بالذكر أن كتب العديد من كتاب مصر من مقررات المنهج الدراسي المطبق في الندوة، مثل تاريخ الأدب العربي للزيات، وحياتي لأحمد أمين وغيرهما..

والحقيقة أن "حياتي" - الذي كان من مقررات المطالعة الخارجية في زمننا- كان  قرّبنا إلى أدباء مصر، وحببهم إلينا، وجعلَنا نستأنس بهم، ونقبل على كتبهم.  

وبعد. فهذه سطور كُتِبت استجابة لهاتف  يهتف بي  منذ زمان : " إن لمصر عليك حقًّا، وإن لأبنائها عليك حقًا ".

فما هذه السطور إلا محاولة متواضعة لأداء بعض ما عليً من الدَّين لمصر التي لها يدٌ عليً، سجلتها عرفانًا بالجميل، وتقديرًا للفضل، فلا بد من الاعتراف بالفضل لأهله، و إعطاء كل ذي حق حقه، ولا بد للتلميذ أن يكون مدينًا لأساتذته في تعلمه وتأدبه، مقدرًا لهم فضلهم وتكرمهم، وعطاءهم العلمي والأدبي .

 إنها سطور تحيةٍ  ووفاء  ببعض حق   :*"مصر"* الغالية العظيمة، وشكرٍ وتقدير لأبنائها الفضلاء، الذين أعتز بأن أكون تلميذًا صغيرًا لهم،  ومتطفلًا على مائدتهم العلمية والأدبية، ومدينًا لهم في ثقافتي الأدبية العربية .


 *الهوامش والمراجع*

(١) صبح الأعشى في صناعة الإنشا : أحمد بن علي القلقشندي، ١/ ٢٢٢.

دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠٧ھ، ١٩٨٧م

(٢) أيضا ٢٢٠

(٣) كما صرح بذلك الثعالبي قائلًا: من أحب الله تعالى، أحب رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، ومن أحب الرسول العربي، أحب العرب، ومن أحب العرب، أحب العربية، ومن أحب العربية، عني بها وثابر عليها، وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإيمان، وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد" ( القاموس الوحيد للشيخ وحيد الزمان الكيرانوي ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

لا تكن غيرَ نفسِك . . !!

يا أمتي .. !