معالم في طريق الطامحين : ( ١٥ ) الأخيرة

 على مائدة العلم والأدب

معالم في طريق الطامحين : ( ١٥ )  الأخيرة


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


*(٢٥) احرص على تعلم أكثر من لغة*

فإن إتقان أكثر من لغة، يتيح لك الفرصة على الاطلاع على ثقافة الآخرين والاستفادة مما تمخضت عنه قرائح نوابغهم من نفائس المعارف وروائع الأفكار والنظريات، وفوق ذلك كله . . تعلُّمُ لغةِ الآخر يجعلك في مأمن من شرهم ومكرهم، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم :  « من تعلم لغة قوم أمن مكرهم » فَلِتَعلُّمِ لغات أخرى فوائد جمة، قال الشاعر :


بقدر  لغات    المرء يكثر نفعه

و تلك له  في  الشدائد  أعوان

فبادر إلى حفظ اللغات وفهمها

فكل لسان في الحقيقة إنسان


شبه الكاتب المصري الشهير أحمد أمين الذي يقتصر على لغة واحدة بمن ينظر بعين واحدة، اقرأ وتمتع بما قال بهذا الصدد :

ماذا كنت أكون لو لم أجتز هذه المرحلة . . ؟ لقد كنت ذا عين واحدة، فأصبحت ذا عينين، وكنت أعيش في الماضي، فصرت أعيش في الماضي والحاضر، وكنت آكل صنفًا واحدًا من مائدة واحدة، فصرت آكل من أصناف متعددة على موائد مختلفة، وكنت أرى الأشياء ذات لون واحد وطعم واحد، فلما وضعت بجانبها ألوان أخرى وطعوم أخرى تفتحت العين للمقارنة، وتفتح العقل للنقد، لو لم أجتز هذه المرحلة . . ثم كنت أديبًا . . لكنت أديبًا رجعيًّا، يُعنى بتزويق اللفظ لا جودة المعنى، ويعتمد على أدب الأقدمين دون أدب المحدثين، ويلتفت في تفكيره إلى الأولين دون الآخرين، ولو كنت مؤلفًا لكنت جَمّاعًا أجمع متفرقًا أو أفرق مجتمعًا من غير تمحيص ولا نقد، فأنا مدين في إنتاجي الضعيف في الترجمة والتأليف والكتابة إلى هذه المرحلة بعد المراحل الأولى، وهذه الزهرة الجديدة ألفت باقة مع الأزهار القديمة " (١) .


*(٢٦ اجعل شعارك ماذا عملت في الفراغ . . ؟*

نعم ! اجعل شعارك دائمًا أن تسائل نفسك : ماذا عملت في الفراغ . . ؟ فاحرص دائمًا على أن لا تقصر في الاستفادة من أوقات الفراغ، فأوقات الفراغ فرصة سانحة للعمل والتقدم، فمن أضاعها أضاع عمره، والرسول صلى الله عليه وسلم لفت أنظارنا إلى أهمية أوقات الفراغ وضرورة الاستفادة منها ، فقال : «  نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ » . 

فهاتان النعمتان العظيمتان لا يشعر بقيمتهما الإنسان - ككل نعمة - إلا بعد ذهابهما ، فأوقات الفراغ هذه تلعب دورًا  كبيرًا في مساعدة الإنسان في طريق تقدمه إذا ما اغتنمها وعرف قيمتها، الكاتب المصري الشهير عباس محمود العقاد أجاد حينما كتب تحت عنوان : [ تعلمت من الفراغ ]  ففيما يلي فقرات منه :

" أوقات العمل تملكنا . .  ولكننا نحن الذين نملك أوقات الفراغ، ونتصرف فيها كما نريد، فهي من أجل هذا ميزان قدرتنا على التصرف، وميزان معرفتنا بقيمة الوقت كله، وليست قيمة الوقت إلا قيمة الحياة .

فالذي يعرف قيمة وقته يعرف قيمة حياته، ويستحق أن يحيا وأن يملك هذه الثروة التي لا تساويها ثروة الذهب، لأن مالك وقته يملك كل شيء، ويصبح في حياته سيد الأحرار .

وليس معنى " وقت الفراغ " أنه الوقت الذي نستغني عنه ونبدده ونرمي به مع الهواء، ولكن وقت الفراغ هو الوقت الذي بقي لنا لنملكه ونملك أنفسنا فيه، بعد أن قضينا وقت العمل مملوكين مسخرين لما نزاوله من شواغل العيش وتكاليف الضرورة .

لابد من فراغ . .  ولابد من فراغ نحفظه ، والفراغ الذي نحفظه هو الذي يحفظنا ، لأننا نستخلص فيه خير ما ندخره من غربلة التجارب والمعارف والعظات " . (٢) .

وقال عمر بن الخطاب : الراحة للرجال غفلة، وللنساء غلمة.

وقال بزر جمهر : إن يكن الشغل مجهدة، فالفراغ مفسدة.

وقال بعض البلغاء : لا تمض يومك في غير منفعة، ولا تضع مالك في غير صنيعة، فالعمر أقصر من أن ينفد في غير المنافع، والعاقل أجل من أن يفني أيامه فيما لا يعود عليه نفعه وخيره.


*(٢٧) التزم الوسطية*

الوسطية ميزة هذه الأمة ، { كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } ( البقرة : ١٤٣) ، وفي الحديث : « عليكم هديًا قاصدًا »  ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : « عليكم بالنمط الأوسط، فإنه يرجع إليه الغالي، ويلحق به التالي » .

وقالوا : تمام السعادة مبني على ثلاثة أشياء :

١- اعتدال الغضب 

٢- اعتدال الشهوة 

٣- اعتدال العلم 

فيحتاج أن يكون أمرها متوسطًا، لئلاتزيد قوة الشهوة، فتخرجه إلى الرخص فيهلك، أو تزيد قوة الغضب، فيخرج إلى الجموح فيهلك، " وخير الأمور أوسطها" .

فإذا توسطت القوتان بإشارة قوة العلم، دل على طريق الهداية وكذلك الغضب : إذا زاد، سهل عليه الضرب والقتل، وإذا نقص، ذهبت الغيرة والحمية في الدين والدنيا، وإذا توسط كان الصبر والشجاعة والحكمة، وكذا الشهوة : إذا زادت، كان الفسق والفجور، وإن نقصت، كان العجز والفتور، وإن توسطت : كانت العفة والقناعة وأمثال ذلك. (٣) 


وبعد ! أخي طالب النبوغ وهاوي المجد والعظمة قدمت إليك - فيما مضى من الحلقات - من المعالم أو التوجيهات أو النصائح، أو سمها ما شئت - ما لو عملت بها وجعلتها نصب عينك، فستنجح بإذن الله في مقصدك، وتنال من العز والعظمة ما تتوخاه وترجوه بإذن الله .

وفي ذلك كفاية إن شاء الله ، فالميدان وسيع، ويكفي من العقد ما أحاط بالجيد.

ويصدق على المتهاون المتكاسل ما قيل :

إن الروض أخضر : ، ولكن العنز مريضة، وإن التمر مقفزي ولكن البخل مروزي، وإن الماء عذب زلال، ولكن في الفم مرارة، { كم آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ }  ( البقرة : ۲۱۱) { وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ } ( الأنعام : ٤ ، ويس : ٤٦)  .

وإذا كانت العلوم والمعارف منحًا إلهية ومواهب ربانية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين، فكم ترك الأولون للآخرين، فليجتهد المجتهدون عسى أن يظفروا بما لم يظفر به الذين سلفوا ، فما ذلك على الله بعزيز، وهو على كل شيء قدير.

فمنح الله وعطاياه ليست خاصة بجيل دون جيل، أو قرن دون قرن ولا إنسان دون إنسان، وإنما الأمر أمر الأسباب، فينسب إلى الشيخ عبد الفتاح أبو غده قوله : " لم تكن هناك رحمة مخصصة للسلف بأنهم سلف يمنحون العلم من الله عز وجل، ولكن هناك أسباب أخذوا بها فوصلوا ، ولم نأخذ بها فلم نصل".

فمستقبلك - يا هاوي المجد والعظمة - بيدك أنت، فإن شئت تكن سعيدًا مغبوطًا عظيمًا ، وإن شئت تكن إنسانًا نكرة شقيًّا، ولا يستسلم للقدر إلا من فقد إرادته، وأضاع إنسانيته، والله هو الهادي إلى الصواب، وبيده التوفيق .


الهوامش :

(١) حياتي : ٦٠ - ٦١، الطبعة السادسة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة .

(٢) أنا : ١١٦، و ١١٩ ، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت .

(٣) لا تحزن للقرني : ٢٨٩ ، الطبعة العشرون.


( السبت : ١٠ من صفر ١٤٤٨ ھ = ٢٥ من يوليو ٢٠٢٦م )

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سلام على صاحب التضحية الكبرى

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

كان الوستانوي أمة وحده