معالم في طريق الطامحين (١٤)

 على مائدة العلم والأدب

معالم في طريق الطامحين (١٤)


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 



*( ١٩) : كن واثقًا :*


هذا من أهم شروط النجاح، فالثقة بالنفس وعدم إصابتها بالإحباط واليأس والقنوط من أولى دعائم التقدم، فمن حرم هذه الصفة - صفة الثقة بالنفس والاعتماد على الذات - بعد التوكل على الله والاستعانة به - ما حالفه التوفيق، ولم يقدر له التقدم والتبريز، يقول طه حسين عن ذلك :

"هذه خصلة لازمة للنجاح في كل شيء . . كبيرًا  كان أو صغيرًا، فالناس مدينون بالنجاح والتوفيق في أكثر ما ينجحون فيه ويوفقون إليه للثقة واليقين، وللإيمان والإخلاص أكثر مما مدينون بذلك لما ينفقون من قوة وما يحتملون من مشقة وما يبذلون من جهد ومال " . (١) .

فلتكن – يا من يبغي النجاح - مملوءًا ثقة وطموحًا، ثقة بالمواهب العظيمة التي أودعك الله إياها ، واعتمادًا - قبل كل ذلك - على الله القادر  المتعال، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ومن يتوكل على الله فهو حسبه .


*(٢٠) : فكّر بلغة تنطق بها :*


هذا من أهم ما يجب أن يعنى به من يريد تعلم لغة، فحاول - يا من يريد تعلم لغة - أن تفكر باللغة التي تريد أن تنطق بها، فهذا أقرب إلى الأصالة، وأسهل وصولًا إلى مقصدك، وأبعد عن التكلف والتعمل، وأنفع مقصدًا، وأحسن تعبيرًا عن فكرتك، وأروح وأيسر لأداء مهمتك . .  فهذا هو الطريق الطبيعي المباشر الأصيل البعيد عن التكلف. والاستكراه والإعنات، وإلى ذلك يشير كاتب العربية الكبير علي الطنطاوي بقوله :

" ثم إن الذي يحب أن ينطق بلغة عليه أن يفكر بها ، لا أن يفكر بالعربية مثلًا، ثم يترجم فكره إليها ، أضرب لذلك مثلاً : أردت في (بروكسل) أن أركب سيارة أجرة، ففكرت فيما أقوله له ، لو كنت في بلدي : أقول : خذني إلى محل كذا ، فلما ترجمت له كلمة خذني . .  ضحك وتعجب مني، فقلت : أكلمه بالفصيح ، فأقول كما كان يقول أجدادنا الأولون: (احملني إلى كذا فلما سمع ترجمة (احملني) ازداد الخبيث كركرة وضحكاً، ذلك أنهم يقولون للسائق قدني.. لا يقولون : خذني ولا يقولون : احملني  " . (٢)


*(٢١) : استفد من أوقات السحر*


كن حريصًا أشد ما يكون الحرص على الاستفادة من وقت السحر، فإن لهذا الوقت المبارك المنعش للروح المثير للعاطفة، المفجر للقريحة الذي تتنزل فيه رحمات الله وبركاته بصفة خاصة . . دورًا لا يستهان به في تكوين الرجال وإعداد العظماء وصقل المواهب والقدرات .

من هنا . . فقد ظل العلماء والأدباء والشعراء والكتاب من السلف حراصًا على الاستفادة من وقت : "السحر" الذي يكون فيه ذهن الإنسان أنشط وأخف وأصفى ما يكون . . فهو - وقت السحر - لطيف ومنعش للروح والقلب والعقل، وملهم للمعانى والأفكار الخصبة، فأصحاب المواهب والقدرات الإبداعية يقدرون "وقت السحر" حق القدر، ويتمتعون به، ويتنسمون فيه لتنشيط قواهم العلمية والفكرية، وتزويد نفوسهم بغذاء طازج ونشاط جديد وروح جديد يمدهم في أداء رسالتهم والقيام بمهماتهم وأعمالهم .


*(٢٢) : خذ من كل علم*


قال يحيى بن خالد لابنه : عليك بكل نوع من العلم، فخذ منه، فإن المرء عدو ما جهل، وأنا أكره عدو شيء من العلم، وأنشد :


تفنن  وخذ من  كل علم  فإنما

يفوق  امرؤ في كل فن له علم 

فأنت  عدو  للذي  أنت  جاهل

به    ولعلم  أنت  تتقنه   سَلْم (٣)


*(٢٣) : اغتنم رياح العمر*


إذا  هبت  رياحك فاغتنمها

فعقبى  كل خافقة     سكون

ولا تغفل   عن الإحسان  فيه

فلا تدري السكون متى يكون


« قلما رأيت أمراً أمكن فضيّع إلا فات، فلم يمكن بعد » . (٤) .

على طالب النبوغ والمجد أن يكون حريصًا على اغتنام الفرص المواتية، والاستفادة منها بقدر الإمكان، فلا يتحسر إذا ما مضى الوقت، ويقول : يا ليت . . ولات ساعة مندم !

كذلك هناك ساعات مباركة تنشط فيها النفس، وينشرح فيها الصدر، ويواتي الطبع، فعلى من يحظى بها أن يستفيد منها، وهذا معنى الأثر من كلام بعض الصحابة : "إن للنفوس إقبالاً وإدبارًا، فاغتنموها عند إقبالها، وذروها عند إدبارها " .

فينبغي لك - يا هاوي النبوغ والعظمة - أن تنتهز كل فرصة تلوح لك، وتغتنمها لصالحك ومستقبلك، فرب فرصة تكون نادرة ولا تتكرر . . . حتى لا تتحسر ولا تندم، ولات ساعة مندم ! 

ومن طليعة اغتنام رياح العمر : " اغتنام فرصة الشباب" التي هي مرحلة القوة بين الضعفين : "ضعفي الطفولة والشيخوخة "  . . كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم : { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ } . [الروم : ٥٤].

فإن مرحلة الشباب مرحلة اكتمال النضج والقوة والوعي والشعور، فبقدر ما تكون الاستفادة من هذه المرحلة الحيوية الأنشط الأقوى من مراحل عمر الإنسان، يكون النجاح أرجى منالًا، وأيسر حصولًا .

من هنا . .. نرى أن جميع عظائم الأمور التي تمت في التاريخ.. قام بها الشباب لا كبار السن . .  إلا نادرًا . . 

فلابد من اغتنام مرحلة الشباب، وإلا تعود وبالًا وفسادًا . .  كما قال الشاعر :


إن الفراغ والشباب والجدة

مفسدة    للمرء  أي مفسدة


*(٢٤) : استفد من الخطأ*

مما ينبغي لك - يا من يتوخى النجاح في أهدافه العالية – أن تجتنب الأخطاء بقدر الإمكان . .، وتستفيد منها إذا صدرت منك، فالخطأ أو العثرة ليست بعيب، فالإنسان مركب من الخطأ والنسيان، وإنما الخطأ هو عدم الاستفادة من العثرة أو تكرر الزلل، فالعاقل من لا يكرر أخطأه، ويستفيد منها، وقد قالوا : " الغبي من يكرر خطأه مرتين، والذكي هو من يستفيد من أخطائه ولا يكررها ، أما الأذكى فهو الذي يرى أخطاء الناس ويتعلم منها قبل أن يخطئ" .


الهوامش : 

(١) مستقبل الثقافة في مصر ٢/ ٢٤٣ .

(٢) ذكريات علي الطنطاوي ....

(٣) أدب الدنيا والدين لأبي الحسن علي بن محمد المصري الماوردي المتوفى ٤٥٠ھ ) 

ص :  ٢٨، ٢٩ .

دار الكتاب العلمية، بيروت، الطبعة الرابعة ١٤٢٦ھ - ٢٠٠٥م

(٤) رسائل ابن حزم ١/ ٤٠٢ .


( الخميس : غرة صفر ١٤٤٨ھ =  ١٦ من يوليو ٢٠٢٦م )

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سلام على صاحب التضحية الكبرى

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

كان الوستانوي أمة وحده