الدكتور اے بي جے عبد الكلام

 شخصيات أعجبتني  : (٤٥) 

الدكتور اے بي جے عبد الكلام

( الرئيس الهندي الأسبق ) 


[ بمناسبة ذكرى وفاته : ٢٧ يوليو ] 


اے بي جے عبد الكلام [ A p j AbduL Kalam ] ( أبو بكر زين العابدين عبد الكلام ) رمز للصمود والثبات، وتحدي العقبات . . كان ابن رجل عادي .. ابن الملاح، ولكن ذا طموح وتوق إلى المعالي، لم يرض بحياة الدون،  فبهمته القعساء، وجهده المتواصل، وعزيمته المثالية وصل إلى أسمى منصب سياسي في البلاد، إلى رئاسة الجمهورية الهندية .. التي لم يسع إليها قط، بل إنجازاته العلمية - خاصة في المجال النووي - وشخصيته العبقرية هي التي رشحته وأوصلته إلى هذا المنصب الجليل .

رغم ما وصل إليه من العز والسؤدد، والمكانة المرموقة، كان هينًا لينًا سمحًا كريمًا، لطيف المعشر، متحليًا بالتواضع الجم، واللين والرفق وخفض الجناح، يعيش عيشة البساطة والتقشف بمعنى الكلمة، فلم يرغب قط في حياة الترف والبذخ، ولو شاء لعاشها في سهولة ويسر، حتى إنه لما ودع قصر الحكم حينما انتهت مدة رئاسته، كانت معه شنطتان فقط . . 

و لعله لا يثقل على القراء إذا أعدت  بعض ما كنت كتبته بعد وفاته ( في ٢٧ يوليو ٢٠١٥م )  متحدثًا عن بعض مزايا حياة الرجل، ومعلقًا - بصفة خاصة - على أنه غادر قصر الرئاسة بشنطتين اثنتين لا غير . . ( كان عنوان المقال الذي تحدثت فيه عن الدكتور عبد الكلام : ودع قصر الحكم . . ومعه شنطتان فقط ) .

وإليكم الآن - بتعديل بسيط - بعض ما جاء في المقال : 

هذا خبر من صميم الواقع، ومن دنيانا هذه التي نعيش فيها، وليس شيئًا - كما يبدو - من نسج الخيال، أو أسطورة من أساطير الأولين، أو مدحًا أو إطراء من قبيل مبالغات الشعراء الذين ديدنهم الإسراف - بل التبذير - إذا صح التعبير - في التغني بمكارم الأمراء والحكام أو أصحاب الثراء طمعًا في عطائهم.

بل إنه واقع رآه الزمان، وحدث تاريخي رصدته الكاميرات، وسجلته وسائل الإعلام وحفظته للأبد، ووعته القلوب والعقول، وتناقلته الألسنة عن الألسنة . .

فماذا رأى الزمان، وما هو الحدث الذي هو أشبه بالخيال منه بالواقع؟

أنا لا أضيف جديدًا إلى معلومات القراء المتابعين للأحداث حينما أخبرهم بأن رئيس هندنا العزيزة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، الدكتور اے بي جے عبد الكلام ودّع قصر الرئاسة بعد أن انتهت فترة رئاسته ( في ٢٥ يوليو ٢٠٠٧م) وهو يحمل شنطتين فقط . .

حقا . . لقد ضرب الدكتور عبد الكلام - رئيس أكبر جمهورية في العالم - أروع المثل في النزاهة والبساطة والزهد والتقشف والقناعة، في زمن يعد فيه كرسي الحكم كنزًا ومغنمًا، ووجاهة تحقق الثراء، ويعتبره جمهرة رجال السياسة فرصة سانحة لجمع القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ولا يهمم من المنصب أو الحكم - في الغالب - إلا ملأ أرصدتهم من المال الذي يكفي لا لهم - أنفسهم - فقط، بل لمن بعدهم - أيضًا - من الأولاد والأحفاد، بل وحتى للأجيال القادمة من ذويهم.

إنه أثبت بسلوكه النبيل النزيه - طوال فترة رئاسته - أن رحِم السياسة لم تعد عقيمًا - تمامًا - من إنجاب الشرفاء الأمناء، وأن السياسة لم تنجس وتتعفن كليًّا، ولم تنحط إلى ذلك الدرك الأسفل - من الخساسة والرذالة - الذي ينبغي ألا ينزل إليه أصحاب غيرة وضمير وإباء، بل ويجب أن يستعيذوا منها - السياسة - كما استعاذ منها بعض مفكري العصر ممن ذاق ألاعيب السياسة ومكرها وشرها، فقال :

 *" أعوذ بالله من السياسة، ومن ساس يسوس، ومن كل سائس ومسوس، وكل ما اشتق من السياسة، فإنها ما دخلت شيئا إلا أفسدته"* .

ولكن إذا كانت السياسة يوجد فيها مثل عبد الكلام - الصالح الزاهد المتعفف النبيل الكريم - فمعنى ذلك أن السياسة لا تزال فيها بقية باقية من الشرفاء النبلاء، وأن الوضع فيها لم يصل بعد إلى حالة القنوط الكامل من صلاحها .

ذكر موظفو قصر الرئاسة من حياة الرئيس الهندي - السابق - عبد الكلام جوانب ومزايا لا  توجد اليوم إلا نادرًا حتى في أولئك الذين يعدون صالحين متدينين، فالكثير من أهل الصلاح ورجال الورع المعروفين - وعفوًا على هذه الصراحة - لا يكونون على مثل هذا القدر الكبير والمستوى الرفيع من الحذر والحيطة والتورع والتحفظ والزهد والبعد عن الشبهات دينيًّا واجتماعيًّا، ولا يتورعون عن مواضع التهم ماليًّا، بل ويقع العديد منهم في المحظورات الشرعية خاصة فيما يتعلق بموارد الرزق والكسب .

ولكن صاحبنا عبد الكلام - وهو يعد رجلًا من رجال الدنيا وأكبر حاكم في بلد عظيم كالهند - قالوا عنه إن أقرباءه ورجال أسرته إذا كانوا يحلّون عليه ضيوفًا في قصر الرئاسة، يأبى إلا أن يتحمل تكاليف ضيافتهم على حسابه الخاص لا على حساب الحكومة، فإذا قالوا له: ضيوفك ضيوف الحكومة قال: إنهم ضيوف عبد الكلام لا ضيوف الرئيس عبد الكلام، وهو - نفسه - لم يستخدم قصر الرئاسة مالكًا له يتصرف فيه تصرف الآخرين، وإنما أقام فيه - طيلة فترة رئاسته - ضيفًا كريمًا، نزله لبعض مهامه، فلما فرغ منها، غادره إلى حيث أتى منه.

كما ذكروا أن الشقيق الأكبر لعبد الكلام كان إذا سافر من وطنه إلى دلهي لزيارة أخيه رئيس الهند، ركب الدرجة الثانية - العادية غير المكيفة - من القطار، ولم يسافر بالعربة المكيفة أو بالطائرة.

بمثل هذه الصفات والمزايا صار عبد الكلام أنموذجًا نادرًا في الحقل السياسي وبين رجاله .

وعلاوة على ذلك . . سخر عبد الكلام كل ما يملك من المواهب العبقرية لصالح بلاده، فعمل على ازدهارها وتحديثها بنجاح، وجعل أكبر طموحه وأعظم أمنيته النهوض ببلاده إلى مصاف الدول الراقية، وظل - طوال فترة حكمه - يحتك بالشعب الهندي بمختلف فئاته وطبقاته، والهند بلاد متعددة الأعراق والديانات والملل والنحل والثقافات والرؤى والاتجاهات والنزعات، فهي - الهند - كالباقة التي تتفتح فيها الأزهار المختلفة ذات الرياحين المختلفة، ففي بلاد كالهند ليس من السهل أن يحظى أحد بحب الجميع، ولكن عبد الكلام - الذي يسمى " أبا القنبلة النووية الهندية " و"رجل المبادرات" ، و يعرف بلقب " رجل الصواريخ " لدوره الكبير في تطوير  برا مج الصواريخ والفضاء الهندية - حظي بحب وإعجاب الجميع لإخلاصه وتواضعه وإنجازاته المثالية : 


 على قدر أهل العزم تأتي العزائم

 وعلى   قدر الكرام تأتي المكارم 


ركز عبد الكلام عنايته على الشباب والطلاب بصفة خاصة، فالشباب الكفء مصدر العزة للأمة، وروح حضارتها ونهضتها وقوام إصلاحها، ولم يزل الشباب على مر العصور عماد نهضة الأمم وسرقوتها.

ومن هنا لم يزل  عبد الكلام يوصي الأمة بشبابها، ويلفت الأنظار إلى الاهتمام بالشباب والطلاب من حيث التنشئة الجيدة والإعداد المتميز، والتنقيب المثمر الخلاق في أصحاب المواهب العبقرية والنبوغ، والعناية باستثمار الطاقات وتوظيف الإمكانات .

وإنه الحرص الشديد على تربية الشباب، الذي جعل عبد الكلام - المعلم الموجه الباني المربي - عازمًا على أنه يقضي بقية حياته - كما كان دأبه قبل تولي رئاسة الجمهورية - مهتمًا بتعليم الشباب والطلاب وتربيتهم وتزويدهم بتجارب حياته وإعدادهم للمستقبل، فكان يعمل معلمًا ومحاضرًا في خمس جامعات بمختلف مدن الهند، وكان يقول للشباب : "  الأحلام ليست بالتي ترونها في المنام، بل إنما هي - الأحلام - التي تجعلكم لا تنامون " .

فكان الدكتور عبد الكلام يحب أن يرى كل شاب الأحلام، ويكتشف ما أودعه الله من المواهب والملكات، ثم يعكف على صقلها واستثمارها وتوظيفها لتكوين شخصيته، ولصالح الوطن والإنسانية جمعاء .

والدكتور عبد الكلام لمن أجدر الناس بأن يلقب بـ :  *" العصامي"* ، فإنه ما سما إلى هذه المكانة المغبوطة إلا بالجهاد المتواصل والعمل الدائم ليل نهار، إذ كان بدأ حياته العملية بائعًا للجرائد، وظل يجتهد ويسعى حتى صار مفخرة للبلاد وللشعب الهندي قاطبة، وللمسلمين بخاصة، وأعظم ما حباه الله من الصفات هو التواضع والنبل والبساطة المثالية النادرة . .  الأمر الذي جذب إليه النفوس كالمغناطيس، وجعله يتربع على عرش القلوب التي توحدت في حبه، وفاضت المشاعر لدى توديعه منصب الرئاسة، تعبيرًا عما يكنه الشعب من المودة والتقدير والاعتراف والإعجاب بشخصيته .

هذا . وكان  مهتمًّا بالقيام بأداء واجباته الدينية، فكان يصلي ويصوم رمضان ويتلو القرآن الكريم، ويتصدق على الفقراء و المساكين، وكان يعتقد أن جميع الأديان تدعو إلى الحب والوئام ومكارم الأخلاق والفضائل الإنسانية.

وقبل أن أختم هذه السطور - التي ما أملانيها إلا الواجب، والتي لا تمثل  المشاعر الحقيقية كاملة تجاه هذا الرجل المثالي الفذ - أحب أن ألفت الأنظار إلى درس يمكن تلقيه من نوع "نظام الحكم " السائد في البلدان الجمهورية كالهند وغيرها، وهو أن الرئيس أو أي أكبر حاكم فيها يترك السلطة راضيًا في يسر وسهولة . . كأن لم يقع شيء، وكأنه لم يذق لذة الحكم، ولم يتمتع بمتعة السلطة، ولم يتقلب في أعطاف نعيمها، أما في معظم البلدان العربية والإسلامية - وحتى التي تسمى منها جمهورية - فلا يترك فيها الرئيس أو الحاكم السلطة إلا مضرجًا بدمه، أو محمولًا على الأكتاف إلى القبر - بعد موته الطبيعي - أو مسوقًا إلى الزنزانة على الأقل .

وإلى الله المشتكى !


( الاثنين : ١٢ من صفر ١٤٤٨ھ = ٢٧ من يوليو ٢٠٢٦م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سلام على صاحب التضحية الكبرى

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

كان الوستانوي أمة وحده