من ذكريات المدينة : أذان البخاري للعشاء

 من وحي الأيام

من ذكريات المدينة : أذان البخاري للعشاء

        


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


أطهر مكان وأفضل مسجد بعد المسجد الحرام : *المسجد النبوي الشريف*.

وهو مسجد حظى بشرف لم يقدر لمسجد آخر - غير مسجد قباء - على وجه الأرض، فهو مسجد وُضع حجرُه الأساسي بيد أشرف إنسان وأفضل الرسل وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، وساهم في بنائه - مع الصحابة الكرام - النبي صلى الله عليه وسلم نفسه .

ولم يكن هذا المسجد النبوي الشريف مكانًا للعبادة والتلاوة والوعظ والإرشاد فقط، بل كان مدرسة للتعليم والتربية، ومحكمةً للعدل والقضاء، وبرلمانًا للتشاور في الأمور والقضايا الملية، ومقرًّا للقيادة للقوات المسلحة، فمنه كان يتحرك الجنود لإعلاء كلمة الله، وفي التعبير الحديث كان هذا المسجد مُجَمّعًا لكافة المناشط الدينية والتعليمية والاجتماعية والعسكرية.

وفوق ذلك كله . . كان ينزل هنا القرآن الكريم من فوق سبع سماوات على الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم، فكان - المسجد النبوي الشريف - يتصل بالسماء اتصالًاحيًّا مباشرًا عن طريق الوحي، وتنزل فيه الخيرات والبركات والرحمات تترى من السماء، وتغشاه هالة من النور والروحانية والقدسية.

وفي هذا المسجد الشريف صُنع أفضل أجيال البشر تحت إشراف ورعاية وعناية النبي الأكرم صلى اللّٰه عليه وسلم، جيل الصحابة الأبر، تلك الجماعة المثالية المختارة التي أُعدت لحمل الأمانة الكبرى وتحقيق مشيئة الله بها في الأرض .

هذا المسجد النبوي الشريف إذا زاره الإنسان دار في ذهنه شريط الذكريات العطرة، وتصَوّر تلك النفوسَ القدسية الشريفة التي كانت تتعبد فيه وتتربى تحت إشراف التربية النبوية الحكيمة.

هذا المسجد النبوي الشريف، تشرف هذا العبد العاصي - بفضل الله تعالى وتوفيقه - بزيارته وأداء الصلوات فيه نحو أربع سنوات كاملة متصلة .. 

وقصة ذلك أن كاتب السطور كان ذهب في بعثة طلابية من ندوة العلماء في أوائل هذا القرن ( ١٤٠٢ھ = ١٩٨٢م ) إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، حيث التحق بكلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، التي درس فيها أربع سنوات، وكنا وصلنا إلى المدينة المنورة في أوائل ربيع الأول ١٤٠٢ھ، وكانت إقامتنا في شارع قربان الذي كان في الوسط بين الحرم ومسجد قباء، وكانت في هذا الحي نحو عشر عمارات متقاربة مستأجرة من الجامعة، كان يسكن فيها عدد كبير من طلاب الجامعة، وكانت حافلات الجامعة توصلنا كل صباح إلى الجامعة، ثم تعيدنا منها بعد الدوام إلى مساكننا، فنتغدى، ثم نستريح إلى صلاة العصر، وبعد أذان العصر ( وبعد أذان الفحر أيضًا ) كان يأتي المشرف كل غرفة، ويوقظ الطلاب قائلًا : الصلاة .. الصلاة يا عباد الله ! . . الصلاة خير من النوم . . 

ويا لحلاوة تلك الكلمات الإيمانية وروعتها، وتأثيرها في طرد النوم من الجفون، ودفع سامعها إلى ترك الفراش الناعم في الغرفة المكيفة المريحة .

والله حينما سمعتها - أول عهدي بها في أول يوم من إقامتي بسكن  الجامعة - اهتززت طربًا وسرورًا، وترنحت أعطافي، وشعر كياني بارتياح عجيب لا أقدر على بيانه، وصدقوني أنني إلى الآن أشعر بحلاوة تلك الكلمات الإيمانية المثيرة المنيرة .. وأتمنى لو يعود بي الزمن إلى الوراء والتحق - مرة أخرى - بالجامعة، فتشنف أذني تلك الكلمات مرة أخرى . .

ولكن هيهات . .

ويا سقى الله تلك الأيام . . 

وبعد صلاة العصر، كنا نشرب الشاي، و نستعد للذهاب إلى الحرم، و نخرج إليه قبل نحو ساعة من صلاة المغرب، فنصلي فيه المغرب ثم العشاء .

بعد المغرب كنا نشتغل بالتلاوة أو حفظ الدروس وإعادتها أو الاستعداد لدروس الغد، وربما نحضر بعض الدروس، مثل درس الشيخ عمر فلاتة، أو الشيخ عطية سالم، كما نلقى - في بعض الأيام - بعض الإخوة من السعوديين أو المقيمين أو القادمين من الوطن، إلى أن يحين وقت العشاء، ويبدأ قدوم المصلين إلى الحرم لصلاة العشاء، حتى كان يمتلىء بهم ..

وإن أنس . . فلن أنسى ذلك المنظر الجميل، المهيب الجليل، الروحاني النوراني . . منظر كان يسبق لحظات من أذان العشاء . . 

وكأن الناس على رؤوسهم الطير .. خاشعين ساكتين صامتين منتظرين لأذان العشاء، وكان المؤذنون على التناوب، فأذان العشاء - مثلًا - يؤذنه اليوم فلان، وغدًا يؤذن له مؤذن آخر .

وكان المؤذنون كلهم ذوي أصوات جميلة ولهجات رائعة، ولكن أحدهم كان بَسَقهم وبذّهم جمالَ صوت وروعة أداء وسحر نطق، وكان يُعرف بـ : " الشيخ البخاري " ، ولم أعلم باسمه كاملًا قط .. وكان هذا المؤذن البخاري يؤذن - فيما أذكر - للعشاء مرتين في الأسبوع، وكان الناس ينتظرون أذانه بفارغ الصبر، فإذا أذّن فكأن الناس سُحروا وفُتنوا وانبهروا . . أو كأن مؤذنًا من الملائكة نزل من السماء توًّا ويؤذن في الحرم . . ولا تسألوا عن فرح الناس وطربهم واهتزازهم وإعجابهم بأذانه . . 

هناك أشياء لا تُقَدًر متعتها أو روعتها ما لم يجربها الإنسان نفسه، وكذلك فواكه لا يستطيع القلم مهما كان بارعًا ولا اللسان مهما كان بليغًا أن يصفا حلاوتها أو لذتهما .، إلا أن يتذوقها الإنسان نفسه . . 

كذلك أذان البخاري لا يمكن وصفه وصفًا صحيحًا دقيقًا .. فمن الذي يقدر على وصف صوته الملائكي الحلو الجميل البريء، ولحنه الرائع الماتع الموسيقي، ولهجته الآسرة الساحرة، وحنجرته الذهبية، ورنّة صوته ونغمته، وارتفاعَه وانخفاضَه، وكيفية أدائه العجيبة لكلمات الأذان .. ذلك الأداء أو ذلك الصوت الذي كان يحلّي الآذان، وتلذه الأسماع، وتطرب له القلوب، وتنشرح له الصدور، ويهتز له الكيان الإنساني كله فرحًا وطربًا.

كل ذلك يتعلق بالسماع  والسماع فقط .. ولا تقدر ريشة القلم أو أرنبة اللسان على بيان كيفية أذان البخاري حق البيان  . .

ولا أدري عما إذا كان البخاري ما زال على قيد الحياة .. فقد كان كهلًا في ذلك العصر الذي أتحدث عنه ( من ١٤٠٢ إلى ١٤٠٥ھ ) .. فإذا كان حيًّا يرزق .. فبارك الله في عمره وموهبته، والله يرحمه إذا كان قد توفي ..

هذا . وإنه يكون من الجفاء وعدم الوفاء، والنكران للجميل إذا لم أذكر - بهذه المناسبة - المملكة العربية السعودية بخير وشكر وعرفان بالجميل، فالفضل - بعد الله - يرجع إليها فيما حظيت به من شرف الإقامة في مدينة الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم، وأداء الصلوات في مسجده الشريف، فلو لم توفر الحكومة السعودية الفرصة للدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، لما سعدنا بما سعدنا .. 

ولا أعرف دولة تنفق على الطلاب من غير أهلها كما تنفق عليهم السعودية، فهي تستقبل الطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي، وتنفق على تربيتهم وتعليمهم بجود وأريحية وكرم وسخاء، ما شاء الله أن تنفق . . فهي تستحق - على ذلك - الشكرَ والتقدير والثناء من العالم الإسلامي بعامة، ومن المستفيدين من المنح الدراسية السعودية بصفة خاصة ..

كما أرى لزامًا علي أن أشكر ندوة العلماء التي كانت رشحتني للدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة، فمنحتني تلك الفرصة المباركة النادرة لقضاء مدة لا بأس بها في جوار الرسول صلى الله عليه وسلم .

فألف ألف شكر وتحية يا أمي العلمية على هذه المنة العظمى وعلى هذا التكريم الذي ليس فوقه تكريم ..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين !


( الخميس : ٢٣ من محرم ١٤٤٨ھ ٩ من يوليو - حزيران -٢٠٢٦م )

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سلام على صاحب التضحية الكبرى

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

كان الوستانوي أمة وحده