حقيقة نجهلها نحن المسلمين و يدركها غير المسلمين .. !

 من وحي الأيام

حقيقة نجهلها نحن المسلمين
و يدركها  غير  المسلمين .. !


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


قال الله تعالى  : { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون } .[ التوبة: ٣٣ ] .


هذه الآية الكريمة تتضمن بيان حقيقة مهمة، كما تحمل وعدًا ربانيًّا كريمًا، أو قل : تزف بشرى عظيمة إلى أهل الإسلام . .

أما الحقيقة المهمة الواضحة  .. الحقيقة الكبرى  .. أو قل : حقيقة الحقائق .. فهي أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسوله محمدًا صلى اللًٰه عليه وسلم بالهدى ودين الحق .

والمراد بالهدى : القرآن الكريم المشتمل على الإرشادات السامية والتوجيهات القويمة والأخبار الصادقة والتشريعات الحكيمة .

والمراد بدين الحق : دين الإسلام الذي هو خاتم الأديان والرسالات السماوية كلها، فهو الدين الأخير الكامل المغطي لجميع حاجات البشر، الباقي إلى قيام الساعة، ذلك الدين الذي لن يقبل الله دينًا غيره { إن الدين عند الله الإسلام، ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } [ آل عمران : ٨٥ ] ، فلا نجاة في الآخرة إلا به، ولا سعادة للمسلمين في الدنيا إلا باتباع أحكامه وتنفيذ شريعته .

كما وعد الله سبحانه وتعالى في  الآية الكريمة المسلمين وعدًا عظيمًا .. وقد تحقق هذا الوعد خلال مدة غير طويلة من نزول الآية .

فما هو ذلك الوعد يا ترى .. ؟

 وكيف تحقق وتجسد .. ؟  حتى رآه الناس عيانًا وحقيقةً كالشمس والقمر .. 

وهو - الوعد - أنه سبحانه سيُعلي هذا الدين ويظهره على الأديان قاطبة ..

فقد كانت رفرفت راية الإسلام وعلت كلمة الله وظهر دين الحق لا في جزيرة العرب وحدها، بل في معظم المناطق المعمورة من الأرض قبل اكتمال عقدين من الزمن بعد نزول الآية، فقد غزى الإسلامُ الدولتين العظميين - آنذاك - فارس والروم، وتوسع نطاق الدولة الإسلامية، حتى شمل كامل العراق ومصر وليبيا والشام وفارس وخراسان، و شرق الأناضول وجنوب أرمينيا وسجستان، كما كان ظهر الإسلام في الهند والسند، ثم في جنوب آسيا، وفي أندونسيا وغيرها .


هذا . ودين الحق لا يزال عاليًا غالبًا ظاهرًا على جميع الأديان .. 

نعم ! ما يزال ظاهرًا رغم ما اعترى أهله من الضعف، ورغم انحساره السياسي عن كثير من المناطق التي كانت خاضعة لحكم المسلمين، والتي ظلت تخفق فيها راية الإسلام قرونًا متطاولة، ثم انحسرت فيها قوة أهله، لصراعاتهم الداخلية وحزازاتهم الشخصية، وتكالبهم على الجاه والسلطة، واستبدادِهم بالتنعم والطاق والرواق ..

ولكن رغم هذا التراجع أو الانحسار لِمَدّ الإسلام وضَعْفِ أهله .. ما يزال الإسلام خصبًا طريًّا ناضجًا جديدًا كما كان في مطلعه، مملوءا حيوية وقوة وعطاء كما كان في بدايته،  والإسلام - في الحقيقة - لا يشيب، ولا يعتريه البلى أو القدم أو الضعف، ولا تؤثر عليه حوادث الدهر، ولا اختلاف الليل و النهار، وبطاريته لا تنفد أو تقل ذخيرتها . . ، ولا تحتاج - من حين لآخر - إلى الشحن أو تجديد فاعليتها، بل لا تزال - ولن تزال - ممتلئة طاقة وقوة، وكفاءة وفاعلية .. فهذا الإسلام ما يزال - وسيظل -  ظاهرًا على الدين كله ما كرّ الليل و النهار، لأن الإسلام قوي بطبعه . . متين من أساسه، ثابت في أصله، صامد في قراره صمودًا أصلب من الجبال الراسيات، لا تهزه العواصف ولا تهده الزلازل .. يتمتع بقوة ذاتية تجذب أصحاب الفطر السليمة الذين ينجذبون إليه كما ينجذب الحديد إلى المغناطيس .. ويميلون إليه بدافع ذاتي وعن اقتناع شخصي ورغبة داخلية نابعة من الأعماق ..

فالإسلام لا يحتاج لاستمالة الناس، وترغيبهم فيه، إلى الإغراءات والجواذب المادية .. 

إنه كالبئر التي لا تذهب إلى الناس، بل الناس هم الذين يَرِدُونها يستسقون .. ليرووا ظمأهم ! 

 الإسلام مطلوب لا طالب .. وحاجة الناس الرئيسية الكبرى، والوصفة الربانية الناجعة المجربة - التي نزلت من السماء - لعلاج جميع أمراضهم وعللهم .. 

إنه هادي العالم ومرشده وموجهه الوحيد . . و بكلمة واحدة .. *إن الإسلام ضالَّة العالم* .. فلا مخرج له من مضايقه إلا بالاحتماء بحماه، ولا نجاة له من التسكع في الظلمات إلا بالاهتداء بهديه، والاستنارة بنوره، المُشِعّ - المنبعث - من نور السماوات والأرض .. ولا حل لمشكلاته إلا في ضوء توجيهاته، فهو - الإسلام - العمود الذي عليه المُعَوّل، والغاية التي إليها الموئل، وبه - الإسلام - تُحلّ الأزمات،  وتُؤمَن الغوائل، ويصلح المعاش  والمعاد .

وكل من ينظر - من غير المسلمين - إلى الإسلام بعين لا قذى بها، بنظرة سليمة مجردة من التعصب والغش، والعشا والهوى، والرمد المعنوي، يدرك صدق هذا الدين، وكونه حقًّا لا شبهة فيه، ويعترف بقوته الكامنة، وصلاحيته المدهشة لمسايرة الزمان، بل وقدرته على قيادة البشرية، وحل مشاكلها وتغطية حاجاتها في سهولة ورشد، وبكفاءة عالية تكافىء متطلبات العصر، وتتناغم ومقتضياته .

فوعد الله - المتمثل في ظهور الدين وغلبته، وعلو كلمة الله، وقوةِ المسلمين السياسية - قد تحقق في القرن الأول من الهجرة، ووعد الله هذا ما يزال متحققًا بشكل موضوعي ثابت، فما يزال هذا الدين ظاهرًا على الدين كله في حقيقته، فهو الدين الوحيد القادر على مواجهة التحديات في كل زمان ومكان، و القادر على الريادة والقيادة للإنسانية جمعاء، وهو كسفينة نوح، فلا نجاة إلا بركوبها.

ولا شك أن [  الغير ] يدرك هذه الحقيقة تمامًا، ويهابها، ويحسب لها ألف حساب، ويخطط لمواجهتها تخطيطًا دقيقًا ماكرًا خبيثًا ..

أما نحن المسلمين فلا ندرك هذه الحقيقة . . ! 

فيا لَغباوتِنا، وجَهلِنا بعظمة ديننا، وسِرّ سعادتنا، ومفتاحِ تقدمنا، وهو بمتناول أيدينا ..

ويا لَشطارة ودهاء وتيقظ « الغير » الماكر، وإدراكه الفاجر لمزايا ديننا . 

فمن أتعس حظًّا وأشد حمقًا وأبعد من الحزم ممن يملك الجواهر، ويجهل قيمتها، ويُحرَم الاستفادة منها. فيعيش عيشة البائس الفقير .. ؟

أو من أسوأ حظًّا ممن يعيش الذل والهوان، وعنده وصفة العز والسعادة .. ؟ 

ويا للأسف .. وهذه هي حالنا .. فنحن مفلسون مُعدِمون ونحن قد أغنانا الله بما أغنانا . . وأذلاءُ مهانون وقد وفر لنا الله من أسباب السعادة والكرامة ما وفر . . ! 

فمتى نؤوب إلى رشدنا، وندرك قيمة ثروتنا، بل متى ندرك قيمتنا نحن . . ونفطن لسر نجاحنا وازدهارنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة .. ؟!

عسى أن يكون ذلك قريبًا .. !

اللهم وفقنا توفيقًا عاجلًا لإدراك الحقيقة التي نحن بها جاهلون !


( الاثنين : ١٣ من محرم ١٤٤٨ھ = ٢٩ من يونيو - حزيران - ٢٠٢٦م )

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سلام على صاحب التضحية الكبرى

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

كان الوستانوي أمة وحده