العام الهجري الجديد خواطر وتأملات

 من وحي الأيام

العام الهجري الجديد
خواطر وتأملات


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


ودًعنا عامًا، ونستقبل عامًا جديدًا آخر ..

وهذه فرصة لمراجعة الحساب، والمسلم أشد حسابًا لنفسه من الشريك الشحيح . .

ومن كان يومه مثل أمسه، فهو مغبون، ومن كان يومه أسوأ من أمسه، فهو ملعون .. 

فلنحاسب أنفسنا بأنفسنا .. 

أين نجد أنفسنا .. ؟ 

في صف المغبونين .. ؟

أو في الصف الذي يليه .. ؟ 

أو في مقام أفضل وأسمى من الصف الأول .. ؟ 

فإذا وجدنا أنفسنا في هذا المقام ..

أي يومُنا خير من أمسنا .. 

فلنحمد الله على ذلك .. ولنحاول الثبات والاستمرار والمضي قدمًا على نفس الطريق .. دون كلل أو ملل .. 

وإن وجدنا مكاننا في صف المغبونين،  اجتهدنا أن يكون يومنا خيرًا وأحسن من أمسنا .. وغدنا خيرًا وأفضل من يومنا ..

وإن وجدنا أنفسنا - ولا سمح الله بذلك - في الصف الثاني، بذلنا جهدنا وعزَمنا عزمًا أكيدًا أن لا يكون غدنا إلا أفضل وأحسن وأروع من يومنا .. 

                                

* * *

ثم إن هذا التوديع والتشييع، أو الاستقبال والترحيب، أو القديم والجديد ليس شيئًا غريبًا أو طارئًا في حياتنا .. بل إنما هو شيء عادي مألوف معهود لا يلفت انتباهنا ولا يسترعي أنظارنا  . . 

ولكن في الحقيقة إن في كل من هذا القديم والجديد، والإدبار والإقبال، واختلاف الليل و النهار لعبرًا ودروسًا لنا كثيرة وكثيرة . . إذا كانت لدينا حاسة الاعتبار والاتعاظ .. 


وفي كل شيء له آية 

تدل على    أنه واحد


ولكننا صرنا - مع الأسف - أمة باردة الحس، ميتة الضمير، فاقدة الغيرة والحياء والشعور .. فكم وكم نشاهد الزواجر والقوارع والنذر من حين لآخر . . هنا وهناك . . وعن أيماننا وشمائلنا ..  بل أصبحنا نُذَل ونُهان ونُضرَب في أرضنا وعقر دارنا، ويُشتم بنا ويُسخر منا في المحافل الدولية والمنصات الرئيسية علنًا وجهارًا ونهارًا، ونواجه من الخزي والعار والشنار ما يفوق الوصف، وما لا يحتاج إلى بيان .

ولكننا عُدْنا لا نتألم ولا نتأذى، ولا نحس ولا نشعر بأي هزة مهما كانت عنيفة، ولا صدمة مهما كانت عظيمة، و لا إهانة مهما كانت شنيعة . . وكأننا تعَوّدْنا تحمل الإهانات والتنكيلات، فألِفْناها ورضينا عنها - طوعًا أو كرهًا - كل الرضا .. فلا يهزنا أي تأديب، ولا يحرك شعورَنا أي جرح أو قذع،  ولا يوقظ نومنا أي سوط من أسواط التأنيب والتقريع، ولا يردعنا إنذار أو تحذير. ولا ينفعنا وعظ أو زاجر، فحياتنا هي هي . . الحياة العابثة اللاهية . . فما زلنا سادرين في غفلتنا، غاطّين في سباتنا العميق، غارقين في لهونا ولعبنا .. فلا نتعظ ولا نرتدع .. ولا نتوقف ولا ننتهي . . فكأننا - والعياذ بالله - لا نؤمن بالله .. لا نخشى حسابًا ولا عقابًا ولا نارًا .. ولا نرجو لله وقارّا . . 

              

* * *


على كل .. مضى ما مضى . . فقد رحل العام الماضي بخيره وشره، وحلوه ومره .. بذكرياته الجميلة والقبيحة .. بكوارثه ومآسيه ومصائبه ..

إن على كل واحد منا أن يحاسب نفسه، ماذا خسر فيه وماذا ربح . . ؟ ويعتبر بتجارب الماضي، ليصحح بها مستقبله، ولا يعيد أخطاء الماضي، و لا يقنط، فعسى الله أن يبدل بالشر خيرًا، ولا يدخر وسعًا في إصلاح أخطائه، وتغيير نفسه، فـ : { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم  }  .. فصلاح الأمة بصلاح الأفراد، وصلاح الأفراد بصلاح النفوس، فإذا صلحت النفوس، صلحت الأفراد، وإذا صلحت الأفراد صلحت الأمة .

المشكلة أن كل واحد منا يتهرب من مسئوليته، ويلقي باللائمة على غيره، ويدعو غيره إلى الإصلاح، قبل أن يهتم بإصلاح نفسه، وحتى قبل أن يفكر في إصلاحها . 

و هنا مكمن الدواء، وهذا أصل الفساد . . فإذا عزم كل واحد منا على إصلاح نفسه ومن يعوله ومن يرعاه .. كان ذلك خيرًا له،  و للأسرة  والمجتمع و - بالتالي -  يكون في مصلحة الأمة من حيث المجموع .


* * *

هذا العصر عصر الغرائب و العجائب والتناقضات المحيرة للعقول . . ، فمن أعجب عجائبه أن الناس ممن يزعمون أنهم متحضرون متنورون، يحتفلون بما يسمى : " عيد الميلاد " ( birth day) كلما جاءت الذكرى السنوية ليوم ولادتهم، ظانين أن عمرهم زاد .. بل - في الحقيقة - إن عمرهم نقص، فبمضي سنة، تنقص سنة من العمر، فهذا النقص من العمر مدعاة للحزن والأسى، وهذا الغبي يفرح ويطرب، فإذا كان المرء عمره - مثلًا - ستين سنة، فإذا بلغ من عمره أربعين سنة، فمعنى ذلك أن  الثلثين من عمره نقص، ولم يبق من عمره إلا الثلث فقط، فإذا احتفل هو بعيد ميلاده الأربعين، إذا بلغ الأربعين من عمره، ووزع الحلاوة، أو أقام وليمة دسمة ومأدبة فاخرة  يدعو إليها الأعزاء والأصدقاء .. فمعنى ذلك أن هذا المسكين يحتفل بالخسارة . . ( وأي عاقل يحتفل بالخسارة  وييستبشر بالغبن يا ترى .. ) لأنه لا يشعر بأن أربعين سنة نقصت من عمره، وما بقي منه إلا عشرون سنة !

فهل هذا من العقلانية في شيء . . ؟ 

فكيف يقيم الأفراح ..  و قد نقصت من عمره أربعون سنة، وهو يدنو من القبر رويدًا رويدًا .. 

فالعبرة بالرصيد .. لا بما أُنفِق وسُحب .. 

فإذا لم يبق من رصيد عمره إلا الثلث فقط .. 

فهل هذا مقام الحزن أو الفرح .. 

ومناسبة إقامة الوليمة أو المأتم ..؟ 

ومناسبة الرقص والقصف، أو أوان مراجعة الحساب والاستعداد للغد .. ؟ 

  نترك الحكم في ذلك للعقلاء .. !


( الثلاثاء : ٢٩ من ذي الحجة ١٤٤٧ھ = ١٦ من يونيو - حزيران - ٢٠٢٦م )

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده