فاروق الإسلام

 شخصيات أعجبتني : (٤٤) 

فاروق الإسلام

أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


*إسلام عمر* :

إذا ذُكر [ *عمر* ]   مطلقًا، بادر إلى ذهن كل مسلم، ذلك الرجلُ العصامي، الفذ العبقري، الذي عرفته الدنيا باسم : *عمر بن الخطاب* رضي الله عنه، وإذا ذُكر عمر بن الخطاب، بادر إلى الذهن - عفويًّا  . . وبدون تعمد - من صفات العظمة والنبوغ والعبقرية والهيبة والجلال والاختراع والابتكار والحزم والصىرامة  والصدع بالحق والجراءة والشجاعة والبسالة والرجولة وما إلى ذلك من الصفات والشمائل، ما لا يبادر إلى الذهن لدى ذكر غير عمر رضي الله عنه إلا نادرًا ..

فـ : *[ عمر ]* ليس اسم رجل عادي . . بل إنه اسم ذلك الرجل العظيم  السعيد، الذي تمنّى إسلامَه نبيّ الإسلام نفسه، فحقق الله أمنيته، وأعز به الإسلامَ .

نعم . إن عمر اسم ذلك الرجل المبارك الذي كان إسلامه استجابة لدعاء النبي صلى اللّٰه عليه وسلم، وتحقيقًا لرغبته :  « اللهم أعزالإسلام بأحب  هذين الرجلين إليك : بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب » . رواه الترمذي .

فمن كان إسلامه استجابة ربانية للدعاء النبوي المبارك  .. لا يكون رجلًا كالرجال . . ولا يمكن تقدير فرحِ النبي صلى اللًٰه عليه وسلم، واعتزازِ الصحابة بإعلانه عن اعتناقه للإسلام .. 

فلقد كان المسلمون هللوا وكبروا حينما نطق عمر بالشهادتين، وشعروا بلون من ألوان العزة والقوة والمنعة والغلبة والانتصار : « وقد عزُّوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله، وينتصفون بهما من عدوهما » . (١) .

فكان إسلام عمر بشارة عظيمة للمسلمين، وإيذانًا بقدوم مرحلة جديدة يخرجون فيها من التضييق والإحراج إلى لون من ألوان الفرج واليسر والحرية في ممارسة واجباتهم التي تعود إليهم من قِبَل دينهم الجديد .

ثم إن قصة اعتناق عمر للإسلام نفسها قصة طريفة ممتعة رائعة، غريبة عجيبة بل نادرة، لم يُروَ مثلها في تاريخ قصص قبول الإسلام، والقصة - كما هي معلومة معروفة  لدى كل مسلم تقريبًا - أن عمر كان  ضاق بهذا الدين الجديد الذي أحدث الفوضى - حسب زعم الكفار - في المجتمع، ففرق بين الرجل و ولده أو والده، أو زوجته، وسفّه الأصنام،  فخرج ذات يوم لاستئصال شأفة الإسلام عن طريق القضاء على من أحدثه وجاء به وتبَنّى الدعوةَ إليه، ، فأراد عمر شرًّا، ولكن الله أراد أن يستبدل به خيرًا، وأراد عمر أن يكون عدوًا لدودًا للإسلام، ولكن الله رده صديقًا نصوحًا و مؤمنًا مخلصًا بل بطلًا من أبرز أبطال الإسلام، الذين تعد مآثرهم الجليلة من أعظم مفاخر الإسلام التي يتلألأ بها تاريخ الإسلام، ولن يستغني عنها إلى قيام الساعة .

وما ذلك على الله بعزيز، فهو سبحانه لقادر على أن يُخرج الحي من الميت، والنورَ من الظلمة . 


*عبقرية عمر*: 

لقد كان عمر عبقريًّا بمعنى الكلمة . . 

ثم عبقريته لم تكن عبقرية عادية، بل عبقرية معترف بعظم شأنها من قبل النبوة نفسها :

« أُريتُ في المنام أني أنزع بدلو بكرة على قليب، فجاء أبو بكر فنزع ذَنوبًا أو ذَنوبين نزعًا ضعيفًا، والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستحالت غربًا، فلم أر عبقريًّا يفري فريه، حتى روي الناس، وضربوا بعطن » . متفق عليه .

فهي عبقرية  نمت وترعرت وغُذّيت و سُقِيت برحيق النبوة المختوم، ونضجت واختمرت وبلغت أوجها في ظلال التربية القرآنية النبوية المباركة، عبقرية تحدث بها لسان النبوة المبارك، ليعرف الناس قدرها وعظمتها، فقد روى البخاري في صحيحه أن الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم قال : « وبينما أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا : فما أوّلته يا رسول الله ؟ قال : [ العلم ]  . . » في إشارة صريحة واضحة إلى المنبع الصافي الطاهر، التي تفجرت منه عبقرية عمر،  وإلى ألمعيته، التي تحدث بها عبد الله بن عمر قائلًا :  « ما سمعت عمر لشيءٍ قط يقول : إني لأظنه كذا .. إلا كان كما يظن » .

وقال الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم : «  لو كان بعدي نبي لكان عمر » رواه أحمد والترمذي والحاكم .

هذا الحديث الشريف أكبر دليل على عبقرية عمر، وكفى به شهادة على عظمته، ومما يلفت النظر أنه خُص عمر بالذكر، وذلك لكثرة ما وقع له في زمن المصطفى صلى اللًٰه عليه وسلم من الواقعات، التي نزل القرآن بها، فوافق فيها قولُه ما نزل من القرآن بعده، فكان قريبًا من النبوة قربه من القرآن، إلا أنه لا نبي بعد محمد صلى اللًٰه عليه وسلم .

" راجع عمرُ النبيّ صلى اللًٰه عليه وسلم في مسائل شتى، فأخذ النبي صلى اللّٰه عليه وسلم برأيه في بعض هذه المسائل وخالفه في بعضها، فلم تكن طاعته فيما خولف فيه أقل ولا أضعف مما وُفِّق عليه .

وكذلك راجع الخليفةَ أبا بكر في كبريات المسائل وصغارها، فكان أبو بكر يثوب إلى رأيه كثيرًا، ويصر على ما بدا له إذا رأى( الحسنى ) في الإصرار، فيطيع عمر أمره بعد ذلك،  كأنه لم يكن خلاف " (٢) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في كتاب : " الرد على المنطقيين " بعد ذكر الحديث السابق وعدة أحاديث في مقام عمر - رضي الله عنه - وأنه ملهَم مُحدَّث، ومع هذا . . فالصديق أكمل منه، فإن الصديق كَمل في تصديقه للنبي، فلا يتلقى إلا عن النبي، والنبي معصوم، والمحدَّث كعمر، يأخذ أحيانًا عن قلبه ما يلهمه، ويحدث به، لكن قلبه ليس معصومًا، فعليه أن يعرض ما ألقي عليه على ما جاء به الرسول، فإن   وافقه، قبله، وإن خالفه رده، ولهذا قد رجع عمر عن أشياء، وكان الصحابة يناظرونه، ويحتجون عليه، فإذا بينت له الحجة من الكتاب والسنة، رحع إليهما،. وترك ما رآه، والصديق إنما يتلقى عن الرسول، لا عن قلبه، فهو أكمل من المُحَدَّث، وليس بعد أبي بكر صديق أفضل منه. ولا بعد عمر مُحَدّث أفضل منه " .


*شدة عمر في الحق*: 

كان أعظم وأبرز مظاهر عبقرية عمر، غضبُه في الحق وللحق، فشدته في الدين والحق أعرف من أن يُعرَّف أو يحتاج إلى بيان، فمن هنا  . . هابه الناس مؤمنهم وكافرهم لما عرفوا - منه - من عدم وجود ذرة أو أقل من ذرة، أو لون من ألوان اللين أو المداهنة أو المساهمة أو المساومة أو التنازل في الحق، فالحق عنده أعلى وأعظم، و أجل وأكبر من كل شيء وشخصٍ مهما علا وعظم . . ، وأولى بأن يكون هو الأعلى مهما كانت الظروف أحرج، والأوضاع أدق . . ، فالالتزام بالحق - أشد وأعظم ما يكون - هوية عمر الكبرى . . ولم لا يكون ذلك . . ؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم نفسه قال : « إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه » ، وقال : « عمر بن الخطاب معي حيث أحب، وأنا معه حيث يحب، والحق بعدي مع عمر بن الخطاب حيث كان » ، وقال : « قد كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي أحد فعمر » ، ومثله قوله في بعض ما نقل عنه « لوكان بعدي نبي، لكان عمر » .

كل هذه النصوص الصريحة إن دلت على شيء، فإنما تدل على مكانة خاصة لعمر، وأن الصلة بينه وبين الحق صلة أكيدة، لن يتزعزع عنها قيد أنملة، بل و مقدار شَعرٍ، فالحق يوجد حيثما كان عمر، والعكس صحيح .. 

إن الحق وعمر كيانان متلازمان متلاصقان لا يفترقان أبدًا . .


روى الطبراني في تاريخه أن نفرًا من المسلمين كلموا عبد الرحمن بن عوف فقالوا : كلِّم عمر بن الخطاب، فإنه قد أخشانا، حتى والله ما نستطيع أن نديم إليه أبصارنا، فذكر ذلك عبدُ الرحمن بن عوف لعمر، فقال : أو قد قالوا ذلك ؟ فوالله لنتُ لهم حتى تخوفت الله في ذلك، ولقد اشتددت عليهم حتى خشيت الله في ذلك، وأيم الله لأنا أشد منهم فرقًا منهم مني »  .

وقال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما يقول : مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن آية، فلا أستطيع أن أسأله هيبة .


*من نماذج عدل عمر*: 

كان عمرو بن العاص واليًا لمصر، وكان ابنه يُجري الخيل في ميدان السباق، فنازعه بعض المصريين السبقَ، واختلفا بينهما لمن يكون الفرس السابق، وغضب ابن الوالي فضىرب المصري وهو يقول : أنا ابن الأكرمين! فاستدعى عمر الوالي وابنه حين رفع المصري إليه أمره، ونادى بالمصري في جمع من الناس أن يضرب خصمه قائلًا له : " اضرب ابن الأكرمين" ، ثم أمره أن يضرب الوالي، لأن ابنه لم يجرؤ على ضرب الناس إلا بسلطانه، وصاح بالوالد مغضبًا، وأطلق تلك الكلمة التاريخية الشهيرة، التي يضرب بها المثل في عدل الإسلام الذي يساوي بين الأمير والفقير، والرفيع والوضيع : *" بم استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا ؟ "* ، فما نجا من يده إلا برضا من صاحب الشكوى واعتذار مقبول (٣)


*من أبرز مواقف عمر الجريئة*: 

نجد في حياة عمر مواقف جريئة، لا نكاد نجد لها نظيرًا في حياة غيره، فلقد اتسمت حياته بالعنف والشدة والجدة والصرامة، فقد وقف من الإسلام - قبل أن يدخل في حظيرته - موقفًا عنيفًا لا هوادة فيه ولا رحمة، ثم حينما شرح الله صدره للإسلام، ووفقه للإيمان، كان إسلامه إسلامًا قويًّا شديدًا عنيفًا، كأقوى وأشد وأعنف ما يكون .. فكما كان عداؤه شديدًا عنيفًا للإسلام، كان حبه وولاؤه للإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم - أيضًا - قويًّا شديدًا عنيفًا ..

ومن هنا . . نجده يقف موقفًا حازمًا صارمًا جريئًا - من بعض الأحداث - جراءة لا تكاد توجد في حياة غيره، بل جراءة، يعجب منها عمر نفسه، والحدث التالي من خير الأمثلة على ذلك : 

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله يقول : لما توفي عبد الله بن أبي، دعي رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف يريد الصلاة عليه، تحولت حتى قمت في صدره، فقلت يا رسول الله ! على عبدالله بن أبي تصلي ؟ وهو القائل يوم كذا كذا ويوم كذا كذا . . أعدد أيامه ورسول الله يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال : أخر عني يا عمر، وأني خيرت فاخترت، وقد قيل لي { استغفرلهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } [ الأولى : ٨٠ ] ، لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر لهم لزدت، قال : ثم صلى عليه ومشى معه، فقام على قبره، حتى فرغ منه، فعجبًا لي وجراءتي على رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم، والله ورسوله أعلم، قال : فو الله ما كان إلا يسيرًا حتى نزلت هاتان الآيتان : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله، وماتوا وهم فاسقون } [ التوبة: ٨٤ ] .  رواه مسلم .


*من نماذج شجاعة عمر*:

حياة عمر مليئة بمواقف الشجاعة والبسالة، فالشجاعة هوية عمر، وخصيصة لا يكاد يضارعه فيها أحد غير النبي صلى اللًٰه عليه وسلم، وهنا نكتفي بنموذج واحد من نماذج شجاعته الأسطورية الفذة .

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : « ما علمت أن أحدًا من المهاجرين هاجر  مختفيًا إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما همّ بالهجرة تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهمًا، واختصر عنَزَته،ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف في البيت سبعًا متمكنًا، ثم أتى المقام فصلى، ثم وقف على الحِلَق واحدة واحدة، يقول لهم : شاهت الوجوه ! لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن يثَكّل أمه، أو يوتم ولده، أو يرمّل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي » .


*أبرز إنجازاته*: 

- هو أول من لقب بـ : " أمير المؤمنين " .

- هو أول من أمر بوضع التقويم الهجري المعتمد على هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم .

- أسس الدواوين، وقسم الدولة الإسلامية إلى ولايات، ونظم القضاء، وأنشأ العديد من المدن الجديدة مثل البصرة والكوفة في العراق، والفسطاط في مصر .

- في عهده بلغ الإسلام مبلغًا عظيمًا، وتوسع نطاق الدولة الإسلامية حتى شمل كامل العراق ومصر وليبيا  والشام وفارس وخراسان وشرق الأناضول وجنوب أرمينيا وسجستان، وهو الذي أدخل القدس تحت حكم المسلمين لأول مرة، وهي ثالث أقدس المدن في الإسلام، وبهذا استوعبت الدولة الإسلامية كامل أراضي الإمبراطورية الفارسية الساسانية وثلثي أراضي الإمبراطورية البيزنطية تقريبًا، تجلت عبقرية عمر بن الخطاب العسكرية في حملاته المنظمة المتعددة التي وجهها لإخضاع الفرس الذين فاقوا المسلمين قوة، فتمكن من فتح كامل لإمبراطوريتهم في أقل من سنتين، كما تجلت قدرته وحنكته السياسية والإدارية بحفاظه على وحدة دولة كان حجمها ينمو يومًا فيومً، ويزداد عدد سكانها، وتتنوع أعراقها .


*مما اشتهر به عمر بن الخطاب*:  

- اشتهر عمر بن الخطاب بلقب « الفاروق » لتفريقه بين الحق والباطل، وبعد نظره وإصابته في الرأي .

- كما عُرف كأحد أعظم القادة في التاريخ الإسلامي، وبرّز في عدة مجالات رئيسية .

- عُرف بالورع والقوة البدنية، وكان يُضرب به المثل في الشدة في الحق والتواضع الشديد .

*من أبرز أقواله :* 

١- لو أن شاة عثرت بشط الفرات، لظننت أن الله تعالى سائلني عنها يوم القيامة : لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق يا عمر .. ؟ 

٢- حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم  .

٣- رحم الله امرءا أهدى إلي عيوبي .

٤- من قال أنا عالم فهو جاهل .

٥- وجدنا خير عيشنا بالصبر .

٦- ترك الخطيئة خير من معالجة العزلة ..ً

٧- ما ندمت على سكوتي مرة، لكنني ندمت على الكلام مرارًا .

٨- لو نادى مناد من السماء : أيها الناس ! إنكم داخلون الجنة كلكم أجمعون إلا رجلًا واحدًا، لخفت أن أكون هو .

٩-ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكنه الذي يعرف خير الشرين .

١٠ لا تعتمد على خلق رجل حتى تجربه عند الغضب.

١١- أثنى رجل أمامه على رجل، فسأله : « أصحبته في السفر، أعاملته ؟ »  فلما أجابه نفيًا قال « فأنت القائل بما لم تعلم » .


*احتفال عمر بالذكريات*:

كان يقدر للذكريات أهميتها، ويهتم بتخليد أهمها وأعظمها، فلما جرى التشاور في اختيار يوم يكون أصلح مفتتحًا للتقويم الإسلامي، فوافق على اختيار يوم الهجرة بداية للتقويم الإسلامي، فإنه - يوم الهجرة - لأحرى وأجدر بأن يكون يومًا يؤرخ به الإسلام، فإنه كان يومًا فاصلًا حاسمًا بين مرحلة الضعف ومرحلة القوة، بين مرحلة الإقليمية ومرحلة الآفاقية، وكان بداية لنهاية عصر الكبت والظلم والطغيان، ومفتتحَ عصر الغلبة والفتح الانتصار . وهذا الاختيار لمن دلائل عبقرية عمر وفراسته الإيمانية وبصيرته النافذة المستنيرة بهدي الكتاب والسنة .


*بعض المواقف الخارقة لعمر*: 

اشتهر عمر بن الخطاب بكرامات عظيمة، تدل على إيمانه الراسخ العميق الثابت القوي، وبصيرته النافذة المستمدة من المنابع الأصيلة من الكتاب ومصاحبة النبي الشربفة ، أبرزها قصة جيش سارية، وحادثة فيضان النيل، بالإضافة  إلى موافقاته للقرآن الكريم .


*غيرة عمر*:

أما غيرة عمر فكفى بذلك شهادة ما قاله الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم عن غيرة عمر : « إن الله غيور يحب الغيور، وإن عمر غيور » .

وتحدث - صلى اللّٰه عليه وسلم - إلى صحبه يومًا وعمر فيهم فقال : « بينما أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت : لمن هذا القصر ؟ فقالوا : لعمر، فذكرت غيرته، فوليت مدبرًا، فبكى عمر، وقال كالمعتذر [ أ عليك أغار يا رسول الله ؟ ] .

والحقيقة أن أحرار العرب كلهم غيور، ولكن إذا أُطلِق « العربي الغيور » ، كان المراد به « عمر بن الخطاب » وحده  .. لا غير . .  لأنه طبع هذه الصفة القومية بطابعه الذي لا يشبهه فيه غيره، فكان غيور الغيارى ! 


*حيطة عمر*:

كانت لعمر حساسية زائدة في عقيدة الناس، فكان له في صيانتها وحفظها من الحيطة والحذر ما لا يمكن تقديره فوق ذلك، فكان يراقب عقيدة الناس وأفكارهم كأشد ما تكون المراقبة، فكان يرى أن تظل العقيدة سليمة مأمونة من أي شبه من الخلل أو نوع من الخطل أو الضعف والفساد .

فلما سمع أن الناس يأتون الشجرة التي بايع رسول الله عليه وسلم تحتها بيعة الرضوان، فيصلون عندها ويتبركون بها، فأوعدعم وأمر بها أن تُقطع، مخافة أن تسري إلى الإسلام من هذه المناسك وأشباهها لوثة من الوثنية والتوكل على الجماد .

ويتصل بذلك عزلُه خالدًا وهو سيف الإسلام وبطل الجزيرة والشام، وأعلن :  « أنه لم يعزله لسخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به» ، قال : « فخشيت أن يوكلوا به ويبتلوا به، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع، وألا يكونوا بعرض فتنة » . ولما سأله خالد في ذلك قال له : « إن الناس افتتنوا بك، فخفت أن تفتتن بالناس » .


*الصراحة والوضوح من أبرز مزايا عمر*:

كان يحب الصراحة والوضوح والجد، والحزم والصرامة، وكان أكره ما يكره اللف والالتواء، والتنطع والتكلف، والمبالغة والمغالاة، فلا تحذلق ولا تظرف ولا تكيس، ولا رياء ولا ادعاء، ولا تظاهر ولا تخشع ولا نفاق، فلما رأى شابًّا منكسًا رأسه، زجره قائلًا : « ارفع رأسك، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن أظهر للناس خشوعًا فوق ما في قلبه، فإنما أظهر للناس نفاقًا إلى نفاق » .  وكان يعجبه الشاب الصالح القوي الورع التقي النقي، طيب القلب نظيف الثوب طيب الرائحة، وكان يحث المسلمين على أن : « علّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل » .

وكان يقول : « لا تنظروا إلى صيام أحد، ولا إلى صلاته، ولكن انظروا من اذا حدّث صدق، وإذا ائتمن أدى، وإذا أشفى - أي همَّ بالمعصية - ورع » . 

وكان ينعى على المتواكلين المتوانين المتكاسلين، ويقول : « إن المتوكل الذي يلقي حبة في الأرض ويتوكل على الله »  .. و  : « ولا يقعد أحدكم عن طلب الرزق، ويقول اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، وأن الله يرزق الناس بعضهم من بعض » .


*أعظم شرف لعمر بعد إسلامه*:

حياة عمر حافلة بما يشرفه ويعلي قدره على كثير من غيره من الصحابة، إلا أنه حظي بشرف لم يحظ به غيره، وقصة ذلك أنه استأذن النبيَّ صلى اللًٰه عليه وسلم في العمرة، فأذن له وقال : « يا أخي لا تنسنا من دعائك » ، فما زال عمر يذكرها مدى الحياة، ويقول : « ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه الشمس، لقوله - عليه الصلاة والسلام - يا أخي » .

حقًا . . إنها لمفخرة ليست فوقها مفخرة . . 

فهل هناك ما هو أعظم فخرًا واعتزازًا وشرفًا من أن يخاطب النبيُ صلى الله عليه وسلم أحدًا بـ : « يا أخي » .

وفي نفس الوقت . . إنها شهادة - لا تعادلها شهادة - بعظمة عمر ورفعة قدره في نظر النبي صلى اللّٰه عليه وسلم . وما أعظمه من قدر !


 *اعتناء عمر بالأدب والشعر*: 

كان عمر يتمتع بحس أدبي راق، وكان له شغف خاص بالشعر، يتذوقه، وينشده، ويتمثل به، يحث على تعلمه، وكان إذا أعجبه الشعرُ، كرره وتذوقه، روى محمد بن سلام عن بعض مشايخه : " كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يكاد يعرض له أمر، إلا أنشد فيه بيت شعر " ، قال الأصمعي : ما قطع عمر أمرًا إلا تمثل فيه ببيت من الشعر، و نحن نرجع إلى الشعر الذي تمثل به، فنراه في أحسن موقع وأصدق شاهد، ونلمح من قليل أخباره في خلوته أن الأدب كان جانبًا من جوانبه، التي ترق فيها حاشيته، ويأنس فيها إلى قلبه، ويرجع فيها إلى فطرته، وذكر صاحب : " الريحان والريعان " عن سعيد بن المسيب أنه قال : كان أبو بكر وعمر وعلي يجيدون الشعر، وعلي أشعر الثلاثة، قال : وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : « نعم ما تعلمته العرب الأبيات من الشعر، يقدمها الرجل أمام حاجته فيستنزل بها الكريم، ويستعطف بها اللئيم » . (٤) .

وفي العمدة للقيرواني : " كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : مُر من قبلك بتعلم الشعر، فإنه يدل على معالي الأخلاق، وصواب الرأي، ومعرفة الأسباب " . (٥) .

و - أيضًا - يروى أن عمر خرج مرة على المسلمين في مسجد رسول الله عليه وسلم، وقام فيهم مستفهمًا، فقال: أيكم يعرف هذا الحرف : { أو يأخذهم على تخوف، فإن ربكم لرءوف رحيم } [ النحل : ٤٧ ] ما التخوف ها هنا ؟ فأرَّم القوم، فقام شيخ من أخريات المسجد، وقال : أنا أعرف ذلك، " التخوف " ها هنا : التنقص، فقال له عمر : أو يعرف العرب ذلك ؟ فقال له : نعم ، يقول شاعرنا :


تخوّف الرٌحل منها تامكًا قرِدًا 

كما تخوّف عُود النّبعة  السَّفَنَ


( تخوّف ) : تنقص . ( التامل ) : السنام ، ( القَرِد ) : كثير الشَعَر. ( النبعة) : شجرة تتخذ منها السهام ، و( السَّفَن) : المبراة.

فقال أميرُ المؤمنين : « عليكم بأشعار العرب، فإن فيها معرفة كلام ربكم » أو قال نحو هذا.

معنى الشعر : يصفه بأنه من كثرة أسفاره على ناقته، تنقص رحلها من سنامها كما تنقٌصُ السهمَ المبراةُ . (٦) .

والحقيقة أن عمر كان من أعلم الناس بالشعر وأعرفهم بدقائقه وجزئياته ومذاهبه، يدل على ذلك ما يأتي :

لما أطلق عمر الحطيئةَ من حبسه إياه بسبب هجائه الزبرقان بن بدر، قال له :  إياك والهجاء المقذع، قال : وما المقذع يا أمير المؤمنين ؟ قال : المقذع أن تقول : هؤلاء أفضل من هؤلاء وأشرف، وتبني شعرًا على مدحٍ لقوم وذمٍّ لمن تعاديهم، فقال : أنت والله يا أمير المؤمنين أعلم مني بمذاهب الشعر، ولكن حباني هؤلاء فمدحتهم، وحرمني هؤلاء فذكرت حرمانهم، ولم أنل من أعراضهم شيئًا، وصرفت مدحي إلى من أراده، ورغبت به عمّن كرهه وزهد فيه " . (٧) .


*ثقافة عمر*: 

كان ذا حظ وافر من ثقافة عصره، وكانت له مشاركة وافية في سائر الفنون، فكان خطيبًا مصقعًا، وأديبًا متميزًا، وذا براعة في الفقه والقضاء، وشغف خاص بالتاريخ والشعر، إلى اعتنائه بالرياضة البدنية أعظم ما يكون الاعتناء، فكان يصارع في المواسم ويسابق على الخيل، وكان ينوط مجد العرب بالرياضة والفروسية ويكتب إلى الأمصار أن : « علموا أولادكم السباحة والفروسية وروٌوهم ما سار من المثل وحَسُن من الشعر » ، ويقول : « لن تخور قوى ما دام صاحبها ينزع وينزو » أي يرمي بالقوس ويركب ظهور الخيل بغير ركاب » .

وقال لابنه عبد الرحمن : « يا بني انسب نفسك، تصل رحمك، واحفظ محاسن الشعر، يحسن أدبك، فإن من لم يعرف نسبه لم يصل رحمه، و من لم يحفظ محاسن الشعر لم يؤد حقًّا، ولم يقترف أدبًا » .

بل كان يحث عامة الناس على العناية بالشعر قائلًا : « ارووا الأشعار، فإنها تدل على الأخلاق » .

أما تمَكُّنُ عمر من الفقه، فيكفي في ذلك قول عبدالله بن مسعود : « كان عمر أعلمنا بكتاب الله، وأفقهنا في دين الله » . 

وكان عمر يهتم بعلوم عصره كذلك، فقال : « تعلموا من النجوم ما يدلكم على سبيلكم في البر والبحر ولا تزيدوا عليه » .


*ماذا قال الصحابة وغيرهم عن عمر ؟*: 

- بكى علي رضي الله عنه يوم وفاته، فسئل في بكائه، فقال : « أبكي على موت عمر، إن موت عمر ثلمة في الإسلام، لا تُرتق إلى يوم القيامة » .

- وقال عبد الله بن مسعود  : « كان إسلامه فتحًا، وكانت هجرته نصرًا، وكانت إمارته رحمة للمسلمين جميعًا » .

- وقال معاوية يوازن بين الخلفاء : « أما أبو بكر فلم يرد الدنيا، ولم ترده، وأما عمر فأرادته الدنيا، ولم يردها، وأما نحن فتمرغنا فيها ظهرًا لبطن » .

- وقال عمرو بن العاص  : « لله در ابن حنتمة ! أي امرىءٍ كان ». 

- وصاحت أم أيمن مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم أصيب : « اليوم وهى الإسلام » .

نقل الحموي عن كتاب أبي حيان التوحيدي ( في تقريظ الجاحظ) قول الحراني، أنه كان يقول: ما أحسد هذه الأمة العربية إلا على ثلاث، فقيل له أحص لنا هؤلاء الثلاثة .

فقال : 

أولهم :  عمر بن الخطاب

والثاني: الحسن البصري 

الثالث : أبو عثمان الجاحظ..


       

* * *


*معلومات أخرى مهمة عن عمر بن الخطاب*: 

- هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى .

- عُرف بـ : " عمر الكبير " أيضًا .

- الولادة: ما بين عام ٥٨٦ و ٥٩٠م  تقريبًا، سنة ٤٠ ق . ھ ۔

- لقبه النبي صلى الله عليه وسلم بـ : " الفاروق " . 

- تولى الخلافة بعد وفاة أبي بكر الصديق في ٢٣ أغسطس ٦٣٤م، الموافق للثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ١٣ھ  .

- كان طويلًا بائن الطول يُرى ماشيًا  كأنه راكب، جسيمًا صلبًا يصرع الأقوياء .

- كان مصارعًا ماهرًا وفارسًا بارعًا .

- كما كان من بين القلائل من قريش الذين أتقنوا القراءة والكتابة .

- الوفاة ٧ نوفمبر ٦٤٤م الموافق ٢٦ ذو الحجة ٢٣ھ ۔

توفي نتيجة لعملية اغتيال غادرة أثيمة، حيث كان يؤم المسلمين في صلاة الفجر بالمسجد النبوي، إذ تعرض لطعنات قاتلة من قبل أبو لؤلؤ المجوسي ( فيروز) و هو عبد فارسي كان يحمل حقدًا شديدًا في صدره للإسلام والمسلمين .


*الهوامش :*

(١) السيرة النبوية لابن اسحاق .

(٢) عبقرية عمر للعقاد. تحت العنوان الجانبي : مفتاح شخصيته .

(٣) عبقرية عمر للعقاد .

(٤) أبو الحسن بن رشيق القيرواني( ٣٩٠ - ٤٦٣ھ ) : كتاب العمدة ( في نقد الشعر وتمحيصه ) ، ص : ١١ .

شرح : د عفيف نايف حاطوم.

الطبعة الثانية ١٤٢٧ھ ٢٠٠٦م، دار صادر، بيروت، لبنان .

(٥) أيضًا : ص : ٢٠ .

(٦) السيد عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف : العود الهندي عن أمالي في ديوان الكندي . الطبعة الأولى ، بيروت . ص : ١٤ ، وعلى الهامش أيضًا .

(٧) العمدة : ٤٤٨ .


( الأحد : ٥ من محرم ١٤٤٨ھ = ٢١ من يونيو  - حزيران - ٢٠٢٦م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده