محمد الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء (٢٥)

 على مائدة العلم والأدب

محمد الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم
المثل الأعلى للأدباء (٢٥)


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند


* * *


*نماذج من الخطب النبوية*


*النموذج الخامس*


        *الخطاب النبوي البليغ أمام القوات المسلحة*


«احموا لنا ظهورنا ، فإننا نخاف أن يجيئوا من ورائنا، والزموا مكانكم لا تبرحوه ، وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدفعوا عنا، وإنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنبل، فإن الخيل لا تقدم على النبل » . (١) .


*إصدار البيان الحاسم*:


هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم القائد الخطيب يصدر القرارات العسكرية الحاسمة والأوامر الجازمة أمام القوات المسلحة في قوة ونبرة القائد العصامي المثالي، وحنكته وإرادته القوية الثابتة ومعرفته للطبع البشري وخبرته بمبادئ الحرب، وشخصيته القوية النافذة، وتنظيمه لخطة القتال، فانتخب مواضع الرماة في « غزوة أحد » لحماية ظهور المسلمين، وخصص لهذه المواضع قوة كافية للدفع عنها بإمرة قائد مسؤول :

*« احموا لنا ظهورنا، فإننا نخاف أن يجيئوا من ورائنا، والزموا مكانكم لا تبرحوه، وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدفعوا عنا »* .

إن كل كلمة من هذه الكلمات موزونة بميزان دقيق من الضبط العسكرى الحاكم، وإصدار القرار الحربى الحازم، وتكوين الاعتماد على القرارات والتعليمات الصادرة من القيادة العامة والثقة بصلاحيتها وأصالتها،  ثم إن لهجة هذا البيان العسكرى الحكيم، وأسلوبه الصارم وإصداره بهذه القوة وهذا الاعتماد وهذه الإرادة، وكلماتُه النافذة لتدل على حنكته - صلى اللّٰه عليه وسلم - الحربية وصلاحيته المدهشة لقيادة الجيوش وعبقريته في هذا الميدان .

«وإنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنبل، فإن الخيل لا تقدم على النبل » .. هذه الكلمة القصيرة بذاتها كافية لتقدير مدى معرفة رسول الله بمبادئ الحرب ومكائدها ودسائسها، وأساليب القتال، وصد هجوم العدو وتجنب مكروهه. وثبت من ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم  لم يكن رجل المنبر والمحراب فحسب، و لم تكن خطاباته تشتمل على الوعظ والإرشاد فقط، وإنما كان - إلى جانب ذلك - قائد القوات المسلحة يصدر الأوامر الجازمة، ويوجه إليها الخطاب الحاسم الذي ينشئ فيها روح الامتثال للأوامر، والاعتماد على القرارات التي تصدرها قيادة الجيش، ويعلمها طريقة صد الهجمات، ووقاية المقاتلين من مباغتة العدو، ويرسم الخطط الحاسمة والتدابير النافذة للقضاء على العدو، النافعة للقوات المتحاربة المؤمنة .

هذا هو الخطاب النبوي العسكري الحكيم الذي يستوفى جميع خصائص القرارات الحربية من الإرادة والحزم والعزم، وإحكام التدابير والصرامة والجد والاعتماد، وما إلى ذلك من الشروط والأمور التي لا بد منها لمثل هذا الخطاب .


*الهوامش*:

(١) محمود شيت خطاب : الرسول القائد: ١٧٦، وراجعوا صحيح البخاري، باب غزوة أحد من كتاب المغازي .


( الجمعة : ١١ من ذي الحجة ١٤٤٧ = ٢٩ من مايو - أيار - ٢٠٢٦م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده