معالم في طريق الطامحين : (١٠)

 على مائدة العلم والأدب

معالم في طريق الطامحين : (١٠)


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند


*(١٦) أكثر من الاطلاع والقراءة:*


ما مر في هذه الدنيا بنو زمن

إلا  وعندي  من أنبائهم طرف


قال علي رضي الله عنه : " كل شيء يعزّ إذا نزر، ما خلا العلم، فإنه يعز إذا غزر " .

الإكثار من المطالعة، والاعتناء بغزارة المادة العلمية وتوسيع الثقافة وتعميق الفكر، ومحاولة إدراك مقاصد الأمور واكتشاف حقائق الأشياء من الاشياء المهمة لطالب النبوغ، يقول ابن الجوزي -  وهو يحث على الإكثار من المعرفة والتنوع في المطالعة - : " للفقيه أن يطالع من كل فن طرفًا من تاريخ وحديث ولغة وغير ذلك، فإن الفقه يحتاج إلى جميع العلوم، فليأخذ من كل شيء منها مهمًّا، ولقد رأيت بعض الفقهاء يقول : اجتمع الشبلى وشريك القاضي، فاستعجبت له كيف لا يدري بُعد ما بينهما، فينبغي لكل ذي علم أن يلم بباقى العلوم، فيطالع منها طرفًا، إن لكل علم بعلم تعلق " . (١)


فالقراءة هي الباب الأول للعلم والمعرفة، ولذلك كانت أول كلمة نزلت من القرآن المجيد كلمة : *{اقرأ}* ، ولقد كان الأسلاف الأماجد يسامرون الكتب القيمة ليلًا ونهارًا، فتشغلهم عن طعامهم وشرابهم، وتستغرق أغلب أعمارهم، وتنسيهم كل لهو ولذة، وتسيطر عليهم حتى في سكرة الموت وساعة الرحيل، فقد قيل للإمام الخوارزمي عند موته : ما تشتهي ؟ فأجاب : «  النظر في حواشي الكتب . . ».  وينسب إلى الفارابي قوله الآتي الذي يدل على مدى حرصه على القراءة :

*« ليت لي بعدد حجارة بلخ كتبًا، ولي عمر كعمر نوح، وأجعل أيامي كلها قراءة »* .


وكانوا يحسنون اختيار ما يقرؤون حتى يستفيدوا نفعًا في أخلاقهم أو معارفهم أو تجاربهم في الحياة، وكان القرآن هو الكتاب الأول الذي يحتل الصدارة عند المطالعة، ففيه الملة والأخلاق والأدب والتاريخ، وفيه التذكرة العازلة عن رحاب الشر وأمكنة الفساد، ولذلك قال الله تعالى : { وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا }  [الإسراء : ٤٥] وقال : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ } [النحل : ١٩٨ ] ، ووصف الذين لا يتدبرون القرآن بموت القلوب وانغلاقها فقال : { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب  أَقْفَالُهَا } . [محمد : ٢٤] .

وكذلك حرص الأوائل على حسن الاختيار فيما يقرؤون من صحف وكتب، لأنهم سمعوا ربهم يحذرهم من سوء استعمال الأعضاء في غير ما شرعت له من حق وصدق، فيقول : { إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً } ، [الإسراء : ٣٦) ولأنهم رأوا ربهم حينما أمر بالقراءة في قوله : " اقرأ " قد قرن هذا الأمر بما يُذكّر القارئ بربه الذي أبدعه وصوره، والذي أنشأه من دم غليظ متجمد، وبما يذكره بكرم ربه الوافي الذي يجب أن يقابل بحسن الاستعمال وجميل الشكر، وبأنه أنعم عليه بنعمة القلم الكبرى ليعلمه من أسراره وأخباره ما لم يكن يعلم، فقال في أسلوب كله تمجيد للقراءة السامية الطاهرة : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلْمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } ، [العلق : ١ - ٥].

ومن هنا .. استجاب الأوائل لهذا التوجيه الإلهي الحميد، فجعلوا المطالعة لونًا من ألوان العبادة، تعرفهم بربهم وتقربهم من رضوانه وتزيدهم إيمانًا بجلاله وسلطانه . (٢)

أتى الحافظ ابن كثير أبي حاتم مؤلف كتاب "علل الحديث " إلى القاهرة ليتم تعليمه فمكث في مصر سبعة أشهر، لم يجد هو وأصحابه من  الوقت ما يجهزون به لطعامهم مرقًا وكانوا يطوفون بالنهار على شيوخهم يتلقون العلم منهم، وفي الليل ينسخون ويقابلون .

والفيلسوف ابن سينا لم ينم طيلة اشتغاله بالعلم ليلة كاملة، ولم يشتغل أثناء النهار بسوى المطالعة، والفيلسوف ابن رشد لم يدع القراءة والكتابة منذ بلغ الحلم إلا ليلة وفاة أبيه.

وأختم هذا المبحث - مبحث القراءة والتأمل - بما اعتبره عباس محمود العقاد أنفع قراءة . . يقول : " هذه الندرة في الكتب التي تيسرت لي أيام التلمذة وما بعدها علمتني دستورًا للمطالعة أدين به إلى الآن وخلاصته : أن كتابًا تقرأه ثلاث مرات أنفع من ثلاثة كتب تقرأ كلا منها مرة واحدة  " . (٣) .


*الهوامش :* 

(١) صيد الخاطر : ١٣٨ .

(٢) بتعديل من الموسوعة الشرباصية ٣/ ٤٦٥ .

(٣) أنا: ٥١ .


( الاثنين : ٧ من ذي الحجة ١٤٤٧ھ = ٢٥ من مايو - أيار - ٢٠٢٥م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده