جائزة الإنجاز مدى الحياة
من وحي الأيام
جائزة الإنجاز مدى الحياة
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
شهدتُ أمس/ الأربعاء : ٢ من ذي الحجة ١٤٤٧ھ = ٢٠ من مايو ٢٠٢٦م، مناسبة تاريخية من أعظم المناسبات جمالًا وجلالًا، وسعادة وشرفًا لي، من عمري الذي قد تجاوز العقد السادس من حياتي ..
حقًا . . إنها كانت مناسبة مهيبة جليلة عظيمة .. مناسبة كانت تزهى هي نفسُها بنفسها وتفتخر على شقيقاتها ..
مناسبة أعطيت فيها العظمةُ حقها في زمن تنكَر فيه الحقوق .. حقوق العظماء والنوابغ والعباقرة من الإنصاف والاعتراف بفضلهم ونبوغهم وعظمتهم ..
وهذه الآفة - آفة عدم الاعتراف بالفضل لأهله - حطة تهبط بالأمة - أيّ أمة - إلى الحضيض، فعدم التقدير للكفاءات والصلاحيات والمواهب المتميزة يؤدي إلى الانحطاط والضعف في الهمم، والفتور في العزائم، والخمود في الملكات، فالزرع لا ينمو بل يذبل ويجف بل يتلاشى إذا لم يتعهد بالسقي والري ..
هكذا الصلاحيات والملكات تخمد، وتصاب بالكسوف، إذا لم تجد من الرعاية والعناية، والتشجيع والتقدير، ما تستأهله وتستحقه ..
على أن الاعتراف بالفضل في حد ذاته، خلة تدل على نبل ومروءة وكرم صاحب الاعتراف بالفضل ( ولا يعترف بالفضل لأهله إلا ذووه) ، وتنطق برحابة صدر حاملها واتساع أفقه، وصفاء ذهنه، وشرف منبته .
عفوًا ومعذرة . . لقد طال التمهيد .. ولْأدخلِ الآن الموضوع بدون تأخير .. فالمناسبة كانت تتمثل في تكريم مربي الأجيال بركة الندوة وعميد الأسرة الندوية العالمية سعادة الأستاذ الدكتور سعيد الرحمان الأعظمي الندوي مد الله في عمره بصحة وعافية، حيث منحته جامعة الهداية - في : جيبور، الهند - : « جائزة الإنجاز مدى الحياة »( Life Time Achievement Award )، وقد تشرف بتقديم الجائزة إلى سعادة الأستاذ الأعظمي، فضيلةُ رئيس الجامعة الشيخ محمد فضل الرحيم المجددي الندوي حفظه الله تعالى .
والحقيقة أننا - نحن الآلاف من تلاميذ الأستاذ الأعظمي - جد مغتبطين ومعتزين بتكريم أستاذنا الجليل الشيخ الأعظمي، وكل واحد يشعر كأن تكريم أستاذنا تكريم لنا جميعًا نحن التلامذة لسعادته، فنتقدم بجزيل شكرنا لفضيلة الشيخ المجددي على اختياره لأستاذنا الجليل لهذه الجائزة الجليلة ..
فلنعم الاختيار هذا الاختيار .. فلا شك أنه اختيار موفق حكيم جدير بالإشادة والتقدير والتقليد ..
فالشخصية التي اختيرت لـ : « جائزة الإنجاز » هذه، شخصية سخرت حياتها كلها للنفع والإفادة، والتعليم والتربية، وخدمة الدين والأدب، وإذا قلنا : إن صاحبها لم يضع أي لحظة من لحظات حياته، ما تزيدنا في قولنا، فتلامذته والمطلعون على روتينه اليومي يعرفون كيف ظل حريصًا على الالتزام بمواعيده وأداء مسؤلياته بدقة ودون ملل أو كسل أو تخَلُّفٍ ولو دقيقة واحدة، فكان يقال - وصحيح ما يقال - أن الساعات تضبط بمجيئه و ذهابه، فالساعة قد تتأخر أو تتقدم، ولكن مواعيد أستاذنا الجليل الشيخ الأعظمي والتزاماته لا تتقدم ولا تتأخر، كلُّها في حينها بالضبط . . دونما تأخير أو تسويف أو تقديم ..
فالمواظبة على الصلوات مع الجماعة، وعلى الحضور في الفصول الدراسية، وعلى إصدار : " البعث الإسلامي " كل شهر بانتظام - منذ أن بدأ صدورها قبل أكثر من سبعين سنة - وختمُ القرآن الكريم في ثلاثة أيام، أو في أقل منها .. وغير ذلك يكفي تقديرًا لمعرفة عظمة شخصية أستاذنا الجليل الذي جند كل حياته لكل نافع مفيد كرجل مؤمن يشعر بقيمة وقته وأهميته .
الحقيقة أن حياة أستاذنا الجليل الشيخ الأعظمي أسوة لنا جميعًا .. فلنأتس بها إذا أردنا أن تكون حياتنا - أيضًا - ناجحة نجاح أستاذنا، فالدرس الأول من حياته، هو تقدير قيمة الوقت، والاستفادة منه بقدر الإمكان، فالعارف بقيمة الوقت هو الناجح في الحياة .
فلقد أحسن فضيلة الشيخ محمد فضل الرحيم المجددي، بمنحه هذه الجائزة لفضيلة أستاذنا، على أن هذا التكريم تكريم للجائزة نفسها وللجهة المانحة لها، قبل أن تكون تكريمًا للمعطٰى له ..
وهذا لا يعني أبدًا أننا نقلل من أهمية الجائزة أو نستهين بقيمتها المعنوية، فالجائزة في نفسها، والتشجيع في حد ذاته - وبغض النظر عن كونه من روح الإسلام وخصائص الطبائع الكريمة - ضرورة من ضرورات المجتمع والمدنية، لأن التشجيع يثمر ثمارًا طيبة، ويؤدي إلى المزيد من العطاء وتفَتُّح القرائح والكشف عن المواهب، وتشييد المآثر وصنع المفاخر، بينما التثبيط أو تجاهل القدرات، وعدم تقدير الكفاءات يؤدي إلى انهيار العزائم، وفتور الهمم بل وموتها في بعض الأحيان، والقضاء على روح الإقدام والتقدم إلى الأمام .
ولنا في رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم أسوة حسنة في تأكيده على تقدير منازل الناس ومراتبهم .
فلننظر كيف كان يكرّم صلى الله عليه وسلم أصحاب العلم والفضل والفطنة، ويُقرّبُهم في الصلاة وغيرها، فيقول : « ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم » رواه مسلم .
فليس هذا التأكيد على تقريب هؤلاء الفطناء البصراء بالدين، الخبراء بالقضايا، الراسخين في العلم، إلا اعترافًا بفضلهم على غيرهم، وتقديرًا لمكانتهم، وحثًّا للآخرين على أن يحذوا حذوهم، فيقرُبوا قربهم، ويحظوا بمثل شرفهم من هذا التقريب والتشريف، فبهذا الاعتراف بالفضل لأهله، وبهذا الإنصاف - الذي هو مبدأ من مبادىء الإسلام الجليلة - ، وبهذا التقدير والتشجيع يكون التنافس على الخير، والتسابق في مجال البر، ومن هنا . . نرى رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم أثنى على صحابته بما هم أهله، فوصف أبا بكر بأنه الصديق، وعمر بأنه الفاروق، وعثمان بأنه ذو النورين، وعليًّا بأنه باب مدينة العلم، وأبا عبيدة بأنه أمين هذه الأمة، ومعاذ بن جبل بأنه : « أعلم أمتي بالحلال والحرام » . وغيرهم بما وصفهم ما وصفهم، فحينما وصفهم بذلك فكأنه كان يمنحهم جوائز التكريم والتقدير ...
فزميلنا الكريم فضيلة الشيخ المجددي حينما كرّم أستاذه وأستاذنا الشيخ الأعظمي، فلم يأت ببدعة، ولا أتى أمرًا عجبًا، بل استن بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسار على طريقته في التكريم والتقدير والتشجيع، فهو يستحق منا التهنئة والإشادة بهذه الخطوة المشرفة .
هذا . ومن أبرز من حضر المناسبة فضيلة رئيس ندوة العلماء الشيخ بلال عبد الحي الحسني الندوي، وفضيلة الشيخ خالد سيف الله الرحماني رئيس هيئة قانون الأحوال الشخصية الإسلامية لعموم الهند، وفضيلة الشيخ نور الحسن الكاندهلوي ( المحقق المعروف) والشيخ عمار الحسني الندوي أمين عام ندوة العلماء، وكلهم أشادوا بهذا الاختيار، وشكروا الشيخ المجددي على صنيعه هذا، مقدرين لإنجازات الشيخ الأعظمي ودوره في صنع الرجال، وداعين الله سيحانه أن يبارك في حياته بصحة وعافية .
كما حضر المناسبة صفوة من أساتذة ندوة العلماء وأعيان لكناؤ .
كما شارك في حفل التكريم ضيوف ملتقى : " تفهيم الشريعة" الذي نظمته ندوة العلماء - بإشراف فضيلة رئيس ندوة العلماء - ، وختم فعالياته في : ٢ من ذي الحجة ١٤٤٧ھ ۔
والحمد لله أولًا وآخرًا .
( الخميس : ٣ من ذي الحجة ١٤٤٧ھ = ٢٠ من مايو - أيار - ٢٠٢٦م )

تعليقات
إرسال تعليق