الخليفة الراشد الأول سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه
شخصيات أعجبتني : (٤٣)
الخليفة الراشد الأول
سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
*أبرز شخصية في الإسلام*:
أول المستجيبين لدعوة محمد - صلى اللًٰه عليه وسلم - من غير أهله، والشخصية الأبرز في تاريخ الإسلام بعد الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم، والخليفة الأول لرسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم، وصاحبه الأمين الأوفى، ورفيقه في الهجرة « ثاني اثنين إذ هما في الغار » ، ذو أجَلّ التضحيات - التي تجل عن الوصف - للإسلام ورسوله، تلك التضحيات التي أشاد بها لسان النبوة المبارك نفسه قائلًا : « ما لأحدعندنا يد إلا وقد كافيناه بها، ما خلا أبي بكر، فإن له يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة »
. رواه مسلم .
*بعض أسمائه*:
عُرف بعدة أسماء أو ألقاب في الجاهلية والإسلام، منها : « العتيق » لجمال وجهه، من العتاقة، وهي الجودة في كل شيء، وقيل : بل من العتق، لأن أمه لم يكن يعيش لها ولد، فاستقبلت به الكعبةَ، وقالت : اللهم إن هذا عتيقك من النار، فهبه لي، فعاش فعرف باسم العتيق .
وسُمّي في الإسلام بالصديق، لأنه صدّق النبيَّ صلى اللًٰه عليه وسلم في حديث الإسراء والمعراج، وبالعتيق، لأنه - صلى اللًٰه عليه وسلم - بشره بالعتق من النار .
*أفضل البشر*:
أعظم إنسان .. وأفضل البشر بعد الأنبياء بدون خلاف ولا نزاع، ولا شك ولا شبهة .. فمن خالف في ذلك أو شكّ، فلا جرم أنه ليس منا . . !
ليس أعظم رمز .. بل الحقيقة المُجَسٌّدَة الكبرى للصدق والولاء، والحب والوفاء، والتضحية بالنفس والأنفَس في سبيل الدين والعقيدة ..
فلو كانت لجميع هذه المعاني - الآنفة الذكر - صورة، لكان أبو بكر تلك الصورة !
ولو وضعت جميع هذه المعاني والصفات لأبي بكر الصديق- في كفة، وأمثالها لجميع البشر ما عدا الأنبياء - في كفة، لرجحت كفة أبي بكر دونما شك .
ولم تر عين الزمان من سمو الحب وصفاء المودة وعظم الإخلاص بين صفيين كما رأت بين الصفيين الصديق والنبي، أو قل : لم تر عين الزمان قط صفيين أعظم ولا أحب ولا أخلص من الصفيين الصديق والنبي، أو قل : إن الصفيين الصديق و النبي كانا المثل الأعلى للحب والصفاء، والإخلاص والوفاء، لم ولن يشهد الزمان نظيرهما ما قامت السماء والأرض .
« لو كنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا » . رواه البخاري ومسلم .
« لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر » . متفق عليه .
*كان أبو بكر أكثر الناس حبًّا للرسول*:
لقد سطّر أبو بكر رضي الله عنه أسمى صور الحب بأشكال مختلفة، وضرب أروع الأمثلة في البذل والتضحية حين قدم ماله كله لله ورسوله صلى اللّٰه عليه وسلم، وهو أول من صدقه وآمن به، فقد روى ابن اسحاق: أن رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم قال: « ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما عكم - تباطأ - حين دعوته، ولا تردد فيه » .
*فضله وأخلاقه* :
كان في جاهليته وإسلامه معروفًا بالجد والرزانة والوقار، غيورًا على مروءته وعرضه، حريصًا على تجنب كل ما يخل بالرزانة والوقار، فلم يشرب الخمر قط، لأنها لا تتلاءم مع المروءة والوقار، وسئل : لم كان يتجنبها في الجاهلية، فقال : « كنت أصون عرضي وأحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر، كان مُضيَّعًا في عقله ومروءته » .
سبّاقّا إلى الخير، يقول عمر رضي الله عنه : « ما سبقت أبا بكر إلى خير قط، إلا سبقني إليه » .
ويقول عليّ كرم الله وجهه : « هو السباق، والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير قط، إلا سبقنا إليه أبو بكر » .
مطبوعًا على التواضع، ولين الجانب في غير ضعف، وكان إذا مدحه مادح قال : اللهم أنت أعلم بي من كل إنسان، وكان يكره الخيلاء سواء في نفسه أو في أقرب الناس إليه، ولقد رأى مرة ابنته عائشة - رضي الله عنها - وهي تحس بنوع من الفخر والخيلاء، فقال لها : إن الله لا ينظر إليك الآن، لأن العبد إذا دخلته الكبرباء أعرض عنه ربه، فخجلت عائشة مما فعلت، واستغغرت ربها، وعادت بسرعة إلى التواضع، فقال لها : لعل ذلك يكفر عنك ما وقعت فيه .
*صلابته في الدين*:
رغم ما عُرف - رضي الله عنه - به من اللين والحلم والرقة .. ولكن إذا كان الأمر يمس الدين، انقلب لينه شدة، ورقته عنفًا، وعاد أسدًا هصورًا لا يخاف ولا يضعف، ولا يقبل مساومة ولا مهادنة في الحق، فحينما انتشرت الردة، وامتنعت القبائل عن دفع الزكاة، و كادت الدولة الإسلامية أن تسقط، فرفض الركون أو الضعف، وقال قولته الشهيرة :*« أ ينقص الدين وأنا حي »* . . التي تعتبر رمزًا للصمود وعلو الهمة والثبات على الحق، وتحمل المسؤولية الفردية في حماية الدين وشريعته .
وقد أحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما قال في تأبين أبي بكر الصديق رضي الله عنه :
" كنتَ كالجبل الذي لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف، كنتَ ضعيفًا في بدنك، قويًّا في أمر الله، متواضعًا في نفسك، عظيمًا عند الله، جليلًا في الأرض، كبيرًا في السماء، ولم يكن لأحد عندك مطمع، ولا لأحد هوادة، فالقوي عندك ضعيف حتى تأخذ الحق له، فلا حرمنا الله أجرك، ولا أضلنا بعدك » . (١) .
هنا أجدني مدفوعًا إلى إيراد ما قاله عباس محمود العقاد في وصف الفرق الدقيق بين أبي بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما، فقد أعجبني هذا الوصف كل الإعجاب، وكان العقاد موفقًا - عندي - كل التوفيق في بيان نوعية الفرق بين هاتين الشخصيتين العظيمتين من تاريخ الإسلام، يقول العقاد :
« أبو بكر كان يعجب بمحمد النبي صلى اللّٰه عليه وسلم .
وعمر كان يعجب بالنبي محمد صلى اللًٰه عليه وسلم » .
ويزيد العقاد قوله هذا إيضاحًا، فيقول :
« إن حب أبي بكر لشخص محمد صلى اللًٰه عليه وسلم هوالذي هداه إلى الإيمان به، وتصديق وحيه .
وإن اقتناع عمر بنبوة محمد صلى اللّٰه عليه وسلم هو الذي هداه إلى حبه والولاء له والحرص على سنته، وعلى رضاه » . (٢) .
كما كتب العقاد مثل قوله هذا، في مكان آخر من عبقرياته، فقال :
أبو بكر أحب فآمن ..
عمر آمن فأحب ..
والمطلع على سيرة الشيخين الجليلين بدقة وعمق، لا يسعه إلا أن يؤمن بروعة هذا الوصف المبيّن للفرق بينهما ..
*نبذة من أقواله*:
كان يزن كلامه قبل أن ينطق به، فكان قوله نزرًا دقيقًا حكيمًا، وكان حريصًا على أن يكون كلامه موجزًا لا يفضل عن الحاجة، وبه كان يوصي عماله وولاته خاصة :
- قال لخالد بن الوليد : « أقل من الكلام، فإنما لك ما وعي منك » .
- وقال ليزيد بن أبي سفيان : « إذا وعظتهم فأوجز، فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا » .
- وكان يقول : « إن البلاء موكل بالمنطق » ،
- وقال : « احرص على الموت، توهب لك الحياة » .
- وقال : « أصدق الصدق الأمانة، وأكذب الكذب الخيانة » .
- وقال : « خير الخصلتين، أبغضهما إليك » .
- و قال : « الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله » .
- و قال : « ليست مع العزاء مصيبة » .
*بعض أعماله الجليلة*:
- بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كان هو من حافظ على وحدة المسلمين .
- لقد وَضَع الأساسَ الإسلامي على أساس الكتاب والسنة .
- جمع القرآن في كتاب واحد .
- قام بإنشاء الخزانة العامة ( بيت المال ) التي تم استغلال أموالها بشكل صحيح .
- أول من أنشأ مجلس المستشارين لاستشارتهم .
- قام بتعيين الموظفين العموميين على أساس الجدارة والكفاية، وأصدر لهم تعليماته الحاسمة بالالتزام الصارم بالقانون .
- لم تجرؤ الإمبراطوريتان الفارسية والبيزنطية على فعل أي شيء خلال فترة خلافته .
* * *
*معلومات شتى مهمة عن أبي بكر الصديق*:
- هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد التيمي القرشي .
- معنى أبو بكر : هو اسم علم عربي، يعني " أبو الجمل الصغير" ، وهو اسم شائع الاستخدام بين المسلمين السنة .
- أمه أم الخيرسلمى بنت صخر بن عامر
- الولادة 50 ق ھ - 573م
- الوفاة : الاثنين : ٢٢ جمادى الآخرة 13ھ - 22 أغسطس 634م .
- تولى الخلافة 11 - 13ھ = 632 - 634م
- اشتهر في الجاهلية بصفات عدة، منها العلم بالأنساب، وقدروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :« إن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها » ، وكان تاجرًا، وقد ارتحل للتجارة بين البلدان.
*صفته*: ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن رجلًا قال لها: صفي لنا أبا بكر، فقالت : كان رجلًا أبيض، نحيفًا، خفيف العارضين، أجنأ، معروق الوجه، غائر العينين ، ناتىء الجبهة، عاري الأشاجع ( أي أن مفاصل أصابعه واضحة لقلة اللحم عليها ) . (٣)
رضي الله عنه وأرضاه، وجزاه عن الأمة كلها ما يستحقه من الخير والأجر والثواب لقاء ما قدمه لنبيه والإسلام والمسلمين من التضحيات التي لا تخفى عن أحد .
*الهوامش*:
(١) مجموعة العبقريات الإسلامية لعباس محمود العقاد : عبقرية الصديق، ص : ١٤١، الطبعة الأولى : ١٤٢٧ھ - ٢٠١٦م ، مكتبة الصفاة، القاهرة .
(٢) أيضًا : ٦٥ .
(٣) طبقات ابن سعد ٣/ ١٨٨ .
( الأربعاء : ٢ من ذي الحجة ١٤٤٧ھ = ٢٠ من مايو - أيار - ٢٠٢٦م ) .
تعليقات
إرسال تعليق