محمد الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء (٢٣)

على مائدة العلم والأدب

محمد الرسول صلى الله عليه وسلم
المثل الأعلى للأدباء (٢٣)


الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم خطيبًا (٢)


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


*نماذج من الخطب النبوية*


* * * 

                

( *النموذج الأول* )


خطبته - صلى الله عليه وسلم -  بمناسبة

 الكسوف، وإعجازها في إيجازها :


من حديث الكسوف الذي روته عائشة - رضي الله عنها ـ قالت : ثم قام فخطب فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال :

« إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموها فافزعوا للصلاة » . رواه مسلم .


*أدب الدفاع عن الحق في شكل لا نظير له*:


هل تستطيع الإنسانية كلها - على امتدادها الغارق في القــــدم ـــ أن تقدم رجلًا واحدًا دافع عن الحق، وضرب على الخرافات والأوهام، واقتلعها من أساسها، وقال كلمة الحق في مثل هذا الوقت الدقيق الذي تزل فيه أقــدام الرجال الذين قالوا كلمة الحق طول حياتهم، و في مثل هذه المناسبة العاطفية التي تغرى الإنسان بما لا ينبغى له، وتحمله على التغاضي عما يجرى حوله مثله . . ؟

وهل يستطيع ذو اطلاع واسع كبير ودراسة عميقة بتاريخ الآداب والخطابات - على غناها واختلاف لغاتها - أن يقدم ولو خطبة واحدة كهذه الخطبة . . في بلاغتها وإعجازها وإيجازها واتساع معناها وعمقها . . ؟

وهل يستطيع بليغ أو أديب من الأدباء، أو أمير من أمراء البيان أن يأتي بأقل من هذه الخطبة كلماتٍ، ثم يدعي أنه أعطاها حقها من البلاغة والبيان، أو يستطيع أن يؤدي هذه المعاني الكثيرة في كلماتٍ تساوي - في العدد - كلمات الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم . . ؟

وهل يستطيع أن يزيد كلمات على كلمات الخطبة، ثم يزعم بأنه زاد المعنى أيما زيادة . . ؟


كلا . . إنها بلاغة ليست فوقها بلاغة على وجه الأرض، وقمة من البيان لا يستطيع أي شخص من أشخاص البشر أن يتصور الوصول إلى أي مستوى منها .

إنه إيجاز من أعطي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارًا .

وصلى الله وسلم على نبي الهدى والرحمة والبيان إلى يوم الدين.


* * * 


  *(النموذج الثاني )*


  نموذج من الخطب التي ألقاها النبي وهو غضبان :


« إن رسول الله الله استعمل عاملًا، فجاءه العامل حين فرغ من عمله، فقال يا رسول الله ! هذا لكم وهذا أهدي لي، فقال له: أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فنظرت أيهدى لك أم لا، ثم قام رسول الله ﷺ عشية بعد الصلاة، فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال : أما بعد : فما بال العامل نستعمله فيأتينا، فيقول :  هذا من عملكم وهذا أهدى لي، أفلا قعد في بيت أبيه وأمــــه فنظر هل يهدى له أم لا . . ؟! فو الذي نفس محمد بيده لا يغل أحدكم منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه إن كان بعيرًا جاء به له رغـــــاء، وإن كانت بقرة جاء بها له خوار، وإن كانت شاة جاء بها تيعر، فقـــــد بلغت ! » ، رواه البخاري .


*الخطاب النبوي في حالة الغضب*:


إن هذه الخطبة - كما يبدو من أسلوبها القارع الشديد ولهجتها الغاضبة، ومضمونها الصارم  الذي احتوته - ألقاها النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أشد حالة الغضب والعاطفة الشديدة، ولكن هذا الغضب الشديد وهذه الحالة العاطفية البينة هل خرجت بمحمد كما تخرج بالكثير من البشر بل عامتهم عن حدود الحشمة واللياقة والمراعاة للآداب والحدود الإنسانية الفاضلة . .

 كلا . . إنه النبي المعصوم الذي يحيط به فضل الله في كل حين، ويحفظه حتى من ظــــل هذه الأمور التي لا ينبغي التلوث بها لرجل عف فاضل كريم، فضلًا عن النبي الذي لم يبعث إلا لتعليم الأخلاق والدعوة إلى التمسك بخصال الفطرة . . فضلًا عن محمد الذي قال : « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » ، فلا نسمع منه حتى في مثل هذه الساعة العصبية الشديدة الغاضبة المغضبة، كما نسمع من غيره كلمة تشمئز من سماعها الآذان، أو لا تسمح بها شريعة الآداب والفطرة السليمة، أو جملة تنال من أحد في عرضه وكرامته، ومعاذ الله لا يتصور ذلك من النبي الذي يكون على قمة من الأخلاق !

إنه أسلوب رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم  الغضبى البرىء العفيف الطاهر من كل ما يعاب به الرجل في مثل هذه الحالة من كلمة نابية، أو فحش في القول، أو التجاوز عن مكارم الأخلاق وفضائلها . 

إنه هو هو -  صلى اللّٰه عليه وسلم - سواء فى غضبه أو هدوئه، وحزنه أو فرحه - في كل حالة على قمة من السمو الأخلاقي والبياني .

       

* * * 


    (*النموذج الثالث*)


    تأثر أسلوب الخطب النبوية بأسلوب القرآن الكريم في الشكل والمضمون : 


« أيها الناس ! إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، وإن العبد المؤمن بين مخافتين، بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار » . (١)


*الخطاب العام*:


كانت بداية أكثر الخطب النبوية - على صاحبها الصلاة والسلام - عامة موجهة إلى البشرية جمعاء مثل القرآن الكريم الذي كثيرًا ما يخاطب الناس بنداء عام مثل قوله تعالى : [ يا أيها الناس ] ،  وقد بدأت هذه الخطبة النبوية . أيضا ـ بكلمة : [ أيها الناس ]  كغيرها من الخطب الأخرى، وكذلك مضمون هذه الخطبة متأثر بالقرآن الكريم، فالرسول يعظ المسلمين والناس أجمعين ويلفت أنظارهم إلى حقيقة كبرى، وهي حقيقة الموت، وما بعد الموت من نعيم أو شقاء: [ الجنة ]  التي ورد ذكرها في القرآن الكريم مرات وكرات، ووعد الله بها المؤمنين الصالحين، أو : [ النار ] التي أطنب القرآن الكريم فى ذكرها وفي بيان عذابها لمن اتبع هواه ولم يؤمن بما أنزل الله !


هكذا كان رسول الله ﷺ يستوحي في أحاديثه وفي خطاباتـــــه مـــن القرآن الكريم في أسلوبه المنفرد الذي لا نظير له، وفي مضامينه الشريفة الـــــي كانت نورًا وبصائر وعبرًا للمتقين .


*الهوامش*:

(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل (١٩٠) والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٥٨١) باختلاف يسير .


( الأحد : ٢٩ من ذي القعدة ١٤٤٧ھ = ١٧ من مايو ٢٠٢٦م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سلام على صاحب التضحية الكبرى

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

كان الوستانوي أمة وحده