أحاديث شتى إلى الإخوة الطلاب بمناسبة العام الدراسي الجديد,,,,الحلقة (١)
على مائدة العلم والأدب
أحاديث شتى إلى الإخوة الطلاب
بمناسبة العام الدراسي الجديد
الحلقة (١)
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
العلم ميراث النبي كذا أتى
في النص والعلماء هم وراثه
ما خلّف المختار غير حديثه
فينا فذاك متاعه وأثاثه
يطلق في شبه القارة الهندية على طلاب العلوم الدينية - خاصة على الذين يهجرون منهم بيوتهم وراحتها، وعطف الأبوين وحنانهم، ويؤثرون الإقامة في المدارس لكي ينقطعوا كليًّا إلى الدراسة - يطلق عليهم اسم : "ضيوف الرسول صلى الله عليه وسلم " .
وما أروعه وأحلاه وأجله من اسم، وأكرم به من لقب، لُقِّب به طلاب العلوم القرآنية والحديثية عن جدارة وحق، فهم - بلا شك - يشبهون نزلاء: " الصفة المباركة " - مدرسة الإسلام الأولى - الذين كانوا ضيوفًا على رسول الله صلى الله عليه سلم، والذين كانوا لا يهمهم إلا طلب العلم، وتلقي الكتاب والسنة، ومعرفة الأحكام، و تعلم الدين من أعظم وأفضل معلم سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
فإن طلاب العلم هؤلاء . . ينتمون إلى رواد "الصفة" الأكرمين، حاملي مشاعل العلم والدين، السابقين الأولين، ويصل نسبهم إلى نسب أصحاب "الصفة" الغر الميامين الملازمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل آن وحين.
فليراع الطلاب الكرام شرف الانتماء، وليقدروا حرمة وأصالة هذا النسب حق قدرها، ولْيحمدوا الله تعالى على أنه اختارهم - من بين ملايين الملايين - لإحراز هذا الشرف، شرف : "طلب العلم " الذي دونه سائر أنواع الشرف، فليس في الوجود شيء أشرف من العلم، لأنه هو الدليل . . فإذا عدم وقع الضلال . . ! وبزيادته صار آدم مسجودًا له، وبنقصانه صارت الملائكة ساجدة . . !!
من هنا . . أحاط الله العلماء بالتكريم والتمجيد، ورفعهم مكانًا عليًّا، لا يسعى إليه على قدم، ولا يطار له على جناح إلا بوساطة العلم .
يقول الحسن البصري رحمه الله : "يوزن مداد العلماء بدماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء " .
وقد أعجبني ما قاله أديب الإسلام والعربية، الغيور على عرضهما، والمدافع الأكبر - في البلدان العربية في العصر الأخير - عن القرآن الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله فإنه - قول الرافعي - يعطى صورة كاملة عن مكانة العلماء و دورهم الحقيقي ومهامهم الخطيرة، يقول :
" وما معنى العلماء بالشرع إلا أنهم امتداد لعمل النبوة في الناس دهرًا، ينطقون بكلمتها، ويقومون بحجتها، ويأخذون من أخلاقها كما تأخذ المرآة النور، تحويه في نفسها، وتلقيه على غيرها، فهي أداة لإظهاره وإظهار جماله معًا " . (وحي القلم ٥٣/٣).
وليعلم الطلاب أن لطلب العلم معاظم واجبة المراعاة، فعليهم أن يجعلوها نصب أعينهم و يلتزموا بها - ما وسعهم - حتى يتوصلوا إلى أوفر حظ من العلم، فمن أهم ما يجب على طلاب العلم : توقير المعلم، فإن هناك علاقة وثيقة خاصة بين نجاح طالب العلم وتبريزه وتفوقه، وبين توقير الأستاذ المعلم واحترامه، فبقدر حرص الطالب على احترام أستاذه وإكرامه يكون له من البركة والتوفيق والنجاح في مقصده، ويؤثر عن السلف الصالح - رحمهم الله - في هذا الباب - ما يحير الألباب، فهذا شعبة بن الحجاج يقول : ” ما سمعت من أحد حديثًا إلا كنت له عبدًا ما حييت“. واشتهرت عن عدد منهم عبارة : ” من علّمني حرفا كنت له عبدًا “ .
ونورد - فيما يلي - قصصًا وأحداثًا ترينا كيف كان الناس حريصين على توقير أهل العلم في جانب، وكيف يجلب العلم لحامليه احترام الناس في جانب آخر.
لقد كان احترام العلماء هو هدي السلف رضوان الله عليهم، لأنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه » . رواه أبو داود والترمذي .
فيروى أن زيد بن ثابت أراد أن يركب، فدنا ابن عباس ليأخذ برکابه، فقال تنح يا ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ابن عباس : " هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، قال زيد أدن يدك مني، فأدناها فقبلها، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا " ، يقول الدكتور عبد العزيز الخويطر معلقًا على القصة : " العلم رفع زيدًا، فاستحق أن يأخذ بركابه ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، والعلم رفع من خلق زيد إذ أعلمه قدر آل البيت، فقدر ابن عباس مرتين، الأولى لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانية لتقديره للعلم الذي جَلّ بما احتوى عليه من علوم القرآن والسنة، ولسمو خلقه الذي هداه لإكرام العلماء رغم استحقاقه هو للتكريم .
وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - إذا رأى طلاب العلم قال: " مرحبًا بكم ينابيع الحكمة، ومصابيح الظلمة، خلقان الثياب جدد القلوب "، (المستطرف في كل فن مستظرف للأبشهي ص. ٢٠، الطبعة الأولى).
وقصة أدب الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مع من يكبره سنًّا و علمًا، معروفة مذكورة في كتب الحديث، يقول رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي، فوقع الناس في شجر البوادي قال عبد الله فوقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا : حدثنا يا رسول الله ما هي؟ قال : هي : " النخلة " .
وفي رواية فأردت أن أقول هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم فسكت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: هي : " النخلة " . . » . رواه البخاري .
انظروا كيف ظل ابن عمر الصغير ساكتًًا صامتًًا متأدبًًا مع الكبار محترمًًا إياهم، فلم ينبس ببنت شفة مع أنه كان اهتدى إلى الشجرة المسئول عنها.
وقصة ثالثة تري خطوة أخرى، ولكن الزمن فيها يقفز بنا إلى عصر العباسيين: "دخل محمد بن عبادة على المأمون، فجعل يعممه بيده، وجارية على رأسه تبتسم، فقال المأمون مم تضحكين؟ فقال ابن عبادة أنا أخبرك يا أمير المؤمنين ! تتعجب من قبحي وإكرامك لي، فقال: لا تعجبي . . فإن تحت هذه العمة مجدًا وكرمًا".
أجل . إنه مجد العلم وكرمه، وهو الذي جعل المأمون الذي لا تسمح التقاليد والعادات في تلك الأيام من الاقتراب منه، ينزل عن منزلته موضعًا، ويرتفع بها تواضعًا واحترامًا للعلم، ليعمم عالمًا، رفعه علمه إلى هذه المنزلة، رغم قبحه الذي اعترف به العالم نفسه، وظن أنه خطر في ذهن الجارية عند ما قارنت المنزلة التي اعتاد المأمون أن يكون عليها بالمنزلة التي اختار أن ينتقل إليها" . (مقتبس من بعض كتابات الدكتور عبد العزيز الخويطر) .
ويؤثر عن المأمون - نفسه - أنه كان إذا حضر مجالس العلماء لبس ملابسهم إعزازًا لشأن العلم وإجلالًا لمكانة أهله، وتذكر الكتب أنه أحضر لولديه عالمًا يعلمهما الدين والعربية، فكان الولدان يتسابقان إلى تقديم النعل إلى شيخهما، حتى كانا يقتسمان تقديم النعل، ولما علم المأمون بذلك سرّ منه، وسأل الشيخ يومًا بقوله: من أعز الناس ؟ فقال له : أنت يا أمير المؤمنين ! فقال المأمون: بل أعز الناس من إذا نهض تقاتل على تقديم نعله إليه وليا عهد المسلمين .
هذا هو العلم الذي يرفع صاحبه إلى أن يتنافس ابنا الخليفة وربيبا القصر في تقديم النعل إلى أستاذهما، ولنلاحظ كذلك ثمار حسن تربية الخليفة لأولاده، الذين لا يعتزون بتقديم النعل إلى معلمهم فحسب، بل يقتسمون ذلك حرصًا منهم على إحراز شرف تقديم النعل إلى الأستاذ !
وهذا الخليفة العباسي الآخر المعروف هارون الرشيد، الذي اتسعت حدود المملكة الإسلامية في عصره إلى أقصاها . حتى قال قولته الشهيرة لسحابة مرت به " أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك"، هذا الخليفة العظيم كيف يعرف لأهل العلم قدرهم؟ يجيب عن ذلك ما يأتي، وهو أنه أرسل أحد أولاده إلى الأصمعي ليؤدبه، فبينما الأصمعي يتوضأ، قال الرشيد لولده: إنما بعثتك لتتعلم العلم والأدب، فصُبّ على الأصمعي الماءَ واغسِلْ رجليه .
وهذا الخليفة الآخر المعتضد بالله كان يطوف يومًا في بستانه، وهو آخذ بيد ثابت بن قرة الحراني فجذبها دفعة وخلاها، فقال ثابت ما بدا يا أمير المؤمين؟ قال: كانت يدي فوق يدك، والعلم يعلو ولا يعلى عليه .
إلى هذا الحد المتناهي من الأدب - الذي ليس وراءه غاية للمتأدب - كان وصل الإكرام والاحترام لأهل العلم، ومما ذكرت الكتب من تأدب الطلاب مع أساتذتهم، ومراعاتهم لراحتهم أنهم كانوا لا يدقون بابًا لأساتذتهم حتى يخرجوا هم .
فيحكى عن أبي عبيد - العالم الزاهد الراوية الثقة - أنه قال: "ما دققت بابًا على عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه " .
لقد تعلم المسلمون هذه القمة من الأدب والاحترام، وعدم الإحراج والإزعاج للعلماء وللمشايخ من أدب القرآن الكريم، حيث وصف الله تعالى فيه بعض الذين كانوا ينادون رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات بأن أكثرهم لا يعقلون، وأن عملهم - هذا - يتعارض مع الأدب والاحترام الجديرين بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم: { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } (الحجرات/ ٤) .
من هنا . . وصل المسلمون، والطلاب والمتعلمون منهم خاصة إلى هذا الأدب السامي مع الأساتذة والمربين، لا يطرقون عليهم بابًا، ولا يقطعون لهم كلامًا ويتجنبون من أدنى ما يتصور مما يسبب لإزعاجهم فضلًا عن إيذائهم !
وقد تكلم الشعراء أيضًا بما يجب على الطلاب من احترام الأساتذة وإكرامهم، فهناك قصيدة عصماء مشهورة في العلم لأمير الشعراء أحمد شوقي، ينطبق عليها ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: "وإن من الشعر لحكمة"، فالقصيدة من غرر القصائد وعيون الأبيات التي تسير بها الركبان، وتتناقلها الأجيال، ومطلع القصيدة:
قم للمعلم وفه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمت أشرف أو أجل من الذي
يبني وينشئ أنفسًا و عقولا
حقًّا . . لقد صدق الشاعر الحكيم، ووفق في وصف المعلم وصفًا دقيقًا حكيمًا . . ! لأنه - المعلم - يبلغ رسالة الرسول، ويقوم بمهامه، وينشر نوره الذي جاء به ويدعو إلى ما دعا إليه من قيم وأخلاق وفضائل...
وهذا شاعر آخر يفضل الأستاذ على الوالد، لأن الأستاذ يهتم ببناء العقول القادرة على النهوض بالأمم وعمارة الأرض، وتغذية الفكر وتربية الروح... بينما الوالد يهتم بتربية الجسد، يقول الشاعر:
أفضل أستاذي على نفس والدي
وإن نالني من والدي العز والشرف
فهذا مربي الروح والروح جوهر
وذاك مربي الجسم والجسم كالصدف
ولذلك ينسب إلى يحيى بن معاذ أنه قال: " العلماء أرحم بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من آبائهم وأمهاتهم، قيل وكيف ذلك؟ قال لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، وهم يحفظونهم من نار الآخرة".
وقد أثر عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: "حاجة الإنسان إلى العلم أكثر من حاجته إلى الطعام والشراب".
أظن هذا القدر من الأحاديث والأحداث والآثار والقصص يكفي لبيان ما للمعلم على المتعلم من حق الاحترام والإكرام، وفي ذلك كفاية ومقنع وبلاغ لطلاب يعقلون .
( يتلى )
( الخميس : ١٣ من شوال ١٤٤٧ھ = ٢ من أبريل - نيسان - ٢٠٢٦م ) .
تعليقات
إرسال تعليق