معالم في طريق الطامحين (٥)

 على مائدة العلم والأدب

معالم في طريق الطامحين (٥)


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


[ ما زال الحديث متصلًا بـ *: المعلم (٩)  : اصنع الحياة بعلو الهمة* ] .


*الفرق بين كِبَر الهمة والكِبْر*

ولا تغلط . . فتخلط بين كِبَر الهمة والكِبْر، فإن بينهما من الفرق كما بين السماء ذات الرجع  والأرض ذات الصدع ، فكِبَرُ الهمة تاج على مفرق القلب الحر المثالي ، يسعى به دائمًا وأبدًا إلى الطهر والقداسة والزيادة والفضل، فكبير الهمة يتلمظ على ما فاته من محاسن، ويتحسر على ما فقده من مآثر، فهو في حنين مستمر، ونهم دؤوب للوصول إلى الغاية والنهاية .

كِبَر الهمة حلية ورثة الأنبياء، والكِبْر  داء المرضٰى بعلة الجبابرة البؤساء.

فكِبَر الهمة تصعد بصاحبها أبدًا إلى الرقي، والكِبْر يهبط به دائمًا إلى الحضيض، فيا طالب العلم ، ارسم لنفسك كِبَر الهمة، ولا تنفلت منها ، وقد أومأ الشرع إليها في فقهيات تلابس حياتك، لتكون دائمًا على يقظة من اغتنامها، ومنها : إباحة التيمم للمكلف عند فقد الماء، وعدم إلزامه بقبول هبة ثمن الماء للوضوء، لما في ذلك من المنة التي تنال من الهمة مثالًا . .  وعلى هذا فقس  . . 

فاللّٰه اللّٰه في الاهتمام بالهمة، وسل سيفها في غمرات الحياة :


هو الجد حتى تفضل العين أختها

و حتى يكون  اليوم  لليوم  سيدا  (١) 


و ما قاله مصطفى لطفي المنفلوطي عن كبر الهمة، لجدير - أيضًا - بالاهتمام، يقول :

" كثيرًا ما يخطئ الناس في التفريق بين التواضع وصغر النفس ؛ وبين الكبر وعلو الهمة، فيحسبون المتذلل المتملق الدنيء متواضعًا، ويسمون الرجل إذا ترفع بنفسه عن الدنايا، وعرف حقيقة منزلته من المجتمع الإنساني متكبّرًا، وما التواضع إلا الأدب، ولا الكبر إلا سوء الأدب، فالرجل الذي يلقاك متبسمًا متهللًا، ويقبل عليك بوجهه، ويصغى إليك إذا حدثته ويزورك مهنئًا ومعزيًا، ليس صغير النفس كما يظنون، بل هو عظيمها، لأنه وجد التواضع أليق بعظمة نفسه فتواضع، والأدب أرفع لشأنه فتأدب .


فتى كان عذب الروح لا من غضاضة

ولكنّ    كبرًا    أن    يقال    به   كبر


فإذا بلغ الذل بالرجل ذي الفضل أن ينكس رأسه للكبراء ويتهافت على أيديهم وأقدامهم لثمًا وتقبيلًا، ويتبذل بمخالطة السوقة والغوغاء بلا ضرورة ولا سبب، ويكثر من شتم نفسه وتحقيرها ورميها بالجهل والغباوة، ويبصبص برأسه – وهو سائر في طريقه - بصبصة الكلب بذنبه، ويجلس في مدارج الطرق، وعلى أفواه الدروب جلسة البائس المسكين، فاعلم أنه صغير النفس ساقط الهمة لا متواضع ولا متأدب .

إن علو الهمة إذا لم يخالطه كبْرٌ يزري به ويدعو صاحبه إلى التنطع وسوء العشرة كان أحسن ذريعة يتذرع بها الإنسان إلى النبوغ في هذه الحياة، وليس في الناس من هو أحوج إلى علو الهمة من طالب العلم، لأن حاجة الأمة إلى نبوغه أكثر من حاجتها إلى نبوغ سواه من الصانعين والمحترفين، وهل الصانعون والمحترفون إلا حسنة من حسناته وأثر من آثاره . . ؟ بل هو البحر الزاخر الذي تستقي منه الجداول والغدران . . 

فيا طالب العلم كن عالي الهمة، ولا يكن نظرك في تاريخ عظماء الرجال نظرًا يبعث في قلبك الرهبة والهيبة، فتتضاءل وتتصاغر كما يفعل الجبان المستطار حينما يسمع قصة من قصص الحروب، أو خرافة من خرافات الجان، وحذار أن يملك اليأس عليك قوتك وشجاعتك، فتستسلم استسلام العاجز الضعيف وتقول : من لي بسُلّم أصعد فيها إلى السماء حتى أصل إلى قبة الفلك فأجالس فيها عظماء الرجال . . ؟

ومضى المنفلوطي قائلًا - وهو يحث الإنسان على تقدير قيمته وتجنيب نفسه الإصابة بمركب النقص -  :

" من العجز أن يزدري المرء نفسه فلا يقيم لها وزنًا وأن ينظر إلى من هو فوقه من الناس نظر الحيوان الأعجم إلى الحيوان الناطق، وعندي أن من يخطئ في تقدير قيمته مستعليًا ، خير ممن يخطئ في تقديرها متدليًا، فإن الرجل إذا صغرت نفسه في عين نفسه،  يأبى لها من أعماله وأطواره إلا ما بشاكل منزلتها عنده، فتراه صغيرًا في علمه، صغيرًا في أدبه، صغيرًا في مروءته وهمته ، صغيرًا في ميوله وأهوائه، صغيرًا في جميع شؤونه وأعماله، فإن عظمت نفسه عظم بجانبها كل ما كان صغيرًا في جانب النفس الصغيرة .

ولقد سأل أحد الأئمة العظماء ولده، وكان نجيبًا : أي غاية تطلب في حياتك يا بني، وأي رجل من عظماء الرجال تحب أن تكون؟ فأجابه : أحب أن أكون مثلك ، فقال : ويحك يا بني ! لقد صغّرتَ نفسَك ، وسقّطتَ همتك ، فَلْتبكِ على عقلك البواكي ، لقد قدرت لنفسي يا بني في مبدإ نشأتي أن أكون كعلي بن أبي طالب، ما زلت أجدّ وأكدح حتى بلغت المنزلة التي تراها ، وبيني وبين عليّ ما تعلم من الشأو البعيد والمدى الشاسع ، فهل يسرك ، وقد طلبت منزلتي أن يكون ما بينك وبيني من المدى مثل ما بيني وبين علي ؟ " . (٢)

يقول بعض أجلة العلماء السلف رحمهم الله تعالى : "ما ابتلي الإنسان قط بأعظم من علو همته فإن من علت همته يختار المعالي " .


ولم  أجد   الإنسان  إلا  ابن  سعيه

فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا

وبالهمة   العليا   ترقى  إلى  العلى

 فمن  كان  أعلى  همة  كان أظهرا

و لم    يتأخر    من    أراد   تقدما

و   لم   يتقدم   من   أراد   تأخرا


وقالوا : الهمة أعلى من الخبرة، فلا شك أن هذه الهمة العالية والطموح، والتوق إلى إحراز المجد . . ، إنما هو في الحقيقة مفتاح النجاح، وسر التقدم والخلود، والطريق إلى إحداث انقلاب، أو إنجاز عمل يترك بصماته على جبين التاريخ :


وأتعب     خلق الله   من   زاد   همه

وقصر    عما  تشتهي النفس   وُجْدُه 


ويقول شاعر آخر وهو يحث على أقصى ما يمكن تحصيله من العز والشرف :


إذا  أعطشتك أكف  اللئام

كفتك  القناعة  شبعًا وريّا

فكن رجلاً رجله في الثرى

وهامة همته في الثريـــــــا


والتاريخ لا يصنعه إلا الذين يقومون بأعمال عظام، ومآثر جليلة، ويؤثلون مجدًا، يسجل بأحرف من نور في صفحات االتاريخ . .

و - كما قالوا - : " لا يُدْعَى للجُلَّى إلا أخوها " . أي لا يدعى للأعمال الجليلة إلا أهلها القادرون عليها .

والعظمة - كذلك - لا يبنيها إلا أصحاب الهمم العالية وذوو العزائم العصامية، والنفوس الأبية العالية، الذين لا يعرفون للراحة والكسل معنى، وللتعب والكدح حدًّا في مرحلة من مراحل حياتهم .


و   من  طلب العلى  بغير  كد

أضاع العمر في طلب المعالي


 ويجعلون البيت التالي نصب أعينهم : 


إذا نام غر في دجى الليل فاسهر

وقم    للمعالي  والعوالي   وشمّر


 وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : « إذا تمنى أحدكم .. فليكثر فإنما يسأل ربه » . (٣)

وهناك مقولة رائعة تقول : " العظيم يبني النجاح من النجاح، والأكثر عظمة يبني النجاح من حطام "  

وإنها لحقيقة أن كل إنسان - ذو عقل يفكر، ووعي يشعر - يتوق إلى العز والمجد والعظمة والعيش الهنيء في الدنيا، ويحب الصعود إلى المراتب العالية والمنازل الرفيعة :


لكل امرئ غرض يسعى ليدركه

والحر يجعل إحراز العلا غرضه


       ( يتبع)


*الهوامش* : 

(١) لا تحزن للقرني : ٢٨٠ ، الطبعة العشرون .

(٢) الأعمال الكاملة للمنفلوطي : ١٠١، تحت العنوان : " النبوغ " .

(٣) أخرجه ابن حبان : 889 .


( الخميس : ٦ من شوال ١٤٤٧ھ = ٢٦ من مارس - آذار - ٢٠٢٦م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده