التوحيد
في ظلال فكر إقبال : (١٠)
التوحيد
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
*نظرة على محتويات الحلقة*
إن أردنا أن نلخص الإسلام في كلمة، قلنا : " التوحيد " .
وإن أردنا أن نوجز عمل النبي صلى اللًٰه عليه وسلم من بدء مبعثه إلى يوم وفاته، قلنا : " *العمل بالتوحيد* " .
لا شك أن دعوة الرسل جميعًا ( عليهم الصلاة والسلام ) ركيزتها الأولى التي تنطلق منها، هي الدعوة إلى حق الله تعالى على عباده، وهو توحيده .
ثم إن هذه العقيدة - عقيدة التوحيد - إذا استقرت وترسخت في قلب الإنسان وتغلعلت في أحشائه، هانت عليه التضحية بكل نفس و نفيس، وغال ورخيص، واستعذب العذاب في سبيلها، واحتمل من أجلها كل جَهد ونصب، واسترخص كل مشقة وعناء في طريق نشر العقيدة والدين .
العقيدة - في الحقيقة - كانت سر قوة سلفنا، وعنوان هويتهم، ومنبع حماستهم، فكانت - العقيدة - عندهم عبارة عن معين لا ينضب للنشاط الموصول، والحماس المذخور، وصبر لا ينفد في احتمال الصعاب، ومواجهة الأخطار، بل هي حب شائق حثيث يدفع إلى لقاء الموت دون تهيب، لقاء محب مشتاق طلبًا للشهادة في سبيل معتقده ورضا ربه .
والحق أن فضيلة القوة التي ترتكز في عمق المسلم تستمد زخمها من عقيدة التوحيد، التي تأبى له أن يرضى بالهوان في الأرض، أو يستكين للظلم على وجه البسيطة، لأنه رفيع نسبه يتصل بالسماء، وسامٍ هدفه يرتفع حتى يطاول الجوزاء، سيستطيع بقوة يقينه وفتوة عزمه أن يكون أمة وحده، إذن فرذيلة الضعف بعيدة عن مخيلة المؤمن، وسيئات الوهن لا يعرفها القلب النقي ولا النفس المطمئنة : { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزّى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون يصير } [ آل عمران: ١٥٦ ] ، فالتقدم والزيادة والشجاعة والتوكل على الله، والثقة بوعده، قوة جبارة يجب أن يتسلح بها المؤمن، خاصة عند وضوح الهدف، وظهور الطريق، وسلامة الرؤية .
وهناك حقيقة غفل عنها الناس، وهي أن هذه العقيدة، هي القادرة على الإحياء، وهي القوة الباقية سنادًا للحق إلى يوم الدين، وهي المنارة الهادية التي جمعت سر الديانات وأنوار الملل على اختلاف أعصارها وأزمانها مصداقًا لقول الحق سبحانه : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } ، [ الأنفال : ٢٤ ] ، إحياء للعقول والقلوب، وإضاءة في الجهل، ونجاة من التخلف ومن الوهم والخرافة، وضمان من خزي العنصريات، وجور الديانات المحرفة.
كما أن هذه العقيدة لا تنهض بالروح فقط، بل تنهض بالجسد كذلك، فـ : « المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف » ، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز .
وقد تحدث إقبال في هذه القصيدة عن قوة هذه العقيدة .. عقيدة التوحيد وحقيقته، و كيف أتى بخوارق ومعجزات في الماضى، كما تحدث عما آل إليه التوحيد حاضرًا .. فقد غابت حقيقة التوحيد .. ولم يبق منه إلا رسمه وترديده باللسان فقط، كما بين الفرق بين الأئمة والعلماء الحقيقيين والمحترفين .
فإلى القصيدة :
* * *
*التوحيد بين أمس واليوم*
زندہ قُوّت تھی جہاں میں یہی توحید کبھی
آج کیا ہے، فقط اک مسئلۂ عِلم کلام
*الترجمة*
لقد كان التوحيد - في حين من الأحيان - قوة حية في العالم .
أما اليوم فلم يعد إلا قضية من قضايا علم الكلام . .
*الشرح*:
لقد كان التوحيد - فيما مضى من الزمان - رأس مال المسلمين الحقيقي، وعمادهم الأساسي، وقطب رحى حياتهم، ولكن التوحيد هذا - الذي كان حقيقة حية للمسلمين وقوة عظمى لهم - صار مسألة من مسائل علم الكلام، تُشبَع دلائل علمية و براهين منطقية، أما التوحيد عملًا وقوة حية وثروة حقيقية للمسلمين، فكاد أن يكون أثرًا بعد عين، وذكرًا لحقيقة مضت . . أو قل : طويت حقيقة التوحيد في باب كان . . إذا كنا أكثر صراحة وأوضح بيانًا للواقع . .
ينعى إقبال على المسلمين تركهم العمل بمقتضى التوحيد، فالتوحيد اليوم لا يعني إلا قضية كلامية صرفة، تُقتَل بحثًا ومناقشة وجدالًا بالدلائل العقلية والنقلية ، أما وجود التوحيد في مدعيه كقوة حية معجزة كما كانت في مسلمي الماضي، فأرت العالم العجائب والغرائب، فصار قصة ماضية تُحكى بالألسنة وتدون في الكتب، ويُعتَز بها في المحافل الدولية أو في النوادي والمجالس الدينية .
لقد ساد المسلمون العالم وحكموه قرونًا متطاولة ما داموا عاملين بمتطلبات التوحيد .
أما العمل بمقتضى التوحيد فيعني أنهم حينما كانوا يقولون بألسنتهم أنهم لا يطيعون أحدًا إلا الله، فكانوا يطبقون ذلك بسلوكهم مئة في المئة .
فبالعمل بمقتضى التوحيد أخضع المسلمون الجبابرة والقياصرة والأكاسرة، وجعلوا راية التوحيد عالية خفاقة في العالم كله .
فبينما كان التوحيد مصدر عز وسؤدد، وسبب فتح وغلبة وتمكين لأهله، عاد سبب ذل وهوان لمن يدعون حمله ..
لماذا هذا الفارق . . ؟
والجواب أن توحيد المسلمين الماضين كان توحيدًا حقيقيًّا . . توحيد القلب والعمل والوعي والوجدان، لا توحيد اللاوعي واللسان . .
يوم كان حامل التوحيد الحقيقي يخرج من جزيرة العرب شرقًا إلى العراق وفارس وأفغانستان حتى يبلغ الصين، ويمشي من جهة الغرب إلى مصر و آخر إفريقية حتى يصل البحر، ويقف عليه بفرسه، ويقول : اللهم لولا هذا البحر لمضيت مجاهدًا في سبيلك .
* * *
*مكانة المسلم بين الظهور والخفاء*
روشن اس ضَو سے اگر ظُلمتِ کردار نہ ہو
خود مسلماں سے ھے پوشیدہ مسلماں کا مقام
*الترجمة*
إن لم ينقشع ظلام السلوك بهذا النور
خفيت مكانة المسلم على المسلم نفسه
*الشرح*
ما لم يشرق عمل المسلم بضوء التوحيد، و مالم تتنور ظلمة سيرته بنور هذه القوة الحية، وما لم يطبق المسلم التوحيد تطبيقًا كاملًا دقيقًا، لم تنكشف عنه - أي المسلم - حقيقته كاملًا .. ما هي مكانته ومكانه وما سر وجوده وما هي عظمته . . ؟
كانت الأمة أعظم أمة ما دامت عاملة بمتطلبات التوحيد !
ولكن تجهل اليوم أهدافها ولا تعرف عظمتها ..
فلن تعود إلى عزها التليد وعظمتها المفقودة مالم تعد إلى إدراك عظمة التوحيد وقوته، والعمل بموجباته .
* * *
*جنود بلا عاطفة ولا روح*
مَیں نے اے میرِ سِپہ! تیری سِپہ دیکھی ہے
’قُلْ ھُوَ اللہ، کی شمشیر سے خالی ہیں نیام
*الترجمة*
أيها القائد الأعلى للعسكر ! لقد رأيت عسكرك .
إن الأغماد خالية من سيوف : { قل هو الله أحد } .
*الشرح*
يا أمير العسكر .. أيها القائد الأعلى للقوات المسلحة ! لقد عرفت حقيقة جنودك ..
لا شك أن عندك الجنود والعسكر .. ولكن لا يوجد في غمد هذا العسكر سيف : { قل هو الله أحد } ..
إن صدور أهل العسكر ليست عامرة بنور الإيمان والتوحيد، الذي يرى به المؤمن منزله، ويصل في ضوئه إلى هدفه.
ولا تزال تتراءى اليوم قافلة الحجاز .. أي المسلمون ما زالوا موجودين اليوم كذلك .. ولكن لا يوجد فيهم إيمان السلف .. الإيمان الكامل الذي أرهب الأعداء .. إنهم يقولون بألسنتهم : { قل هو الله أحد } ولكن عملهم يضاد ذلك تمامًا . .
قول بلا عمل .. إسلام بدون تطبيق .. إيمان بلا روح ..
* * *
آہ! اس راز سے واقف ھے نہ مُلّا، نہ فقیہ
وحدت افکار کی بے وحدتِ کردار ھے خام
الترجمة
آه . . يجهل الأُميم ( تصغير الإمام ) والفقيه كلاهما هذا السر ..
أن وحدة الفكر والنظر بدون وحدة السلوك والعمل وحدة ناقصة عرجاء بتراء ..
*الشرح*
يبدي الشاعر قلقه وأسفه على أن العلماء والفقهاء يجهلون سرًّا عظيمًا .. وهو أن الانسجام والاتحاد في السلوك والأعمال لا ينفع نفعًا مطلوبًا ما لم تكن هناك وحدة الأفكار والنظريات ..
والحقيقة أن المسلمين اليوم ليست فيهم وحدة الأفكار ولا وحدة الأعمال ..
إن زعماء اليوم المحترفين الأدعياء يكثرون الحديث عن الوحدة والتوحيد والتضامن والتلاحم، ولكنهم هم أنفسهم ضد ذلك تمامًا، وكأنهم - كما يقال - اتفقوا على أن لا يتفقوا، الأمر الذي أدى إلى عدم الانسجام في الفكر والعمل لدى الجماهير .. فالتناقض والنفاق والانشطار والتمزق يسود على كل صعيد وفي كل موقف وفي كل مكان .
ألا .. إن قول *لا إله إلا الله* باللسان لا يغني ولا ينفع شيئا . . ما لم يصدق عملُنا قولَنا هذا .. ما لم يكن هناك انسجام في العمل واتحاد في السلوك ... فالمسلم الصادق يكون تطبيقًا عمليًّا للقرآن الكريم .. أو قل : يكون قرآنًا جوّالًا ..
* * *
*الإمامة بين الحقيقة والحرفة*
قوم کیا چیز ہے، قوموں کی امامت کیا ہے
اس کو کیا سمجھیں یہ بیچارے دو رکعت کے امام!
*الترجمة*
ما الأمة وما إمامة الأمم . . ؟
أنَّى لأئمة الركعتين المساكين هؤلاء أن يدروا بحقيقة ذلك .. ؟! ( أئمة الركعتين المساكين هؤلاء .. ما يُدريهم بحقيقة ذلك ... )
*الشرح*
يختم الشاعر قصيدته هذه مبديًا أسفه على أن أئمتنا الذين يصلون بالناس في المساجد لا يعرفون ماذا تعني : " الأمة " ، وكيف تنال الأمم والملل الرقيّ والازدهار .. ؟ وكيف تكون قيادتهم وتوجيههم .. ؟ ومن هنا .. فلا يستطيعون - أو لا يحسنون - قيادة الأمة وتوجيهها !
يعني إقبال الأئمة والفقهاء والعلماء المحترفين الأدعياء الذين لا يهمهم إلا مصالحهم وأغراضهم ..
فكأن هؤلاء الأئمة لا يحسنون إلا إمامة الناس لركعات في المساجد، وكذلك غيرهم من العلماء والمشايخ قاصرو النظر والفكر، لا يحسنون إلا الإفتاء في مسائل عادية بسيطة .. أما قيادة الأمة وتوجيهها توجيهًا شاملًا مطلوبًا، وكيف يلعبون دورهم في إعادة دورها كأمة حية قوية عظيمة تتبوأ مكانتها على منصة العالم مرة أخرى، فهم ليسوا من ذلك في شيء .. وما هم بمؤهلين لذلك .. ولا يعرفون مواصفات القيادة، ويفتقدون العاطفة الملية والحنين إلى العمل، أما إمام الحق المطلوب المنشود الذي يتطلع إليه إقبال، فقد عرّفه بقوله :
ہے وہی تیرے زمانے کا امام برحق
جو تجہے حاضر وموجود سے بیزار کردے
أي: إن إمامك الحق لعصرك ليس إلا من يجعلك ناقمًا من حاضرك وساخطًا عليه وكارهًا له .
( الأربعاء : ٢٦ من شوال ١٤٤٧ھ = ١٥ من أبريل - نيسان - ٢٠٢٦م ) .
تعليقات
إرسال تعليق