من ( أصغر . . ) إلى ( أكبر . . )

 من وحي الأيام

من ( أصغر . .  ) إلى ( أكبر . . )


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ ،الهند 


جاءنا خبر سار  طريف من بلد عربي يفيد أن طالبُا يدرس في السنة الأولى من  الثانوية، رزق بولد،  و عمره ١٦ سنة فقط، و لذا عد أصغر أب في البلد . 

لا شك أن الخبر من النوادر خاصة في هذا العصر، الذي صار الزواج المتأخر فيه موضة و تقليعة، أو عادة، أو أمرًا لا مناص منه . . حيث أن الدراسة العليا قد لا تكتمل إلا بعد الثلاثين، أو لا يجد الإنسان عملًا مناسبًا أو وظيفة يرتاح إليها،  إلا بعد لأي . . . فيتأخر الزواج تأخرًا كثيرًا . 

على أن الزواج المبكر شيء ينبغي - بل يجب -  أن يشجٌَع عليه ،  و يُرغٌَب فيه، و يُندب إليه دينيًّا، و خلقيًّا، و شخصيًّا و اجتماعيًّا، و هناك  حكمة عربية تقول : " ولد الشارب للحية ،  وولد اللحية للشيبة، وولد الشيبة للخيبة "  .

مفاد هذه الجملة الحكيمة أن من تزوج مبكرًا خدمه أولاده مبكرًا،  و من تأهل في ربيع عمره خدمه أولاده عند حاجته إلى خدمة،  و من تزوج في مشيبه ضاعت لديه فرصة من يعتني بشيخوخته . . . تصنيف ملؤه الواقعية و العقلانية .

نعم . فلا ينكر عاقل فوائد الزواج المبكر، ، أولها و أعظمها التحصن و التعفف، خاصة في هذا العصر المليء بما تزل فيه قدم الإنسان، و يصعب عليه حفظ عفافه و التجنب من معصية الله، و البعد عن مطية الاثم  . . فإذا لم يكن في الزواج المبكر غير هذه الفائدة ، لكفانا ذلك ترغيبًا فيه - الزواج المبكر  - و حثًّا عليه . فالعفاف و الطهر و الحياة الطيبة و الاستقامة مصدر كل خير و سعادة و بركة ، و العكس بالعكس . . .

على كل . . هذا الخبر( المادي ) نقل الفكر  نقلة معنوية  . . و استجاش الشعور . . و  أثار في الحس خواطر  ندية ثرية موحية . . ساقتني  إلى حلم رائع لذيذ  مما يراه الإنسان في النهار  . . في يقظته  وفي كامل شعوره  ..  و جعلني    -  الخبر  -  أتمنى أمنية جميلة  يتمناها  كل مسلم يريد رقيًّا و ازدهارًا للعالم الإسلامي، و يتطلع  إلى أن تعود للمسلمين عظمتهم السالفة و مجدهم التليد . .

كما  أرجعني - الخبر - إلى الوراء . .  إلى ماضي المسلمين المشرق المشرٌف، يوم كان فيه أسلافنا يصنعون الصنائع و يأتون بالمعجزات - بإذن الله و قدرته - في مثل هذه السن المبكرة سن ١٦ أو ١٧ . .  ، فقد كانوا يفتحون البلدان و يقودون الجيوش و يطوون الصحاري و يخوضون المعارك في مثل هذه السن . . التي يشغلها شباب اليوم  باللعب  و الرياضة و النزهة و التطواف بالنوادي ، و المشاركة في المباريات و البطولات . .

فيروي تاريخنا المشرق أن محمد بن القاسم الثقافي فتح ذلك الفتح العظيم و عمره ١٧ سنة فقط، فقال الشاعر و هو يحيّي بطولته و خصاله المجيدة :


إن السماحة و المروءة   و    الندى

لمحمد  بن القاسم    بن      محمد

ساس الجيوش لسبع عشرة حجة

يا قرب   ذلك   سؤددا   من   مولد 


و إنها - و الله - مأثرة تستحق الافتخار و الاعتزاز بها . .

و تلك  و أمثالها . . من الصنائع  والأمجاد والمفاخر   والمآثر . . هي التي تخلٌد  ذكر أصحابها، و تحفر أسماءهم في جبين التاريخ، وتحفظ صنائعهم في ذاكرة الدهر، و هي التي جعلت ماضينا عظيمًا نعتز به . . و لا تزال  ترفع رؤوسنا شرفًا وفخرًا و اعتززًا  . .

أما الأمنية التي خطرت في قلبي بقراءة هذا الخبر . . ، فهي أن : كلمة *( أصغر )* (١) من هذا الخبر  جعلتني أتمنى و أحلم بـ :  *( أكبر  )*  في مجالات أهم و أعظم . .  : 

فيا ليتنا  نسمع خبرًا يأتينا من بلد عربي أو إسلامي فلاني أن فيه أكبر عالم ( scientist   ) يشار إليه بالبنان، أو في بلد كذا أكبر مهندس  مسلم لا يوجد له نظير  في العالم كله .

نعم . نتمنى لو   يأتينا خبر يبشرنا  بأن في البلد الفلاني المسلم  عددًا مشرٌفًا من المخترعين المهرة و من صانعي الآلات الدقيقة و البارعين في التكنولوجيا المتطورة الحاضرة، التي لا يمكن الرقي و الازدهار - في عالم اليوم  -  إلا بالتمكن منها و البراعة فيها .

بل صرنا - مع الأسف  -  نفتخر بأن عندنا أكبر مبنى في العالم كله ، أو أجمل متحف،  أو أضخم فندق . . 


إن ( الأكبر ) أو ( الأحدث ) أو( الأضخم ) أو ( الأروع) أو ( الأجمل ) في مجال " البناء الطيني " .. في مجال الطوب  و الحجارة . .  يا أمتنا ! ليس مما يُعتز به ، و لا يرفع قامتنا و لا يعلي قدنا أو قدرنا في دنيا اليوم . . 

 لا يسعدنا ذلك  - و الله  - و لا يزيدنا شرفًا في ميزان العالم  فضلًا عن الآخرة . . و لا يحل مشاكلنا !

و إنما الشيء الذي له قيمته و أهميته . .  و يُعزٌُنا : هو البناء المعنوي . . البناء الإنساني . . البناء الحضاري . . و  ما يُعتبر : " أنفعَ  "  في  بناء الإنسانية و صالح البشرية  . . و هو - الأنفع  - المطلوب المنشود ، و هو الشيء الوحيد الذي ينقصنا . . و هو  الأبقى . . و الأعلى قيمة و أرفع قدرًا . . و البقاء للأصلح  . . و العزة للأنفع . . {  أما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض } .

و قد صار عنوان العصر : (  الأسرع يدوس الأبطأ ) .  . بدلًا من : (  القوي يأكل الضعيف ) . . و إن كانت النتيجة واحدة . .

هذا . و قد صدق من قال : إن العالم الإسلامي مليء  بالذكور . . أما الرجال فلا . .

و رحم الله القائل : " الرجل إذا صحت رجولته فإنه يستطيع أن يبني أمة بكاملها " .

نعم .  إن العالم الإسلامي لا يحتاج إلى شيء بمثل ما يحتاج إلى الرجال . .  إلى  العباقرة و النوابغ في علوم الدين و الدنيا ، الجامعين  بين الأصالة و المعاصرة، و بدون ذلك  لا يستطيع أن يصل إلى مرحلة  الاكتفاء الذاتي، و بدون الاكتفاء الذاتي لا يمكن أن يقوم بأعبائه كاملة ، أو يستغني عن الغير . . ، و لا يحقق مجدًا يتطلع إليه ، أو ينتصر في رهان الحياة ، أو يتبوأ مكانه على منصة العالم .

فلنركز على: ( الأنفع الأبقى ) ، و لنصم  - مدة - عن الفضوليات و الكماليات، والموضات والتقليعات، ولنتجه إلى بناء الذات . . ! 


* * *

(١) على أن ( أصغر ) هنا له من الأهمية و المعنوية  ما قد  لا يكون ل ( أكبر ) في كثير من الحالات و المجالات في بعض الأحيان .


( السبت : ٨ من شوال ١٤٤٧ھ = ٢٨ من مارس - آذار - ٢٠٢٦ م )

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده