محمد الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء (١٩)
على مائدة العلم والأدب
محمد الرسول صلى الله عليه وسلم
المثل الأعلى للأدباء (١٩)
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
(الأدعية النبوية وخصائصها )
*النموذجان الثاني والثالث*:
*إعجاز الدعاء الذي كان يقوله النبي ﷺ*: *وهو يودع مسافرًا أو يعود مريضًا . .*
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان النبي إذا ودع رجلًا أخذه بيده فلا يدعها حتى يكون الرجل هو يدع النبي ويقول :
« أستودع الله دينك وأمانتك وآخر عملك » . رواه الترمذي .
وعن علي رضي الله عنه قال كان النبي إذا عاد مريضًا، قال : « اللهم رب الناس أذهب البأس ، اشفه وأنت الشافي ، لا شفاء إلا شفاءك شفاء لا يغادر سقمًا » ، رواه أبو داود .
*الإيجاز المحكم البليغ وجمال الفقرات المتوازنة*:
نعم! إنه إعجاز النبي صلى اللًٰه عليه وسلم أنه جمع المعاني الكثيرة في كلمات موحية متوازنة عددها أقل من فحواها بكثير . .
فأي إحكام بليغ يوجد - في عبارة أي عبارة - أحسن وأدق من هذه العبارة الجميلة القصيرة في كل من هذين الدعائين النبويين المباركَين . . ؟
وأي أدب فيه من هذا الجمال . . جمال الفقرات وجمال المعنى وغزارته على قلة الألفاظ . . ؟
وأي إيجاز يصل إلى أي مستوى من هذا الإيجاز النبوي المعجز البليغ المحكم . . ؟
وأي سهولة في أداء الكلمات أسهل من سهولة هذه الألفاظ النبوية . . ؟
وأي زاد أكرم وأثمن للمسافرين من هذا الزاد النبوي الذي كان یزودهم به . . ؟
وأي متاع أبقى - على ضآلته ظاهرًا ـ من هذا المتاع النبــوي المبارك . . ؟
*جامعية الدعاء التوديعي*:
إن الكلمات القصيرة، السهلة اللفظ، الجميلة الأداء، التي كان يقولها النبي - صلى اللّٰه عليه وسلم - وهو يودع مسافرًا . . إنها لم تغادر من الشريعة صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها، فكلمة ( الدين ) تعني جميع ما على المرء من حقوق الله من العبادات والطاعات والفرائض والواجبات .
وأما كلمة ( أمانتك ) فقد أراد بها النبي صلى الله عليه وسلم جميع ما على الإنسان المؤمن من حقوق تجاه عباد الله، و أخلاق ظاهرة فاضلة وآداب اجتماعية إنسانية من حسن الخلق، وأداء الأمانة، والنصح للمسلم وصدق القول وعمل الخير ونزاهة السلوك وما إلى ذلك من الحقوق والواجبات والفضائل والمكرمات . .
« آخر عملك » : هذا هو ختام المسك من الدعاء، الذي كان يدعو به النبي صلى اللًٰه عليه وسلم للمسافر، فإن العبرة بالخواتيم، ويمكن أن يكون المعنى أن يكون آخر عملك . . أي سفرك مقروناً بنجاح الهدف وخــــير الخاتمة .
ويمكن أن يطلق المعنى فيراد بآخر كل عملك . . : عمل ( السفر ) ، ( عمل القيام بأمر ) ، ( عمل الشروع في مهمة ) .. إلى كل عمل من أعمالك في الحياة . . ثم نهاية حياتك . . فالأعمال التي تعتبر وتُحسَب عند الله، هي آخرها إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر . . اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، واحفظنا من سوء الخاتمة يـــا أرحم الراحمين !
*روائع من دعاء العيادة*
الحديث ( العيادي ) هو الآخر نسيج وحده . . مثل الدعاء التوديعي في بساطته وإعجازه وإيجازه وجمال تعبيره، وشمول محتواه، وتناغمه الرائع .
فلننظر هذا اللحن الجميل وهذه الموسيقى العذبة التي تنشأ بتكرار « السين » في « البأس » و « رب الناس » ، وهذه النغمة المطربة الناشئة بتعداد الشين في مختلف الصيغ « الشفاء » في « اشف » و « أنت الشافي » و « ولا شفاء » و « إلا شفاءك » و « شفاء » .
فهذا التكرار الحاني، وهذا الحداء المطرب الناشئ من استعمال كلمة واحدة : « الشفاء » في جملة واحدة قصيرة، يمتع القلب والسمع معًا، ويحرك عاطفـــــة الطرب و الانفعال، ويجعل المريض يكاد يبرأ من مرضه، ويفقد ألم سقمه، ويشعر بأمن الهدوء والعافية، ويهتز بنغمة هذه الكلمات المباركات وسحرها . . ويصير وكأنه زال عنه سقمه، وعادت إليه صحته، وكفاه هذا الدعاء دواء وشفاء .
*النموذج الرابع*:
*الإنسانية من أبرز خصائص الأدعية النبوية*:
ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم :
« اللهم لك أسلمت .. وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون » . رواه مسلم .
هكذا كان يدعو النبي صلى الله عليه وسلم في أسلوب سهل كالماء السلسال، وهكذا كان ينحدر دعاء النبي صلى اللًٰه عليه وسلم في عبودية واستسلام وإيمان ويقين، وهكذا كان تفور عاطفته العبودية كالنبع الصافي، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على علاقته المتينة بربه العظيم وإيمانه الكامل بقدرته وجبروته ..
*الأدعية النبوية أكثر قوة وأثرًا من الخطب النبوية*
من هنا . . كانت أدعية النبي أعظم قوة وأكثر تأثيرًا وبلاغة من خطبه صلى الله عليه وسلم، فإن الأدعية كانت صوت ضميره، ونداء قلبه، و أداة التعبير الكريمة عن عواطف نفسه العظيمة المنيبة إلى الله، الخاشعة المتواضعة، التي كان يلجأ إليها ـ أي إلى الأدعية - وهو يعبر عن إيمانه بربه، وعبوديته الخالصة له، وشكره لنعمه التي لا تعد ولا تحصى، بينما كان النبي صلى اللًٰه عليه وسلم أكثر ما يخطب لأغراض اجتماعية، أو لحاجة دعت إليها ، أو لنصائح يوجهها إلى الناس أو لحاجة ضرورية موقتة .
*أدب الدعاء النبوي في إظهار العبودية*
ولننظر ذلك الأدب العالي الذي راعاه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء، فتأكيدًا لإسلام نفسه لله، وإيمانه الأكمل به، وتقديمًا لذات الله على نفسه المتواضعـــــة قال : « اللهم لك أسلمت وبك آمنت ... » ولم يقل : « اللهم أسلمت لك » اتقاء شبهة من سوء الأدب ومراعاة للأدب الأكمل الذي ينبغي أن يلاحظ مع ذات الله عز وجل .
هذا نموذج واحد من انسيابية الأسلوب النبوي التي أكثر ما تكون في الأدعية، ولو كان المجال أفسح لذكرنا نماذج أخرى من ذلك، وبه نكتفي، ومن الله ندعو أن يوفقنا لمجال أوسع، إنه سميع قريب مجيب .
( الأربعاء : ٢٨ من رمضان المبارك ١٤٤٧ھ = ١٨ من مارس - آذار - ٢٠٢٦م ) .
تعليقات
إرسال تعليق