قصة العيد الذي احتفلت به في المدينة المنورة
من وحي الأيام
قصة العيد الذي احتفلت به
في المدينة المنورة
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
العيد يعود كل سنة ، والإنسان يمر به العيدُ عدة مرات - حسب سنوات عمره - .
لا شك أن العيد أكبر رمز للفرحة والسرور، والسعادة والحبور . . يأتي كل سنة ليعيد إلى الإنسان المجهود المكدود . . الإنسان المتألم . . الإنسان الكادح في سبيل الحياة . . الإنسان المثقل بأنواع من المشاق و المتاعب . . . ليعيد إليه بشره وهناءه، وابتسامته وسعادته، أو قل : ليجدد بشره وهناءه ، ويخفف من معاناته و آلامه، وهمومه وأحزانه، ويقلل من منغصات حياته ومعكرات صفائه . . ليجدد له معنى الحياة . . ليملأ الإنسان حيوية وطراوة ، ونضارة وسعادة . . لينسيه - ولو لساعات معدودات - متاعب الحياة ، وآلام الطريق ، ليزوده بالفرحة القلبية . . والطمأنينة النفسية . . والمتعة الروحية . . و الهدوء الذهني . .
فالحقيقة : العيد من نعم الله الكبرى و من آلائه الجسام . .
فلو لا العيد لما كان للسعادة و السرور معنى . .
فهو - العيد - يقرب البعداء - بعضهم إلى بعض - مكانًا ومعنى، ويؤلف بين القلوب، و يعطي فرصة طيبة مباركة للتزاور والتقارب، والتواصل و التراحم ، والتجالس و تجاذب أطراف الحديث . .
نعم . إنه - العيد - يعمٌق روح الأخوة والمحبة، و يضيٌق المساحات و الفواصل، ويحلٌي الأفواه و الألفاظ ، و يعيد إلى الحياة رونقها و بهاءها ، و جمالها و جلالها . .
هذا العيد السعيد مر بحياتي مرات و كرات.. بجميع روائعه و معانيه .
ولكن العيد الذي كان - في الحقيقة - عيد الأعياد في حياتي ، و أعظم الأعياد بركة و بهجة وسعادة . .
ذلك العيد الذي عيّدته بعيدًا - آلاف الأميال - عن الأهل والوطن . . .
ولكن ذلك العيد كان ألذ عيد عندي، و أعز عيد علي، وأحب عيد إلي . .
آه ذلك العيد . . .
فلم يتيسر لي مثل ذلك العيد مرة أخرى في حياتي . .
ذلك العيد الذي شعرت فيه بحلاوة العيد الحقيقية شعورًا لم أشعر به قط في حياتي . . لا قبله و لا بعده . .
صدقوني أيها القراء الأعزاء . لا أكاد أجد تعبيرًا عن وصف لذة ذلك العيد الأعظم الأهنأ من حياتي . . و بيان سروره، وما كان حمل معه من مشاعر الاعتزاز والافتخار، و الانبساط و الابتهاج . . ما لم يأت بمثله عيد آخر قط . .
ومتى كانت الألفاظ قادرة - بشكل أدق و أكمل - على نقل العواطف و الأحاسيس إلى القرطاس، فكيف ينقل الإنسان إعجابه بالطبيعة . . ؟
كيف يصف الشمسَ وهي تطلع . . ؟ و النجوم وهي تتلألأ . . و الأزهارَ وهي تتفتح . . والطيورَ وهي تشدو . . و الأشجارَ وهي تثمر .. ؟
أو كيف يعبر عن حب استبد به ، أو غضبٍ استفزه، أو رحمةٍ ملكت مشاعره، أو سرور خالط روحه . .
وهو يعجز - كذلك - عن وصف الهم إذا عمل في رأسه، و الألم إذا برٌح به .
فالألفاظ لم توضع لشيء من ذلك، إنما وضعت لنقل مقدمات و نتائج منطقية . .
كذلك لا أستطيع أن أصف فرحة و سعادة ذلك العيد التاريخي الذي لم و لن أنساه ما دمت حيًّا..
على كل . . لا أريد أن امتحن - أيها القراء - صبركم كثيرًا . .
فالآن أبوح لكم بسر ذلك العيد الأغر الأبلج الأعز الأحب . . العيد السعيد حقا . . وبكل معنى الكلمة . . العيد الفذ الفريد من حياتي .
إنه العيد الذي كان في ريعان شبابي . . في فجر هذا القرن.. و تحديدًا سنة ١٤٠٥ ھ . .
إنه العيد الذي عيٌدته بجوار سيد الأولين و الآخرين . . بجوار أحب الخلق إلى الله وإلى الناس أجمعين . .
بطيبة الطيبة : [ المدينة المنورة ] على صاحبها ألف ألف تحية و سلام . .
فلا تسألوا - أيها القراء الأفاضل - عن مسرة ذلك العيد . . و سعادة ذلك العيد . . وروحانية ذلك العيد . . ولذة ذلك العيد . .
ولِم لا تجتمع هذه المعاني في ذلك العيد . . ؟
فهل هناك أحب إلى المسلم من أن يحتفل بالعيد في مدينة الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم ، الذي شرع لنا هذا العيد . . وهدانا إلى كل ما فيه سعادتنا وفرحتنا ، فجعل حياتنا كلها عيدًا وسرورًا . . إذا ما قضيناها في ضوء كتاب ربنا و سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
فوالله إن لعيد المدينة المنورة نكهة طيبة خاصة عبقة ، وفرحة لا تقاس ، وجمالًا لا يوصف ، وشأنًا لا يكون لعيد أي منطقة و لا مدينة . .
هذا شيء يصدقه كل من شرفه الله بالاحتفال بالعيد في المدينة المنورة.
وقصة ذلك العيد أن طلاب الندوة المبتعثين إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - من دفعتنا - قد كنا تخرجنا في شعبان ١٤٠٥، و كانت هناك إجراءات روتينية للعودة النهائية، فقررنا أن نقضي نصف رمضان في مكة المكرمة، و نصفه الأخير بالمدينة المنورة، ونعيٌد بها ، لأن الإخوان الذين كانوا تذوقوا لذة التعييد في المدينة المنورة رغٌبوا إلينا أن نعيٌد بالمدينة المنورة، فلعيدها طعم خاص ، ومتعة أي متعة . . ولذة لا يشعر بها الإنسان في أي مكان آخر . . . فقررنا أن نعيٌد في بلد المصطفى صلى الله عليه و سلم .
ومما يجدر بالذكر أن الهلال كانت تعذرت رؤيته في البداية، فما كان أعلن للعيد بعد صلاة المغرب، فصلينا العشاء والتراويح في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، فبينما كنا نستعد للعودة إلى مهاجعنا ، إذا بالمدافع تدوي طلقاتها في الفضاء . . مبشرة بطلوع هلال العيد . . فهلل زوار المسجد النبوي الشريف - المتواجدون فيه آنذاك - وكبروا ، و هنأ بعضهم بعضًا بالعيد ، وشكروا الله سبحانه على أنه رزقهم العيد في مدينة نبيه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم .
فكانت الفرحة أضعافا مضاعفة . . فرحة التعييد في المدينة المنورة . . و فرحة المفاجأة بإعلان العيد . . فرب مفاجأة سارة . . وما بالك إذا كانت هذه المفاجأة في مدينة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، و ما بالك إذا كانت تلك المفاجاة تتعلق بالعيد . .
فهناك تتعانق الأفراح، وتجتمع السعادات، و تكتمل المسرات . .
والحقيقة أنني كلما يمر بي العيد . . فأتصور عيد المدينة المنورة، وأتخيله في مخيلتي ، فتتضاعف مسرة عيدي ، وتكتمل سعادتي . . و تتجدد هذه الذكرى العطرة . . ذكرى *العيد المدني* ، الذي كان : " عيد الأعياد"، و " سيد الأعياد " ، و " مفخرة الأعياد " أو *: عيد الحياة* بالنسبة لي .
فيا له من عيد .. و يا لها من سنوات مباركات قضيناها في الرحاب الطاهرات ، في المدينة المنورة ، التي تشرفت بالرسول صلي الله عليه وسلم مرتين : مرة في حياته - صلى الله عليه وسلم، ومرة بجسده المبارك في ثراها الطاهر . . ، المدينة التي يحس كل من يزورها أن كل مكان فيها ، و كل جبل ، وكل حائط يحدثه حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ، و يتلو سيرته. .
لك الحمد و الشكر يا رب على تلك النعمة ، نعمة الإقامة في مدينة الرسول صلى الله عليه و سلم ، وعلى جميع النعم التي أنعمت بها علي . . و ما أكثرها . . !
هذا . والحمد لله الذي أتم علينا شهر رمضان، ونسأله سبحانه أن يتقبل منا ومنكم صالح الاعمال .
و أهنئكم بحلول عيد الفطر المبارك ، أعاده الله علينا وعليكم بالصحة والعافية . . وكل عام وأنتم بألف ألف خير . .
كما نسأله سبحانه أن يعيده علينا العام القادم .. والأمة الإسلامية تكون قد استردت مجدها التليد و عزها السالف . . وتجاوزت محنها و آلامها ، وخفقت راية التوحيد في جميع أنحاء المعمورة ، وما ذلك على الله بعزيز، و هو على كل شيء قدير .
و الله اكبر . . الله اكبر . . لا إله إلا الله و الله اكبر . . الله أكبر . . و لله الحمد .
تعليقات
إرسال تعليق