محمد الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء (٢١)
على مائدة العلم والأدب
محمد الرسول صلى الله عليه وسلم
المثل الأعلى للأدباء (٢١)
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
الطبيعة ومشاهدها في التعبير النبوي
[ الكون في نظر النبي آية الحكمة لا آية الفن ]
( الرافعي )
قال رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم - وهو يعلم أمته أوقات بعض الصلوات - :
١ - « العصر إذا كان ظل كل شيء مثله، وكذلك ما دامت الشمس حية » . (١)
وقال عليه الصلاة والسلام :
۲ - « والعشاء إذا غاب الشفق إلى أن تمضي كواهل الليل » . (۲)
وقال عليه الصلاة والسلام :
٣- « إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع » . (٣)
وسأله رجل متى صلاة العشاء ؟ فقال :
٤ - « إذا طلع الليل بطن واد » . (٤)
وقال عليه الصلاة والسلام مشيرًا إلى صعوبة التمسك بالدين في الظروف القاسية :
ه - « يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض علـــــى الجمر» . (٥)
وقال عليه الصلاة والسلام مبينًا بعض الظواهر الكونية :
٦ - « إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموها فصلوا » .(٦)
وقال في بداية الخلق :
۷ - عن أبي هريرة قال : أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال : « خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل » . (٧)
*الهدي النبوي في « الطبيعة » وخالقها !*
أولاً ينبغي أن نعلم الهدى النبوي في الحديث عن هذه الأكوان الفسيحة ومبدعها، فإذا بنا نجد حكمًا واضحُا صريحًا في ذلك : « لا تفكروا في ذات الله ولكن فكروا في صفاته » لأن ذاته - سبحانه - لا تُدرَك : { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير }
إذن . . فلن ينالَ من يفكر في الذات الإلهية إلا الحيرة والاضطراب ودون البلوغ من الإدراك، فلذا صرف عن التفكير فيها إلى التفكير في الصفات والآثار، والمراد آثار الصفات لا حقائقها . . خلافًا لما يتخبط فيه كثير من المتفلسفين وأهل الكلام .
ومما أثر في السنة أيضًا في ذلك ما رواه خالد بن الوليد من أنه أصابه أرق فقال له : رسول الله ﷺ :
« ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن نمت قل: اللهم رب السموات السبع وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت، كن لي جارًا من شر خلقك أجمعين أن يفرط علي أحد منهم أو أن يطغى .. عــز جارك وتبارك اسمك » .
لماذا أرق خالد ؟ لا بد أن يكون قد أدركه تفكير ما قد أقض مضجعه، ولا بد أن يكون رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم قد عرف لون هذا التفكير، أو لاحظته فراسته مما يعرفه من أحوال خالد، لذلك أرشده إلى دعاء خاص فيه توجيه لفكره إلى الله وقدرته وعظمته وخضوع كل شيء لجلاله وربوبيته ثم إلى جوار الله وحضانته، فإذا استبدل خالد بالتفكير الذي كان يؤرقه هذا التفكير، فلا شك أنه يطمئن قلبًا ويسري إليه سكون الإيمان فينام آمنًا .
فانظر كيف أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم بثاقب بصره أن التفكير المطلق لا يطرده إلا التفكير المطمئن، فلم يقل لخالد : اترك التفكير الذي فكرت، وإلا لكان أمرًا سلبيًّا لا يؤدي إلى الغاية، ولكنه وجهه توجيهًا إيجابيًّا إلى دعاء فيه إيحاء . . ومن ثم أمن فنام .
والآن بعدما اتضح الأمر وعرفنا المنهج النبوي السديد في هذا الصدد، تعالوا نلق نظرة فنية على هذه الأحاديث التي ذكرناها في بداية هذا الفصل .
*الواقعية والموضوعية في كلام النبي*
ما كان رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم شاعرًا { وما علمناه الشعر وما ينبغي له } ، ولا أديب الخيال والأحلام، فلا ينطق إلا بالحق : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } ، و ما كانت له أية علاقة - أبدًا - بإطلاق عنان الخيال والاسترسال في الأحلام والأماني، وصناعة الفن للفن، فكان ساميًا عن ذلك كله سمو السماء، وكانت كل لحظة من لحظات حياته، وكل كلمة من كلماته وعمل من أعماله جهادًا في سبيل تحقيق مقاصده العظمى التي بعث من أجلها، فأقواله في وصف الطبيعة وذكر الكون لا تصف الطبيعة وجمالها، والكون وأجرامه وأفلاكه وبديع نظامه، وحسن انسجامه ودقة تركيب نجومه وكواكبه وضوء شمسه ونور قمره، وصفًا رومانسيًا غراميًّا، وصف الأدباء والشعراء الذين يهيمون في كل واد، ولا يليق كل ذلك بذاته الطاهرة التي لم تقرب مظاهر اللهو واللعب والفتنة حتى في ريعان شبابه، وعصمه ربه من ذلك !
وكان شأن النبي في ذلك. شأن القرآن الكريم الذي لا يطرق موضوعًا - سواء كان يتعلق بالكون والطبيعة أو ببديع خلائق السموات والأرض، أو قصص الماضين - إلا ويقصد من وراء ذلك إرشاد الناس أو تعريفهم بحقيقة من الحقائق ومسألة من مسائل الدين والشريعة، كقوله تعالى : { يسألونك عن الأهلة، قل هي مواقيت للناس والحج } ، فذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أن « الأهلة » يعرف بها نظام عدة الشهور والأعوام والسنين والأيام، ولم يذكر فيها شيئًا من نورها وجمالها، وضيائها الذي لم ينطفئ قط منذ أن خلقها ربها، وغير ذلك مما تحويه هذه السيارة النيرة من آيات الحكمة والفن والكمال، وإنما اكتفى عن ذلك كله بذكر فائدة من فوائدها التي يشعر بها كل إنسان، ولم يتطرق إلى موضوع وصف الجمال والإبداع والصناعة الحكيمة التي أبدعها فيها صانعها . (٨)
« ثم هو - صلى اللًٰه عليه وسلم - ليس كغيره من بلغاء الناس، يتصل بالطبيعة ليستملي منها، بل هو نبي مرسل متصل بمصدرها الأزلي ليملي فيها، وقد كانت آخر ابتسامة له في الدنيا ابتسامته للصلاة، يتهلل لطهارة النفس المؤمنة وجمالها، قائمة بين يدي خالقها، منسكبًا في طهارتها روح النور، وكل إنسان إنما يبدو الكون في عينيه على ما يرى مما يشبه ما في نفسه، فكل ما رآه المصلي الخاشع في صلاته يبدو له كأنه يصلي في ضرب من العبادة على نحو من الدين، وكل ما رأى السكران في سكره يكاد يراه متخبطًا يعربد ما يتماسك » . (٩)
وههنا سرد دقيق لا يتم كلامنا إلا بشرحه، لنقطع القول في هذا المعنى، فيظهر حقه من باطله : قلنا آنفاً : إن النبي ليس كغيره من بلغـــاء الناس: يتصل بالطبيعة يستملي منها، بل هو نبي مرسل متصل بمصدرها الأولي ليملي فيها، ومعنى هذا أنه لا يعرض له من زيغ النفس ما يعرض لغيره من الناس، فأحكم حكماء الدنيا لا يستطيع أن يتبين جزءًا صغيرًا من الكون على حقيقته، إذ كانت حواس جسمه غير مهيأة لذلك ففهم جزء من الكون فھمًا صادقًا . . جزمًا لا يتم إلا بفهم الكون بأجمعه، فهو كله ذرة مكبرة إلى ما لا ينتهي، ولا يحد، وليست النبوة شيئًا غير الاتصال بالسر ! » (١٠)
*الصابر على الدين كالقابض على الجمر*
لننظر بلاغة الرسول في التعبير عما يمتحن به الإسلام في زمان من بلايا ومحن وما يمر به من ظروف قاسية - كالظروف التي نمر بها نحن الآن - بهذه الكلمة الموحية: (الصابر فيهم) إلخ.
وكيف بين الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم بلاء المسلم، الذي لا يقر له قرار، ولا يهدأ له بال . . بما يهب عليه من عواصف هوجاء وما يحاك حوله من دسائس ومؤامرات، ثم ثباته وصموده مع كل ذلك . . بتشبيهه بـ : « القابض علـــــى الجمر » الذي لا يكاد يستقر في مكان واحد . . !
*الشمس والقمر آيتان من آيات الله*
حدث في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم تغير في بعض السنن الكونية، وصادف ذلك وفاة إبراهيم بن محمد عليه الصلاة والسلام فقالوا: وقع هذا الحادث في السنن الكونية لوفاة ابنه عليه الصلاة والسلام، فقام رسول الله ﷺ وخطـــــب خطبة مجلجلة، وأكد أنه ليس لوفاة ابنه أثر في حدوث هذا الانقلاب، ولكنــــه بأمر الله، ولكنها آية من آيات الله : « إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة » . هكذا كان يثبت رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم قدرة الله المطلقة وحكمه المنفذ في جميع خلائقه من الأجرام الأرضية والفلكية، وتصرفه المطلق فيها بهذه الصورة بهذه الحكمة بهذا الإيجاز والإعجاز !.
*نشأة الأجرام*
ويحدثنا الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم عن نشأة الأجرام السماوية والأرضية بأسلوب سهل بسيط يفهمه كل من له أدنى معرفة بالعربية - بدون أن يحدث في ذهنه شك أو ارتياب أو تستوقفه كلمة من الكلمات .. لشرح أو حل مشكلة ، فلنقرأ - على سبيل المثال - هذا الحديث الشريف :
عن أبي هريرة قال أخذ رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم بيدي فقال : خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر الساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ».
أما بعد ! فإن وصف الطبيعة وجمالها لا يأتي في الأحاديث الطاهرة النبوية - على صاحبها الصلاة والسلام - إلا مثلما رأينا آنفًا من بُعــــــدٍ لا يتصور فوقه بٌُعد من حظ النفس والتسلية واللهو، مع ما عليه من البلاغة النبوية الطبيعية والاعجاز البياني البلاغي الذي خص به نبي القرآن والبيان محمد بن عبد الله ، وما فيه من عظة وإرشاد أو تعريف بمسائل الدين أو عبرة للمتقين .
الهوامش :
(١) (٢) (٣) ذكر هذه الأحاديث الشريفة َ الرافعي في تاريخ آداب العرب .
(٤) مسند أحمد بن حنبل ٥/ ٣٦٥ .
(٥) رواه الترمذي .
(٦) رواه البخاري .
(٧) رواه مسلم
(٨) لا يؤخذ من ذلك علينا أن القرآن الكريم قد لفت أنظار الناس في كثير من آياته إلى بدائع خلق الله، ونظام الأكوان الدقيق، وآيات الإحكام والإتقان والإحسان في مخلوقاته : أرضه وسمائه، إنسه وجنه .
نعم . لكن ذكر كل ذلك من قبيل الموعظة والإرشاد .
(٩) الرافعي : وحي القلم ٣/ ٢٢، دار الكتاب العربي، بيروت .
(١٠) أيضًا : ٢٤ .
( الثلاثاء : ٢٥ من شوال ١٤٤٧ھ = ١٤ من أبريل - نيسان - ٢٠٢٦م ) .
تعليقات
إرسال تعليق