محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء (٢٠)
على مائدة العلم والأدب
محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم
المثل الأعلى للأدباء (٢٠)
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
الكلام النبوي السامي
حول « المرأة »
(نماذج من الأحاديث النبوية التي تتعلق بالمرأة )
قال النبي صلى اللًٰه عليه وسلم لأنجشة - وكان يحدو بالنساء هوادجهن - :
۱- « رفقًا بالقوارير » (١) .
وقال النبي لأسامة بن زيد، وقد كساه قبطية، فكساها امرأته :
٢- « أخاف أن تصف حجم عظامها » (٢) .
وقال :
۳- « إياكم وخضراء الدمن » (٣) .
وقال :
٤- « أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية » (٤) .
وقال :
ه - « لعن الله الواشمات والمستوشمات المتنمصات ومبتغيات للحسن مغيرات خلق الله » (٥) .
وقال :
٦- « الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة » (٦) .
وقال :
۷- « المرأة راعية في بيت زوجها، مسؤولة عن رعيتها » (٧) .
وقال :
۸- « إن المرأة خلقت من ضلع، وإنك إن ترد إقامة الضلع تكسرها، فدارها تعش بها » (٨) .
*أدب في غاية السمو !*
يا سبحان الله ! إنه سمو لا يتصور فوقه سمو، وأدب لا يمكن أن يصدر إلا عن لسان طاهر طيب كلسان النبي صلى اللًٰه عليه وسلم .
وإنما أوردنا هذا البحث الخاص بـ : ( الأدب النبوي حول المرأة ) لنكون على علم ومعرفة كاملة بهذا الأدب السامي النزيه الذي لا يحط من قدر المرأة ومكانتها، بل إنما هو أعطاها حقها من المكانة والشرف الإنساني بشكل لا نظير له في التاريخ البشري، مع مراعاة ( نواحيها الخاصة بها ) ولكي لا يغرينا بالآداب الإنسانية الأخرى التي تعتبر « المرأةَ » آلة لهو ومتعة فقط .
كانت للمرأة في الفنون منذ قديم الزمان منزلة عليا، إذ كانت الفنون تدور حول جمال هذا الكون، وكانت المرأة مجلى الجمال الأعظم ورمزه الأقرب إلى النفوس .
إن المرأة ذلك الجنس اللطيف الحساس الذى لا تكتمل الإنسانية إلا به تغطي جزءًا عظيمًا وشطرًا خطيرًا من الآداب والفنون، ومنذ القديم تُعتبَر محورًا هامًّا يدور حوله الفكر الإنساني والأدب البشري في أعظم صوره وأروع معانيه وأدق أفكاره، وهي القطب الذي تدور حوله رحى أفكار الأدباء وروائع الشعراء وقوى النوابغ الفكرية وطاقاتهم المعنوية في ذكر ما خصها الله به من خصائص لطيفة وما أودع فيها من صلاحيات فطرية ساحرة، من الرقة والنعومة، والحسن والجمال، والجذب والفتون، والسحر والأسر، والإمالة والاستهواء .
هذا الشطر الإنساني الحساس المكمل للإنسانية، حينما يتكلم عنه رسول الإنسانية، رسول الطهر والحياء، لا يُصدر من فمه الطاهر المبارك إلا كلامًا يناسب ومقامه النبوي العظيم، كلامًا في غاية من الحياء والحيطة والسمو والحذر والأدب، ولم لا . . ؟ فهو الذي يأتي في شمائله وصفاته: « إنه لم يرقط عورة نسائه، وكان أكثر حياء من العذراء في خدرها، خافض الطرف نظره إلى الأرض أكثر منه إلى السماء » .
فمثل هذا النبي الطاهر الحيي لا يتكلم عن المرأة، إلا بالذي مر بعض النماذج من كلامه - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث الثمانية المذكورة .
*رفقًا بالقوارير*
كان أنجشة يحدو بالنساء مواكبهن، ويقرأ الأبيات المرققة المؤثرة، فخاف رسول الله أن يؤثر صوته هذا في قلوب النساء، ويقع فيها موقعًا غير لائق، فنهاه عن ذلك وقال: « رفقًا بالقوارير » ، ورأى آخر يقول: إن رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم نهى عن ذلك، لأن الإبل إذا حدى بها حاد ووقع في أذنها شعر جميل أو أصوات القرض والرجز اهتزت ونشطت وأسرعت في السير، فإن ذلك يؤلم النساء ويجعلهن مضطربات لاضطراب الهوادج، وهذا المعنى هو الأرجح عند أكثر نقاد العربية .
شبه النساء بالزجاجات لأنه يسرع اليهن الكسر، قال الرافعي : وجه المعنى ظاهر، وكأنهن نور وصفاء ورقة، ثم سلامة قلما تسلم إلا بشدة الصيانة والحفظ والمراعاة . (٩)
*أخاف أن تصف حجم عظامها*
هذه استعارة، لأن الثوب الرقيق الأبيض - كالقبطية - حينما يلصق بجسم لابسه تتراءى الأعضاء التي خلف هذا الثوب، بجميع دقائقها وتفاصيلها . . !! وعوراتها وزينتها التي أمر الله بعدم إبدائها، فأقام رسول الله مثل هذا الثوب الرقيق الأبيض كالواصف لما خلفه، والمخبر عما استتر به والدال على عوراته، وذلك من إعجاز بلاغة النبي صلى اللًٰه عليه وسلم وآيات روائعه ومبتكراته التي لم يسبق إليها منه، و في هذا المعنى قول عمر بن الخطاب رضی الله عنه : ( إياكم ولبس القباطيّ فإنها إن لا تشف تصف ) ، هذا ملخص ما قاله الشريف الرضي .
ولكن هنا سر دقيق من أسرار الإعجاز النبوي البياني ونكتة لطيفة لغوية رائعة ذكرها الرافعي قال :
" قلنا : وهذا كلام حسن ( يعني كلام الرضي ) ولكن في عبارة الحديث سرًّا هو من معجزات البلاغة النبوية لم يهتد إليه الشريف على أنه هو حقيقة الفن في هذه الكلمة بخاصتها، ولا نظن أن بليغًا من بلغاء العالم يتأتى لمثله، فإنه عليه الصلاة والسلام لم يقل : « أخاف أن تصف حجم أعضائها » ، بل قال : « حجم عظامها » مع أن المراد لحم الأعضاء في حجمه وتكوينه. وذلك منتهى السمو بالأدب ، إذ ذِكرُ ( أعضاء ) المرأة في هذا السياق، وبهذا المعرض، هو في الأدب الكامل أشبه بالرفث . . ولفظة « الأعضاء » تحت الثوب الرقيق الأبيض تنبه إلى صور ذهنية كثيرة هي التي عدها الرضى في شرحه، وهي تومئ إلى صور أخرى من ورائها، فتَنَزًه النبي عن كل ذلك وضرب الحجاب اللغوي على هذه المعاني السافرة . . . وجاء بكلمة « العظام » لأنها اللفظة الطبيعية المبرأة من كل نزغة، لا تقبل أن تلتوي ولا تثير معنى، ولا تحمل غرضًا، إذ تكون في الحي والميت بل هي بهذا أخص، وفي الجميل والقبيح بل هي هنا أليق، وفي الشباب والهرم، بل في هذا أوضح، والأعضاء لا تقوم إلا بالعظام، فالمجاز على ما ترى . والحقيقة هي ماعلمت " (١٠) .
وفي الكلام النبوي عن المرأة ألوان جميلة في الظاهر والمضمون، ولطفُ الكناية عن ملابسات دقيقة في غاية من السمو والأدب، غير أننا نريد الآن أن نلقي نظرة عامة على المرأة ومكانتها وصفاتها ومحامدها ومساوئها في ضوء الأحاديث التي جاءت عن « المرأة » غير متعرضين لعرض « مزايا الأحاديث » الأدبية والفنية مما نقدمه للاستشهاد به في بياننا هذا .
*إياكم وخضراء الدمن*
الأدب النبوي لا يعطي الجمال الظاهر [ في المرأة ] أي أهمية . . ما لم تتحل هي بالحلى الفاضلة الإنسانية، ولم يكتف بذلك، بل نصح المسلم بالبعد « من المرأة الحسناء » ذات الأصل السوء، وشبهها بالروث المجتمع تسفى عليه الريح وتجوده الأمطار، فيعشب ظاهره ويروق، وفي باطنه روث . . ، وقال عليه السلام :
*أيما امرأة استعطرت*
في الكلام النبوي ألفاظ عتاب وغضب على النساء اللاتي يبدين زينتهن وجمالهن، ويعطرن أجسادهن بالعطور والبخور، أو اللاتي يغيرن خلق الله بوصل الشعر، بشعر اصطناعي على آخر، أو ينتفن شعورهن من حواجبهن طلبًا للزينة والجمال، أو يتخلقن بأخلاق الرجال، وفي هذا المعنى هذان الحديثان :
« أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية » .
« لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات مبتغيات للحسن مغيرات خلق الله » .
*خير متاع الدنيا المرأة الصالحة*
يرى الأدب النبوي أن المرأة ليست آلة التمتع أو إشباع الغرائز البهيمية . . بل يجعلها أفضل متاع الدنيا وأحسنها خيرًا وبركة إذا كانت هي متحلية بالصلاح والعفاف والتقى :
« الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة » .
*المرأة راعية في بيت زوجها*
من هنا . . جاء الأدب النبوي يرفع شأن المرأة ويعلى منزلتها فجعلها راعية في بيت زوجها، أمينة لماله حافظة للغيب بما حفظ الله، مربيةللأولاد :
« المرأة راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعيتها » .
*المرأة خلقت من ضلع*
وصرح رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم في كثير من الأحاديث ببيان : [ فطرة ] المرأة التي خلقت عليها، وبأن في أخلاقها اعوجاجًا، فتنبغي مراعاة ذلك في معاشرتها :
« إن المرأة خلقت من ضلع، وإنك إن ترد إقامة الضلع، تكسرها فدارها تعش بها » .
وبعد . فهذا غيض من فيض مما خرج من لسان الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم في « المرأة » في صفاتها وضعفها الفطري ومسؤوليتها وعاداتها وأعمالها التي لا يحبها الله ورسوله.
وفي ذلك . . بيان ومقنع وكفاية عن المزيد . وصلى الله و سلم على من أعطى المرأة حقها وأنقذها من العبودية وحررها من سلاسل الذل والهوان، والسلام على من اتبع طرق السنة وهدى القرآن، والله هو الموفق وهو المستعان .
*الهوامش :*
(١) صحيح البخاري : كتاب الآداب، باب المعاريض .
(٢) مسند أحمد ( ٥/ ٣٠٥ ) .
(٣) قال صاحب كشف الخفاء : رواه الدار قطني والرامهرمزي والعسكري في الأمثال .
(٤) النسائي، كتاب الزينة.
(٥) الترمذي: أبواب الاستئذان .
(٦) مسلم، كتاب الرضاع.
(٧) البخاري : كتاب الجمعة.
(٨) مسند أحمد ٥/ ٦ ) .
(٩) الرافعي : تاريخ آداب العرب ٢/ ٣٥١ ( الهامش ) . مطبعة الاستقامة، الطبعة الثانية ١٣٥٩ھ - ١٩٤٠م .
( ١٠) وحي القلم ٣/ ٢٢ ، دار الكتاب العربي، بيروت .
( الثلاثاء : ١١ من شوال ١٤٤٧ھ = ٣١ من مارس - آذار - ٢٠٢٦م ) .
تعليقات
إرسال تعليق