أعرفت يا طالب العلم ! ما هي عظمةالأدب ومكانةالأديب . . ؟
على مائدة العلم والأدب
أعرفت يا طالب العلم !
ما هي عظمةالأدب ومكانةالأديب . . ؟
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
لست أدري ماذا أقول .. ؟
هل أقول : من الطريف .. ؟
أو أقول : من المضحك .. ؟
أم أقول: من المؤسف .. ؟
مهما تختلف تعبيراتي ..
ولكن الحقيقة واحدة ومؤلمة ..
وهي : أن ( الأدب ) ظل - منذ قديم - مظلومًا، معتدى عليه، مبخوسًا حقه، منظورًا إليه - غالبًا - نظرة شزراء .. نظرة مشوبة بالانتقاص والازدراء .
وكأنه - الأدب - غريب دخيل .. أو ضيف طارىء اقتحم حِمَانا الثقافية على كره منا .. مع أنه - الأدب - من صميم ثقافتنا .. ، بل من صميم ديننا .. - كما سيأتي - ، ومما لا يُستغنى عنه البتة ..
هذا الذي أقوله . . لا أقوله جزافًا . . أو كلامًا على الهواء ..
بل هو معلوم لدى الذين قرأوا كتب التراث ..
فلو لا الأدب مكروهًا بغيضًا لدى الكثيرين .. لما قال الزهري : *" الأدب ذكر لا يحبه إلا الذكور من الرجال، ولا يبغضه إلا مؤنثهم "* ، وقال : " إذا سمعت أدبا فاكتبه ولو في حائط " . (١)
على أن هناك - في المقابل - حقيقة سارة تثلج صدور رجال الأدب أن عدد محبي الأدب - لم يزل - يفوق عدد الذين يبغضونه بكثير وكثير ..
وليت شعري لِمَ يبغض الأدبَ من يبغضه .. ؟!
ولا نستطيع أن نردد هنا الجملة المعروفة : " الناس أعداء ما جهلوا " ..
فهؤلاء الذين عرف عنهم البغض للأدب .. أو الذين يبغضونه اليوم .. ليسوا بجاهلين لقيمة الأدب ودوره في صقل الملكة وتثقيف اللسان وتحسين البيان وتنشيط الذهن، وتوسيع العقل و تنويرالمدارك، وتعليم الإنسان مواقعَ محاسن الكلام من مقابحه ، وتجنيبه الخطأ فيه وما إلى ذلك من الفوائد التي لا تخفى ..
فالأدب - الحقيقي - طبعًا - ما عُرف منه إلا الخير والإسعاد والإغناء والاتحاف بالطرف، ونثر الدرر واللآلي في أحضان طالبيه ومحبيه ..
فالشيء أو الرجل لا يُكره إلا إذا عرف منه ما يستدعي ذلك ..
وإذا كان الأمر بالعكس .. فالحب والتقدير والترحيب أمر معروف ..
فلماذا البغض للأدب وأهله يا قوم .. ؟!
الأدب - الحقيقي الذي ندعو إليه - ينفع ولا يضر، ولا يؤذي أحدًا .. يمنح ولا يرزأ .. يزين و لا يشين .. ينشط الذهن، ويخصب القريحة، ويرهف الشعور، ويسمو بالفكر، ويعطي الخيال آفاقًا أوسع للطيران .. وما إلى ذلك ..
ثم الأدب لا يحول دون البراعة في العلوم الشرعية .. بل بالعكس يساعد في إتقانها وإدراك غوامضها ودقائقها ..
وفي هذا الصدد تنسب إلى السلف أقوال كثيرة تؤيد ما أشرنا إليه من أن الأدب مع الشريعة لا ضدها، وسنذكر بعضها فيما يلي :
*الأدب كما يراه العلماء من السلف والخلف*:
لقد كان السلف يحتفون بالأدب ويعترفون بقيمته، ويعتنون بتعلمه، ويشجعون على تحصيله، لما له من أثر في النهوض بالأمة وتوعيتها بمهامها، وواجباتها، وكان العلماء الكبار يتواصون ويتناصحون ويهتمون بالأدب تعلمًا وتعليمًا، وفحول الشعراء يبينون فضله وأهميته في عيون أشعارهم، ويدعون إلى الأخذ منه بحظ وافر، فيقول شاعر :
أرى العلم نورًا و التأدب حلية
فخذ منها في رغبة بنصيب
وليس يتم العلم في الناس للفتى
إذا لم يكن في علمه بأديب
- وكان عبد الله بن المبارك يقول :
" أنفقت في الحديث أربعين ألفًا، وفي الأدب ستين ألفًا، وليت ما أنففته في الحديث أنفقته في الأدب، قيل له : كيف ؟ قال : لأن النصارى كفروا بتشديدة واحدة خففوها، قال تعالى : « يا عيسى إنى ولّدتك من عذراء بتول، فقالت النصارى : ولدتك » . (٢)
- وقال : « تعلموا العلم شهرًا، والأدب شهرين » . ( ٣)
- كما ينسب إليه قوله : « نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم » .
- ومما جاء في معجم الأدباء : « قال أبوبكر بن مجاهد قال : كنت عند أبي العباس ثعلب، فقال : يا أبا بكر : اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أهل الفقه بالفقه ففازوا، واشتغلت أنا بـ : " زيد وعمرو " .. فليت شعري ما يكون حالي في الآخرة ؟ فانصرفت من عنده، فرأيت تلك الليلة النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي : أقرىء أبا العباس عني السلام، وقل له : إنك صاحب العلم المستطيل، قال الرُّوذَباري : أراد أن الكلام به يكمل، والخطاب به يجمل، وقال مرة أخرى : أراد أن جميع العلوم مفتقرة إليه » . ( ٤)
- كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه :
« أما بعد . فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن، فإنه عربي » .
وقال - أيضا - :
« تعلموا العربية، فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض، فإنها من دينكم » .
فهذا الذي أمر به عمر رضي الله عنه - من فقه العربية وفقه الشريعة - يجمع ما يحتاج إليه، لأن الدين فيه فقه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو الطريق إلى فقه أعماله . (٥)
- نظرًا إلى كون العربية أساسًا في فهم الكتاب والسنة ... أوجب شيخ الإسلام ابن تيمية تعلم العربية على المسلم، يقول :
« إن نفس اللغة العربية من الدين ، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا باللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب » . ( ٦ )
وكذلك قال الإمام الشاطبي - رحمه الله - في كتابيه : " الاعتصام " و " الموافقات " .
ولم يكتف الإمام الشافعي رحمه الله بإيجاب تعلم العربية فحسب، بل أوجب على المسلم بذل أقصى الجهد في تعلمها، يقول في كتابه : " الرسالة " :
« فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد به أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك » . (٧)
وذكر الشافعي أنه كلما ازداد الإنسان علمًا باللسان العربي، كان خيرًا له، وقال بعض العلماء : إنه لم يخالف الشافعي أحد في هذا الحكم، فكان ذلك كالإجماع .
- وقال الإمام ولي الله الدهلوي رحمه الله :
« السعيد منا من حصلت له مشاركة في لسان العرب والصرف والنحو وكتب الأدب، واطلع على الحديث والقرآن » . (٨)
- وقال بعض الفقهاء :
« حب من الناس حب من الله، وما صلح دين إلا بحياء، ولا حياء إلا بعقل، وما صلح حياء ولا دين ولا عقل إلا بأدب » . (٩)
ذكرت الكتب أنه كان لعمر بن عبد العزيز اهتمام بسماع الأدب و روايته، فقد روي عنه قوله :
- " ما كلمني رجل من بني أسد إلا تمنيت أن يمد له في محجته، حتى يكثر كلامه، فأسمعه " ، فاختصهم بالفصاحة والبلاغة لحسن منطقهم وأدائهم الحجة أداء فنيًّا جميلًا وعندما أحسن رجل في طلب حاجة بين يديه، وتأتى لها بكلام وجيز ومنطق حسن، أثار إعجابه الإيجاز وحسن المنطق، فقال :
- " هذا والله السحر الحلال، وكان حريصًا على أدب يلتزم الإسلام ويقف إلى جانب الحق فيما يرويه ويحفظه من أشعار، فقد عرف عنه كثرة إنشاده شعرَ عبد الله بن عبد الأعلى القرشي، الذي يقول فيه :
تجهزي بجهاز تبلغين به
يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثّا
وسابقي بغتة الآجال وانكمشي
قبل اللزام فلا منجى ولا غوثا (١٠)
- وقال أديب الفقهاء وفقيه الأدباء الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله عن أهمية الأدب :
« . . . ومن هنا جاءت عظمة الأدب، وجاء خلوده، أنه ليس كالعلوم، إن قرأ طالب الطب في كتاب ألف قبل أربعين سنة، سقط في الامتحان، أما طالب الأدب فيقرأ شعرًا قيل من ألف وخمسمائة سنة، ولا يزال جديدًا كأنه قيل اليوم، لا .. لا تقولوا إن العلوم تترقى وتتقدم وتسعى إلى الكمال، لأن الجواب حاضر، إن الأدب قد بلغ سن الرشد وحدّ الكمال، من قبل أن يولد العلم، وقد عاش البشر دهورًا بلا علم، ولكنهم لم يعيشوا يومًا بلا أدب، إن آدم قال لحواء كلمة الحب، لم يحدثها في الكيمياء، ولا حل معها مسائل الجبر في رياض الجنة، والحب أول كلمة في سجل الأدب .
الشعر أخلد من الكيمياء، وأبقى من الرياضيات، كم مرة تبدل نظريات العلم، منذ نظم هوميروس قصيدته إلى اليوم، وأشعار هوميروس لا يزال لها رونقها ومنزلتها " . (١١)
و - أيضا - قال :
« وهل في الدنيا بعد الدين شيء أعظم من الأدب، إنه كلام، ولكنه كلام يجر فعالًا، إنه كلام ولكنه يقيمكم إن كنتم قاعدين، ويقعدكم إن كنتم قائمين، ويدفع بكم إلى الموت، ويأخذ بأيديكم إلى الحياة، وكذلك يتصرف الأدباء بالناس » . (١٢)
- ولعل خير و أوضح ما قيل في الأدب ، ما قاله العالم الأديب الكاتب الإسلامي الشهير أحمد حسن الزيات، فهو - عندي - من أروع ما قرأت في قيمة الأدب الذي ندعو إليه .. يقول :
« الدين الإسلامي والأدب العربي متلازمان تلازم المعنى واللفظ، أو الفكر والأداء، ولا يتسنى لرجل الهداية والإصلاح أن يُبَلًِغ دعوةَ محمد إلا إذا تمكن منهما تمكن الجاحظ والزمخشري ومحمد عبده ورشيد رضا والمراغي » . (١٣)
- ومما قرأنا بهذا الصدد :
( في العصور الأولى كادت العربية أن تكون مرادفة للإسلام، فقد سأل أبو جعفر المنصور - يومًا - مولى لهشام بن عبد الملك ( ت ١٣٣ھ ) عن هويته، فقال المولى : " إن كانت العربية لسانًا، فقد نطقنا به، وإن كانت دينًا فقد دخلنا فيه" ) . ( ١٤)
بعد ما ذكرنا أقوال العلماء عن الأدب، نقدم - فيما يلي - نبذة مما قالوا عن الأدباء .
*ماذا قال العلماء عن الأدباء*
لعلو مكانة الأدب .. لم يزل الأديب موضع حفاوة واحترام في مجتمعه، محظيًّا بحب وإجلال ، ملء الأبصار، وملء الأسماع، وملء القلوب، يبؤه الناس مكانًا عليًّا، ويفرشون له المحاجر والقلوب .
- يقول الأصمعي : « قال لي أعرابي : ما حرفتك ؟ قلت : الأدب، قال نِعم الشيء .. فعليك به، فإنه ينزل المملوك في حد الملوك » .
وقال بُزُر جِمَهْر :
- « من كثر أدبه كثر شرفه وإن كان وضيعًا، وبَعُد صوته وإن كان خاملًا، وساد وإن كان غريبًا، وكثرت الحاجة إليه وإن كان فقيرًا » . (١٥)
يقول العالم الكبير والأديب الشهير الشيخ علي الطنطاوي عن الأديب :
- « الأديب في الأمة لسانها الناطق بمحاسنها، الزائد عن حماها، وقائدها إلى مواطن فخرها، وذرى مجدها » . (١٦)
ويقول أحمد أمين عن الأديب :
- « فالذي أراه أن رسالة الأديب هي من جنس رسالة الفيلسوف، كلاهما يرمي إلى إبراز الحقيقة ونقلها إلى عقل السامع أو القارىء، والأديب ينقلها إلى قلبه، ومن أجل هذا يستعين الفيلسوف بالمنطق وما يتبعه من مقدمات محكمة ونتائج مستلزمة، فهي بالعقل أليق، والأديب يؤدي الحقيقة من طريق الخيال الجميل والأسلوب الجميل، لأنهما بالقلب أليق » . (١٧)
لعظم قدر الأدب ورفعة مكانته، فضّل كبارُ أهل العلم الأديبَ على العالم، فقالو :
- « إن الأديب من يأخذ من كل فن أحسنه فيألفه، والعالم من يقصد بفن من العلم فيتعلمه » . (١٨)
وقال عبد الله بن مسلم بن قتيبة :
- « من أراد أن يكون عالمًا فليطلب فنًّا من الفنون، ومن أراد أن يكون أديبًا فليتفنن في العلوم » . (١٩)
من أجمل وأعظم ما قرأت عن الأديب ما كتبه العالم الأديب أحمد حسن الزيات، فهو سما بمكانة الأديب سموًا لا يتصور فوقه سمو ... فقد رفعها حتى كاد أن يوصلها إلى مكانة النبي .. ولم أقرأ وصفًا للأديب مثل وصف الزيات له ..
وسأنقل هنا مقتطفات من مقاله : " الأدب يوجِّه - بكسر الجيم المشددة - ولا يوجَّه " الذي يضمه كتابه الشهير : " في ضوء الرسالة " ، لكي يعرف الأديب مكانته، و - أيضًا - ليعرف المجتمع عظمة الأديب ودوره الكبير في الاضطلاع بأعباء مهام ثقال تنوء بحملها العباقرة والنوابغ من حملة المعارف والعلوم الأخرى ..
يبدأ الأستاذ أحمد حسن الزيات مقاله بتمهيد يجلي مكانة الأديب المتميزة من بين سائر الناس، فيقول :
- « ليس الكاتب أو الشاعر الخليق بهذا الوصف إنسانا كسائر الناس تبين له الوجهة وتعين له الغاية، وإنما هو إنسان أعلى، ميزه الله بقوة الفكر وحِدًَة العاطفة وسمو الخيال، ليشارك في عملية التقدم العام لركب الخليقة، يدفعه بحوافزه العظمى إلى الأمام، ويرفعه بمثله العليا إلى فوق » .
ويمضي الزيات يتحدث عن خصائص الأديب ومداركه غير العادية، التي يُعطاها من لدن الوهاب الحكيم - من قوة التفكير ورقة الشعور وإرهاف الحس وسمو الخيال - و التي تميزه عن غيره من الناس، فيقول :
« فهو من أصحاب الرسالات الفكرية، الذين يشعرون قبل غيرهم بالنقص لقوة الحس فيهم، ويفكرون أكثر من غيرهم في الكمال لصفاء النفس منهم، ويتخيلون دون غيرهم ما وراء الواقع لخصوبة الخيال لديهم، وحكمُهم في تبليغ رسالات الله عن طريق الإلهام، حكمُ الأنبياء الذين بلغوا رسالاته عن طريق الوحي، إلا أن طبيعة الرسالة الأدبية تختلف عن طبيعة الرسالة الدينية .. رسالة الأدب تغذية الشعور بالجميل والجليل، ورسالة الدين تقوية الضمير بالخير والحق » .
ويوضح الزيات رسالة الأديب الخطيرة قائلًا :
« فالأديب الموهوب زعيم بالفطرة، توجهه نفسه الكبيرة، بطبيعتها إلى أن يحرك في شعبه الشعور بالنقص، ويوقظ في وحيه الطموح إلى الكمال، بتلك الصرخات التي يرسلها فيه، مؤلفة في كتب، أو منظومة في قصائد، أو مصورة في مقالات، أو محللة في قصص، أو ممثلة على مسرح » .
ويستطرد الزيات يلفت الأنظار إلى عظمة الأدباء وجلالة قدرهم، حتى يشبههم كالأنبياء .. يقول :
« والأدباء، كالأنبياء يصطفيهم الله من خلقه، ويصنعهم على عينه، ويؤتيهم العلم من لدنه .. فقول رجال الدين : " ما اتخذ الله من نبي جاهل، ولو اتخذه لعلّمه " يصدق على الأديب . فهوميروس ودانتي وشكسبير وموليير وبرنارد شو في الغرب، ولقمان وكونفشيوس وزهير وعلي وابن المقفع والمتنبي في الشرق، كانوا في العلم اللدني أشبه بموسى وعيسى ومحمد في الرسل، لم يتلقوا الآداب عن أستاذ، ولم يتخرجوا في العلوم من جامعة، وإنما أفاض الله عليهم من علمه، وكاشفهم بالمحجوب من غيبه، فانبثقت في أفئدتهم أشعة الهداية، وتفجرت على ألسنتهم ينابيع الحكمة، فأتوا بما لم يأت به فيلسوف ولا عالم » .
ما جاء في السطور الأخيرة، لا يعبر عن موافقتنا الكاملة عليه بالضرورة . . إلا أن ذلك يوحي بل يدل دلالة واضحة على رفعة قدر الأدباء وخطورة شأنهم .
هذا وصاحبنا الزيات يلقي مزيدًا من الضوء على مكانة الأديب الخاصة، فيجعله شامة بين الناس .. يقول :
« ... أن الأديب من صنع الله ومن إعداد الطبيعة، فانتظروا حتى يرسله، فإذا أرسله، فاتبعوه ودعوه يعمل على سجيته، لا ترسموا لرسالته الحدود، ولا تقيموا لقريحته الحواجز، ولا تحبسوه في القفص الذي حبستم فيه البلبل، ولا تعوقوه بالسد الذي عوقتم به النهر، دعوه يرسل التغريد في كل أفق، ويسلسل الخرير في كل اتجاه » .
ويختم الزيات مقاله بكلمة واضحة حاسمة عن الأديب .. حتى لا تكون هناك أي شبهة أو غموض في فهم مكانة الأديب .. يقول :
« ولا يشتبهن عليكم أمره، فإن له علامات تميزه وتدل عليه :
إنه إنسان متمرد متجدد منطلق .. لا يرجع القهقرى .. ولا يطيق الركود، ولا يقبل الإسفاف، لا يهتم بقواعد البلاغة، لأن قوانينها مقتبسة من فنه، ولا يعبأ بمذاهب النقد، لأن مقاييسها مقدَّرة على كلامه، يبصر في الظلام أبعد مما يبصر في النور، ويشعر في الشدة أقوى مما يشعر في الرخاء، وينتج في القيد أبلغ مما ينتج في السراح، لأن الرسول إنما يرسله الله حين يطغى الظلم ويبعد الضلال ويبغي المنكر، حتى إذا بلغت الرسالة واستكان الجور واستبان الطريق، فتر الوحي، وهدأ الجهاد، وقرت النفس، وعادت الأنوار إلى مشرقها الأول » . (٢٠)
*الهوامش والمراجع*:
(١) الجاحظ : المحاسن والأضداد
ص ١٣ ، دار الجيل، الطبعة الأولى ١٩٩٧م، بيروت .
(٢) ياقوت الحموي: معجم الأدباء
دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان. ١/ ٧١ - ٧٢ .
(٣) أيضا : ١/ ٨٩ .
(٤) أيضا : ٥/ ١٣٩ .
(٥) أبو العباس تقي الدين بن تيمية : اقتضاء الصراط المستقيم .
ص ٢٠٧، مكتبة أنصار السنة المحمدية، لاهور .
(٦) أيضا : ٢٠٧ .
(٧) الإمام الشافعي : الرسالة .
تحقيق : أحمد محمد شاكر، ص : ٤٨، المكتبة العلمية، بيروت .
(٨) المقالة الوضية في النصيحة والوصية لشاه ولي الله الدهلوي ، نقلًا من "العرب والإسلام " للشيخ الندوي رحمه الله .
(٩) معجم الأدباء: ١/ ٦٩ .
(١٠) مجلة الأدب الإسلامي ، العدد: ٣٢ .
(١١) علي الطنطاوي: رجال من التاريخ
ص : ١٨٧، حسان بكدبو، لكناؤ، الهند .
(١٢) علي الطنطاوي : ذكريات علي الطنطاوي : ٣/ ٣٤٣ .
دار المنارة، الطبعة الثانية ١٤.٩ھ ١٩٨٩م ، جدة، السعودية .
(١٣) أحمد حسن الزيات : وحي الرسالة : ٤٨٣ ، الطبعة الأولى ١٤٣٨ ھ - ٢٠١٧ م ، دار الصحوة، القاهرة .
(١٤) مجلة الداعي، دارالعلوم ديوبند ، العدد : ٨ ، ١٠ شعبان ١٤٣١ھ ، من مقال للدكتور محمد البلاسي .
(١٥) معجم الأدباء : ١/ ١٧٤ .
(١٦) ذكريات علي الطنطاوي : ٢/ ٢.٤ .
(١٧) أحمد أمين : فيض الخاطر : ١ / ٢٩٣ .
مكتبة النهضة المصرية، القاهرة .
(١٨) معجم الأدباء : ١/ ٧٣ .
(١٩) أحمد بن محمد عبد ربه : العقد الفريد
ص : ١/ ١٠١ .بتحقيق محمد سعيد العريان ، دار الفكر ، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض . السعودية.
(٢٠) أقوال الزيات عن الأديب منقولة من : " في ضوء الرسالة " . ص : ٧٠، ٧١، ٧٢، الطبعة الأولى ١٩٦٣ م ، مكتبة نهضة مصر بالفجالة ، القاهرة .
( السبت : ٢٩ من شوال ١٤٤٧ھ = ١٨ من أبريل - نيسان - ٢٠٢٦م ) ۔
تعليقات
إرسال تعليق