ندوة العلماء وأبناؤها في نظر الطنطاوي (٢)

 على مائدة العلم والأدب

ندوة العلماء وأبناؤها في نظر الطنطاوي (٢)


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند


للعرب خصائص ومزايا يمتازون بها عن غيرهم من الأمم والشعوب، منها أنهم - العرب - كرماء نبلاء أجواد أسخياء بالاعتراف بالحسنات والمكارم  لأصحابها، فلا يضنون بالاعتراف بالفضل لذويه،  أيّا كانوا . . منهم أو من غيرهم .. فهم السباقون - عن طوع وارتياح  وانشراح صدر وطيب خاطر - إلى الإشادة بالمحاسن والفضائل لحامليها، وإلى التقدير للصنائع لصانعيها، والعرفان بالجميل لمسديه، والشكر على الخير لباذليه .

وتلك - والله - ميزة يكاد العرب ينفردون بها دون غيرهم، ويستحقون الإشادة بميزتهم هذه كل الإشادة ! 

ومن هنا .. وجدنا العرب أعظم اعترافًا بمآثر الشيخ أبي الحسن الندوي وأكثر تقديرًا لإنجازاته من بني جلدته وأبناء بلده أنفسهم  .. بل لعل العرب هم الذين اكتشفوا ما حباه الله به من المواهب والقدرات، وأظهروها للناس، فباكتشفاهم - هُم -  لشخصيته الفذة المتميزة، وتقديرهم البالغ لها، التفت  بنو قومه وأهل بلده إليه ( أزهد الناس في العالم أهله وجيرانه  .. وكما يقال في المثل الأردي : إن تحت السراج ظلامًا ) وعَلِموا بما كان خُص به من المزايا، وما تفرد به من الخصائص والصفات، التي بذّ بها كثيرًا من أقرانه من العجم والعرب .

ومن هنا . . إن العرب قدروا أبا الحسن الندوي حق قدره، وعرفوا له فضله ومكانته كما ينبغي أن تُعرف . . ولا يعرف الفضلَ إلا ذووه! 

هذه السطور كتبتها كمقدمة أو تمهيد للآتي .. 


*مختارات من أدب العرب* 

كتب الشيخ أبو الحسن الندوي سلسلة من الكتب العربية للناشئين والطلاب، يراعي فيها أذواقهم وأعمارهم، ويحبب إليهم العربية ويسهلها لهم، ويقفهم على مختلف أساليبها البيانية وطرقها التعبيرية ومناهجها الكلامية بتقديم نماذج مختارة من كلام البلغاء وأمراء البيان العربي عبر مختلف العصور والأزمان .. 

فكان بدأ هذه السلسلة بـ : قصص النبيين ( خمسة أجزاء ) ثم : القراءة الراشدة ( ثلاثة أجزاء) ، حتى وفق إلى تأليف : مختارات من أدب العرب .. ذلك الكتاب الذي استلفت الأنظار في العالم العربي، ولم يعرف قيمته وأهميته إلا العرب، ومنهم - طبعًا - صاحبنا الطنطاوي الذي كان من أعظمهم إشادة بالكتاب وتقديرًا لأهميته، يقول شارحًا مزايا الكتاب وفضله على غيره من المؤلفات التي كتبت في هذا الموضوع :

" وإذا كان الدليل على ذوق الأديب اختياره، فحسب القراء أن يعلموا أننا عرضنا من أمد قريب كتب المختارات الأدبية، لنتخير واحدًا منها نضعه بين أيدي تلاميذ الثانويات الشرعية في الشام، وذهب كل واحد من أعضاء اللجنة، وكلهم من الأدباء، يبحث ويفتش، فعدنا جميعًا وقد وجدنا أن أجود كتب المختارات المدرسية، وأجمعها لفنون القول وألوان البيان : مختارات أبي الحسن .

ولقد كنت أتمنى من قديم أن نخرج بتلاميذنا من هذا السجن الضيق المظلم الذي حشرناهم فيه، إلى فضاء الحرية، و إلى ضياء النهار، فلا نقتصر في الاختيار على ( وصف الكتاب ) للجاحظ، وهو جمل مترادفة، لا تؤلف بينها فكرة جامعة، ولا يمدها روح، ولا تخالطها حياة، وعلى ألاعيب ابن العميد، وغلاظات الصاحب، وهندسات القاضي الفاضل، فتنفر التلاميذ من الأدب، وتكرهه إليهم، وكنا نقول لهم إن البيان الحق عند غير هؤلاء، وأن أبا حيان التوحيدي أكتب من الجاحظ، وإن كان الجاحظ أوسع رواية، وأكثر علمًا، وأشد تصرفًا في فنون القول، وأكثر أستاذية، وأن الحسن البصري أبلغ منهما، وأن ابن السماك أبلغ من الحسن البصري .

وإن النظر فيما كتب الغزالي في الإحياء، وابن خلدون في المقدمة، وابن الجوزي في الصيد، وابن هشام في السيرة، بل والشافعي في الأم، والسرخسي في المبسوط، أجدى على التلميذ وأنفع له في التأدب، من قراءات حماقات الصاحب، ومَخرقات الحريري وابن الأثير .

و كتبت في ذلك مرارًا، فما التفت إلى ذلك أحد، فيئست منه، حتى وجدت كتاب أبي الحسن، فإذا هو قد نفض كتب الأدب والتاريخ نفضًا، وحرثها حرثًا، فاستخرج جواهرها، فأودعها كتابه .

ولست أقول أني أنا صاحب الفكرة، أو أنه أخذها مني، لا ، ولعله ( وهذا ما أرجحه ) ما قرأ شيئًا مما كتبت أنا ولا غيري في هذا الموضوع، ولكنه الذوق الأدبي المرهف، والطبع العربي الأصيل " (١) .


أرأيتم كيف اعترف الطنطاوي بميزة مختارات أبي الحسن على غيرها اعترافًا مفتوحًا واضحًا صريحًا ..

وهذه من خصائص العرب .. فهم يقدرون الفضل لصاحبه دونما تحفظ أو تعصب أو انحياز .. وتلك ميزة جديرة بالائتساء والتقليد، والإشادة والتحبيذ . 

رحم الله الطنطاوي والندوي رحمة واسعة .


الهوامش : 

(١) مقدمات علي الطنطاوي  : ٨٧، ٨٨ . 

الطبعة الأولى : ١٤١٨ھ - ١٩٩٧م، دار المنارة، جدة، السعودية .


              ( يتبع )


( الأحد : ٢ من شوال ١٤٤٧ھ ھ = ٢٢ من مارس - آذار - ٢٠٢٧م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده