محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء
على مائدة العلم والأدب (١٧)
محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم
المثل الأعلى للأدباء
*الأدعية النبوية وخصائصها*
مكانة الدعاء في الإسلام :
كان الدعاء في الجاهلية - كجميع العبادات والطاعات - مهملًا مضاعًا، وإذا كان في شكل ما، فكان حظ « الآلهة الكثيرة » ، فلما جاء الإسلام أعاد إليه مكانته وقيمته وبهاءه ورونقه، وأعطاه حقه من الإخلاص والضراعة والخشوع، وخصه بالله العلي الكبير فاطر السموات والأرض، وحث عليه نبي الإسلام في الأحاديث الكثيرة :
« ليس شيء أكرم على الله من الدعاء » ، رواه الترمذي .
« الدعاء مخ العبادة » ، الترمذي .
وفي رواية : « الدعاء هو العبادة » ، الترمذي .
وقال : « الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات والأرض » .
وهدد عليه الصلاة والسلام المعرضين عن الدعاء بالعذاب الأليم فقال : « من لم يسأل الله يغضب الله عليه » ، الترمذي .
وقال الله تعالى في القرآن المجيد : { إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } ، وقد وجدت ذخيرة حية من الدعاء، تعتز بها المكتبة الإسلامية الغنية، وتمتاز عن جميع المكتبات العالمية - على غناها واتساعها - .
*أدب الابتهال*
سمى الأستاذ أحمد أمين هذه الذخيرة الحية الأدبية العظيمة - من الدعاء - لكونها تحتوي على مستوى أعظم من الأدب والقوة والتضرع والتأثير، سماها : « أدب الابتهال » ، يقول :
" هذا نوع من الأدب راقٍ جدًّا في الأدب، ولكن لم يلتفت إليه مؤرخو الأدب، والابتهال في اللغة التضرع والاجتهاد في الدعاء ، والإخلاص لله فيه، ومن ثم استمد روحانيته وقوته من موقف المبتهل، حيث يتجرد من شئون الحياة وأعراضها ومشاكلها وعلائقها، ويتفرغ إلى ربه، ويناجيه ويسمو عن المادة وحقارتها، فكان بذلك أدب روح لا أدب مادة " .(١)
*دعاء نبي الإسلام :*
ما ظنك برجل نزل عليه القرآن، وشُرّف بالوحي من الله، وتوفرت له الينابيع الصافية من العوامل المشكلة للأدب، وتفتيق القريحة وتحريك الوجدان وإفاضة اللسان ما لم يتوفر لأحد، وكان أتقى لله، وأكثر الناس مشاهدة لكبرياء الله وعظمته وقوته وبدائع خلقه، وكان من صفاته : « له أزيز كأزيز المرجل » .. وقد تولاه الله بنفسه تأديبه وتربيته، وكان خلقه القرآن، وذاته أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر .
وما ظنك بهذا الرجل حينما يناجي ربه كأنه يراه بعيني الإيمان واليقين اللذين ليس فوقهما إيمان ولا يقين، كيف تتدفق قريحته - يا ترى ـ وينطلق لسانه في خضوع وإنابة وإلحاح - بآيات من الحكمة والبيان، والمضامين الشريفة والأشكال التعبيرية الغرة.
من هنا . . من هذه الينابيع الصافية . . من هذه الخشية والابتهال، من هذا اللسان المتأدب بالقرآن، من هذا كله بل من أكثر من هذا .. كان الدعاء النبوي . . . وهاكم ما قاله سماحة الشيخ الندوي في الدعاء النبوي وروحانيته وبلاغته وقوته وإعجازه وينابيعه التي تفجر منها، يقول :
" ولم تكتف النبوة المحمدية - على صاحبها الصلاة والسلام - بهذا التجديد في الدعاء، ولم تقتصر على هذا القدر من التكميل في بابه، بل تخطته، فبينما علّمَنا النبي الدعاء إذا هو جعل مكتبات العالم الأدبية تزخر وتموج، فعادت تفيض بالجواهر واليواقيت التي عييت آداب العالم - على غناها - عن أن تقدم نظيرها في لمعانها، وصفائها وبهائها، اللهم إلا بعض الصحف السماوية والكتب المنزلة، فقد دعا النبي ربه بكلمات وألفاظ لم يستطع أحد - ولن يستطيع - أن يأتي بأكثر منها تأثيرًا وبلاغة، وأحسن منها اعتدالًا واتزانًا، ومن ثم . . فهذه الأدعية دليل مستقل من دلائل نبوته، ومعجزة ذاتية كمعجزاته الأخرى الكثيرة، وإنها - بنفس الوقت ـ تدل دلالة صارخة على أنها إنما جرت على لسان رسول من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فيشع منها نور النبوة، ويتجلى فيها يقين الأنبياء و تمتزجها عبودية « العبد الكامل » وتواضعه، ويتجلى فيها اعتماد حبيب رب العالمين وثقته، وتسري فيها طبيعة النبوة مع بساطتها وعفتها، وتجمع بين بساطة القلب المتألم وانكساره، وإلحاح ذي الحاجة وقلقه واضطراره، وحزم من يقف على آداب العتبة الإلهية والبلاط القدسى وأدبه، والاعتماد على مواساة المؤاسى وإغاثته، وبين إظهار الألم، وإعلان الواقع الصادق كما قال الشاعر الفارسي : ( رب قد أصبتني بالألم، فواسيتنى أنت واحتضنتني أنت بالعطف والحنان، وعالجتني أنت بنفسك ) " . (٢)
*الشكل التعبيري للأدعية النبوية*
لا يمكن استيعاب الخصائص الأدبية للأدعية النبوية - على صاحبها الصلاة والسلام - لمثل هذا العاجز الضئيل الحظ من العلم والأدب، القاصرِ الوصول إلى هذه البلاغة العالية العجيبة، غير أني أحاول أن أذكر بعض الخصائص البيانية الشكلية للأدعية النبوية - فيما يلي - بإيجاز :
من سمات الأدعية المحمدية المؤثرة الظاهرة - التي يكاد يشعر بها الباحث فيها في أول وهلة - تأثرُها الواضح بالبلاغة القرآنية والأشكال الفنية القرآنية من الأدعية التي حكاها الله في كتابه العظيم على ألسنة عباده الصالحين من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين والعباد المؤمنين، وتمتاز هذه الأدعية الرقيقة المرققة بصدورها في بيان عال متوازن في أسلوب سهل يسير، مزدان بنغمات الفواصل والمقاطع، وجمال الفقرات المسجعة - في كثير من الأحيان - من غير تكلف وقصد إلى السجع، إنما هو فيض الخاطر وتدفق القريحة الفائضة المتأثرة بأدب القرآن، وبلحن هادئ رائع مؤثر، و ــ أحياناً ـ بحوار لطيف حان (٣) ، ورشاقةِ الألفاظ وحسن صياغتها، والتعبير عن « القلب الكبير » و « النفس العظيمة » تعبيرًا لا يضارعه تعبير، وتمثيل مشاعر الحب والعبوديــة والإخلاص والإنابة تمثيلًا معجزًا دقيقًا، وما إلى ذلك من روائع الحكمة والبيان، وآيات الأدب والتعبير الموحى البليغ والتناسق الفني العجيب والتصوير الرائع البديع .
*نظرة عامة على المضامين الشريفة للأدعية النبوية*
- كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم - في كثير من الأحيان ـ بما دعا به إخوانه مـــــن الأنبياء، وخاصة بما دعاه أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) من الدعوات الصالحات المباركات، التي ورد ذكرها في القرآن الكريم . .
- طلب الخير والعافية والنجاة من كل سوء وبلاء ومرض ومكروه .
- كثرة الشكر لله بما أنعم به عليه وعلى عباده من النعم الظاهرة والباطنة .
- الاعتراف بعظمة الله وكبريائه وقوته وجميع صفاته اللائقة بذاته، وإظهار ضعفه والاعتراف بعجزه .
- التعوذ من عذاب النار ومن كل ما يجلب سخط الله ونقمته، وجميع ما نهى الله عنه وخاصة من شر النفس.
- الحنين إلى رضا الله وطلبه، وإظهار الرضى بالاكتفاء بالقوت الحلال وطلب تحسين الأخلاق ونصر الله وعونه وكرمه.
- التمثيل الصادق الجامع للحاجات البشرية جمعاء .
هذا . في الحلقة القادمة نقدم - إن شاء الله تعالى - نماذج من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم مع الإشارة إلى ميزاتها الأدبية والبلاغية.
*الهوامش*:
(١) فيض الخاطر ٤/ ٢٤٦، الطبعة السادسة ١٩٧٦م، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.
(٢) دراسة أدبية للسيرة النبوية من خلال الأدعية الماثورة المروية، ص : ١٣، المختار الإسلامي، القاهرة ١٣٥٨ھ - ١٩٧٨م
(٣) سيأتي مثاله في نماذج الأدعية النبوية .
( الاثنين : ٢٠ من شعبان ١٤٤٧ھ = ٩ من فبراير - شباط - ٢٠٢٦م ) .
تعليقات
إرسال تعليق