معالم في طريق الطامحين : (٨)
على مائدة العلم والأدب
معالم في طريق الطامحين : (٨)
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
*(١٣) رتب المواعيد :*
نَظِّم الوقت، ورتِّب المواعيد في دفتر صغير، فوقتٌ للتلاوة والأوراد، ووقت للقراءة والمطالعة، ووقت للحفظ، ووقت للمذاكرة والإعادة، ووقت للنزهة والراحة .. ( لكل أجل كتاب) ، وهكذا دواليك . . !
ومما استفدته من بعض العلماء أن الصلاة ترتب الأوقات، أخذًا من قول البارىء : { إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } [النساء : ١٠٣] فلو أن العبد وزّع أعماله الدينية والدنيوية بعد كل صلاة لوجد سعة في الوقت، وفسحة في الزمن .
وأنا أضرب لك مثلًا : فلو أن طالب العلم جعل ما بعد الفجر للحفظ في أي فن شاء، وجعل بعد الظهر للقراءة السهلة في المجامع العامة، وجعل بعد العصر للبحث العلمي الدقيق، وما بعد المغرب للزيارة والأنس، وما بعد العشاء لقراءة الكتب العصرية والبحوث والدوريات والجلوس مع الأهل، لكان هذا حسنًا، والعاقل له من بصيرته مدد ونور . . { إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا } [الأنفال : ٢٩] .
في مكتبة الكونجرس لوحة مكتوب عليها : [ الكون بُني على النظم ] ، وهذا صحيح، ففي الشرائع السماوية الدعوة إلى التنظيم والتنسيق والترتيب، وأخبر سبحانه وتعالى أن الكون ليس لهوًا ولا عبثًا، وأنه بقضاء وقدر، وأنه بترتيب وبحسبان : { إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } [الرحمن : ٥] { لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [يس : ٤٠] { وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس : ٣٩).
*(١٤) داوِم على العمل*
قال الشوكاني : أوصاني بعض العلماء فقال : لا تنقطع عن التأليف ولو أن تكتب في اليوم سطرين ، قال : فأخذت بوصيته، فوجدت ثمرتها.
وهذا معنى الحديث : « خير العمل ما داوم عليه صاحبه، وإن قل » ، وقالوا : « القطرة مع القطرة تجتمع سيلاً عظيماً » :
أما ترى الحبل بطول المدى
على صليب الصخر قد أثرا
وإنما يأتينا الاضطراب من أننا نريد أن نفعل كل شيء مرة واحدة، فنمل ونتعب ونترك العمل، ولو أننا أخذنا عملنا شيئًا فشيئًا ووزعناه على مراحل، لقطعنا المراحل في هدوء، واعتبر بالصلاة، فإن الشرع جعلها في خمسة أوقات متفرقة، ليكون العبد في استجمام وراحة، ويأتى لها بالأشواق، ولو جمعت في وقت لمل العبد، وفي الحديث: « إن المُنبَتّ لا ظهرًا أبقى ولا أرضًا قطع » ، ووجد بالتجربة أن من يأخذ العمل على فترات، ينجز ما لم ينجزه من أخذه دفعة واحدة، مع بقاء جذوة الروح وتوقد العاطفة .
وكان صلى الله عليه وسلم يتخول الصحابة بالموعظة، كراهية السآمة عليهم، وكان ينهى عن التعمق والتكلف والتشديد، ويخبر أنه لن يشاد الدين أحد، إلا غلبه، وفي الحديث - أيضًا - أن الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، وفي الحديث - أيضًا - أن لكل عابد شرة، وهي الشدة والضراوة والاندفاع، ولا يلبث المتكلف إلا أن ينقطع ، لأنه نظر إلى الحالة الراهنة ونسي الطوارئ وطولَ المدة وملالة النفس، وإلا فالعاقل له حد أدنى في العمل يداوم عليه، فإن نشط زاد، وإن ضعف بقي على أصله، وهذا معنى الأثر من كلام بعض الصحابة : ( إن للنفوس إقبالًا وإدبارًا، فاغتنموها عند إقبالها ، وذروها عند إدبارها ) . (١)
*(١٥) اهتم بالحفظ وراع أوقاته وأمكنته*
يقال : [ من حفظ حجة ٌعلى من لم يحفظ ] ، وقالوا : [ حرف في قلبك خير من ألف في كتبك ] ، وقالوا : [ لا خير في علم لا يعبر معك الوادي، ولا يعمر بك النادي ] ، وقالوا أيضًا : قليل يوعى خير من كثير ينسى ] ، وقال أعرابي : [ حرف في قلبك خير من عشرة في طومارك ] ، وكان يقال : [ يكتب الرجل أحسن ما يصنع ، ويحفظ أحسن ما يكتب] وكان يقال : [ اجعل ما في كتبك بيت مال، وما في قلبك النفقة ] .
فلابد لطالب النبوغ أن تكون عندها ذخيرة وافية من حفظ ما يستحسن من الكلام المنظوم والمنثور، فبدون ذلك لا يمكن أن يكون مبدعًا أو مجيدًا للكلام، يقول ابن الجوزي :
" اعلم أن المتعلم يفتقر إلى دوام الدراسة، ومن الغلط الانهماك في الإعادة ليلًا ونهارًا، فإنه لا يلبث صاحب هذه الحال إلا أيامًا، ثم يفتر أو يمرض " .
وقد رُوِّينا أن الطبيب دخل على أبي بكر الأنباري في مرض موته، فنظر إلى مئة كتاب وقال : قد كنت تفعل شيئًا لا يفعله أحد، ثم خرج فقال : ما يجيء منه شيء .
فقيل له : ما الذي كنت تفعل ؟ قال : كنت أعيد كل أسبوع عشرة آلاف ورقة.
ومن الغلط تحميل القلب حفظ الكثير أو الحفظ من فنون شتى، فإن القلب جارحة من الجوارح، وكما أن من الناس من يحمل مئة رطل، ومنهم من يعجز عن عشرين رطلاً، فكذلك القلوب .
فليأخذ الإنسان على قدر قوته ودونها، فإنه إذا استنفدها في وقت . . ضاعت منه أوقات .
كما أن الشرِه يأكل فضل لقيمات، فيكون سببًا إلى منع أكلات، والصواب أن يأخذ قدر ما يطيق، ويعيده في وقتين من النهار والليل، ويرفه القوى في بقية الزمان، والدوام أصل عظيم ، فكم ممن ترك الاستذكار بعد الحفظ، فضاع زمن طويل في استرجاع محفوظ قد نسي .
وللحفظ أوقات من العمر، فأفضلها الصبا وما يقاربه من أوقات الزمان، وأفضلها إعادة الأسحار وأنصاف النهار، والغدوات خير من العشيات، وأوقات الجوع خير من أوقات الشبع .
ولا يحمد الحفظ بحضرة خضرة وعلى شاطئ نهر، لأن ذلك يُلهي، والأماكن العالية للحفظ خير من السوافل، والخلوة أصل، وجمع الهم أصل الأصول، وترفيه النفس من الإعادة يومًا في الأسبوع ليثبت المحفوظ وتأخذ النفس قوة كالبنيان يُترك أيامًا حتى يستقرَ ثم يبنٰى عليه، وتقليل المحفوظ مع الدوام أصل عظيم ، وأن لا يشرع في فن حتى يحكم ما قبله .
ومن لم يجد نشاطًا للحفظ فليتركه ، فإن مكابرة النفس لا تصلح، وإصلاح المزاج من الأصول العظيمة، فإن للمأكولات أثرًا في الحفظ، قال الزهري : ما أكلت خلاً منذ عالجت الحفظ ، وقيل لأبي حنيفة : بم يستعان على حفظ الفقه ؟ قال بجمع الهم ، وقال حماد بن سلمة : بقلة الغمّ.
ثم لينظر ما يحفظ من العلم، فإن العمر عزيز والعلم غزير، وإن أقوامًا يصرفون الزمان إلى حفظ ما غيره أولى منه، وإن كان كل العلوم حسنًا ، ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل.
وأفضل ما تشوغل به حفظ القرآن ثم الفقه، وما بعد هذا بمنزلة تابع . (٢)
فينبغي أن تكون عندك ملكة الاصطفاء، وموهبة الاختيار، فلا تقع عينك إلا على الأجل الأجمل، ولا يصطفى إلا الغالي النفيس .
*الهوامش* :
(١) لا تحزن للقرني : ١٨٤، ٣٠٢، ٢٩٩ ، الطبعة العشرون : ١٤٢٧ھ - ٢٠٠٦م .
(٢) صيد الخاطر لابن الجوزي : ١٧٧، المكتبة العلمية، بيروت .
( الأربعاء : ١١ من ذي القعدة ١٤٤٧ = ٢٩ من أبريل - نيسان - ٢٠٢٦م ) .
تعليقات
إرسال تعليق