معالم في طريق الطامحين : (٩)
على مائدة العلم والأدب
معالم في طريق الطامحين : (٩)
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
*(١٤) لا تكثرت بالأمراض والعاهات*
إن ذا الهمة وصاحب الطموح لا يحول دون تقدمه عذرٌ من مرض أو عاهة، أو فقر وفاقة، بل إنه يمضي قُدُمًا فى سبيل تحقيق طموحاته وآماله، غير مكترث بالعراقيل والسدود، وإن تاريخنا المجيد يزخر بمبدعين ونوابغ كانوا ابتلوا بأمراض وعاهات، ولكن أمراضهم المزمنة وعاهاتهم الشديدة لم تعرقل سيرهم في طريق تقدمهم ووصولهم إلى ما كانوا يصبون إليه من مجد وسمو، وبلوغ إلى المعالي .
يقول وليم جايمس : " عاهاتنا تساعدنا إلى حد غير متوقع، ولولم يعش دوستيو فسكي وتولستوي حياة أليمة لما استطاعا أن يكتبا رواياتهما الخالدة، فاليُتم، والعمى والغربة، والفقر، قد تكون أسبابًا للنبوغ والإنجاز، والتقدم والعطاء " .
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت
ويبتلي اللهُ بعضَ القوم بالنعم
إن الأبناء والثراء، قد يكونون سببًا في الشقاء : { فَلَا تُعْجِيكَ أمْوَالَهُمْ وَلا أوْلادُهُمْ } [التوبة : ٥٥] ، ألف ابن الأثير كتبه الرائعة كـ : "جامع الأصول" و " النهاية " بسبب أنه مقعد .
وألف السرخسي كتابه الشهير : " المبسوط " خمسة عشرمجلدًا، لأنه محبوس في الجب .
وكتب ابن القيم " زاد المعاد " وهو مسافر، وشرح القرطبي : (صحيح مسلم) وهو على ظهر السفينة، وجل فتاوى ابن تيمية كتبها وهو محبوس، وجمع المحدثون مئاتِ الآلاف من الأحاديث لأنهم فقراء غرباء .
وأخبرني أحد الصالحين أنه سُجن، فحفظ في سجنه القرآنَ كله، وقرأ أربعين مجلدًا، وأملى أبو العلاء المعري دواوينه وكتبه وهو أعمى !
وعمي طه حسين فكتب مذكراته ومصنفاته .
وكم من لامع عُزل من منصبه، فقدم للأمة العلم والرأي أضعاف ما قدم مع المنصب .
كم مرة حفّت بك المكاره
خار لك اللهُ وأنت كـاره
يقول فرانسيس بايكون : " قليل من الفلسفة يجعل الإنسان يميل إلى الإلحاد، لكن التعمق في الفلسفة يقرب عقل الإنسان من الدين" .
يقول الدكتور أ. أبريل: " إن أي مؤمن حقيقي لن يصاب بمرض نفسي " . (١)
والتاريخ العلمي القديم والحديث للبشرية يزخر بأمثلة - لا تصدق - من أعاجيب للعزيمة والصبر على الأمراض، وتحدي العاهات ومقاومة العقبات، نذكر فيما يلي نماذج من ذلك :
فقدتْ فتاةٌ أمريكية تُدعى : "هيلين" بصرَها وسمعها ونطقها، وهي في الثانية من عمرها، ومع ذلك تحدت العجزَ، وقاومت هذه الوجوه الثلاثة من النقص، فتعلمت وقرأت بالأصابع، وتكلمت بحركات الشفاه وفهمت كلام الناس بلمس شفاههم أو رقابهم وهم يتكلمون، وبلغت درجة ممتازة من الثقافة، وألفت كتبًا، ونشرت مقالات، وأصبحت بكفاحها ونضالها إحدى النساء العبقريات، وجعلت الناس في المشارق والمغارب يتحدثون عنها كأعجوبة من أعاجيب العزيمة والمثابرة، والإلحاح للوصول لتحقيق ما يبغيه الإنسان لنفسه من مجد ورفعة، فهي فقدت نطقها وسمعها وبصرها، ومع ذلك لم تيأس ولم تقنط ، استغلت أصابعها، وصارت عن طريق اللمس تتعرف إلى مختلف الأشياء، " ويد الضرير وراءها عين ترى"، كما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي .
وهذا عطاء بن أبي رباح الذي كان في صدر الإسلام، وكان أسود اللون، مفلفل الشعر، أفطس الأنف، أعرج الساق، أشل الجسم، أعور العين ، ثم كُف بصره ولم تمنعه كل هذه الآفات أن يتعلم ويتقدم وينافس ويسبق، حتى صار أحد الأئمة الأعلام ، وانتهت إليه الفتوى في مكة، وكان حجة بالإجماع، وكان الحكام ينادون أثناء الحج : لا يفتي في الموسم إلا عطاء بن أبي رباح، وكان أهل مكة يقولون في عطاء هذا إذا سئلوا عن رأيهم فيه : إنه كالعافية، إن جاءت الناس فرحوا بها، وإن غابت عنهم حنوا إليها، وربك يخلق ما يشاء ويختار .
وهذا الأحنف بن قيس كان أعرج أعور، متراكم الأسنان، صغير الرأس، مائل الذقن، قصير القامة ، بارز الوجه، منخسف العينين، ومع كل هذه التشوهات الخلقية إلا أنه كان عملاقًا بالغ التأثير، حتى وصفه الجاحظ بأنه : " أبين العرب والعجم قاطبة " ، وقال عنه الحسن : " ما رأيت شريف قوم كان أفضل من الأحنف " ، وكان إذا غضب غضب له مائة ألف لا يسألونه فيما غضب، وكان خطيبًا مفوهًا وحكيمًا عاقلًا .
و مصطفى صادق الرافعي كان به صمم، ومع ذلك كان أديبًا عظيمًا، سُمّي : جاحظ القرن العشرين .
أما أبان بن عثمان فقد كان به صمم وحول وبرص، وأصابه الفالج ولكنه كان من فقهاء المدينة العشرة المشهورين، كما أنه كان من كبار علماء الحديث والفقه في زمانه .
وقد كان محمد بن سيرين أصم ، إلا أنه كان فقيهًا عالمًا ورعاً أديبًا، قال عنه الشعبي، عليكم بذلك الأصم ، وقال عنه الأصمعي : إذا حدّث الأصم بشيء فاشدد يديك به.
فاستطاع كثير من المعاقين، وممن لم يتصفوا بالرشاقة والوسامة وكمال الجسم أن يبدعوا في علوم متنوعة ، وأن يصنعوا التاريخ، وأن يؤثروا في واقعهم الذي يعيشونه . (٢)
فيا طالب النبوغ والعظمة امض قدمًا في طريقك بهمة وطموح غير مكثرت بما قد تصاب به - لا قدر الله - من بعض الأمراض والعلل، فقد رأيت كيف صبر سلفنا وصابروا وشقوا طريقهم إلى الأمام رغم الإعاقات والأمراض المزمنة، حفظني الله وإياك منها .
قال الرافعي : " إن حياة الحي مصيبة تكبر كلما كبر " .
واعلم يا أخي - طالب المجد - أن الزمان عادة لا يبتسم إلا لصغار الهمم، وباعة الذمم، وزمناء المروءة، وخبثاء النفوس.
ولله در بعضهم في قوله :
من يرج بالفضل نجاحًا يمت
جوعًا ولو كان بديع الزمان
ومن يقد أو يتمسخر يعش
عيشًا رخيًّا في ظلال الأمان
وقال المتنبي :
تصفو الحياة لجاهل أو غافل
عما مضى منها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه
ويسومها طلب المحال فتطمع
*( ١٥) كن واعيًا .. ولا تكن حاكيًا :*
قال الإمام الشافعي : " من سمع بأذنيه صار حاكيًا، ومن أصغى بقلبه كان واعيًا، ومن وعظ بفعله كان هاديًا " ، فيجب على الطالب أن يعي ما يسمع، ويهضم ويفهم ما يقرأ ، فكم من سامع لا يعي، وقاريء لا يفهم، وفاهم لا يحفظ ، فلابد من إحضار القلب والسماع لدى السماع والقراءة حتى يعي ويفقه ويستوعب المضامين استيعاب التربة العطشى ماء المطر :
فروح الروح أرواح المعاني
وليس بأن طعمت ولا شربتا
وقال أبو مسهر : ما حدثت رجلاً قط إلا أعجبني حسن إصغائه، حفظ عني أم ضيع ، وقال عقيل بن درست : نشاط القائل على قدر فهم المستمع، وقال أبو عباد كاتب أحمد بن أبي خالد : للقائل على السامع ثلاث : جمع البال، والكتمان، وبسط العذر ، وكان يقال : أول العلم : الصمت، والثاني : الاستماع، والثالث : الحفظ، والرابع : العمل به والخامس : نشره .
على أنه لا ينكَر الفرق في فهم المعاني لتباين المدارك والقرائح، كما قال المتنبي :
ولكن تأخذ الآذان منه
على قدر القرائح والعلوم
*الهوامش :*
(١) لا تحزن للقرني : ١٢٠، الطبعة العشرون: ١٤٢٧ھ - ٢٠٠٦م .
(٢) بتعديل من مقال للدكتور علي الحمادي، منشور في مجلة : " المجتمع " الكويتية " .
( الخميس : ٢٦ من ذي القعدة ١٤٤٧ھ = ١٤ من مايو - أيار - ٢٠٢٦م
تعليقات
إرسال تعليق