محمد الرسول صلى الله عليه و سلم المثل الأعلى للأدباء (٢٢)
على مائدة العلم و الأدب
محمد الرسول صلى الله عليه و سلم
المثل الأعلى للأدباء (٢٢)
الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم خطيبًا(١)
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
لقد بلغت الخطابة في ظل الإسلام شأوًا بعيدًا من الأوج والكمال، والرقي والازدهار، فقد اتفق مؤلفو تاريخ الأدب العربي والثقافة الإسلامية - سواء كانوا مسلمين أو غيرهم - على أن عصر الإسلام هو أكثر العصور - في التاريخ - نهضة للخطابة وأحفل بالخطباء المشهورين .
فلقد اتسع مجال الخطابة في الإسلام، وكثرت الدواعي إليها، وتبدلت وتغيرت وشرفت وحسنت، فبينما كانت الخطابة الجاهلية في أكثر الأحيان أداة للتهييج والتفاخر طبعًا . . إذا بها تتحول أداة محترمة للدعوة إلى الدين الإسلامي ومثله وقيمه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستعملها المسلمون لبيان فساد الجاهلية وشرحها وقيمها وأخلاقها، ومما زاد الخطابة الإسلامية رقيًّا و ازدهارًا فرضُها في صلاة الجمعة والعيدين، وبذلك عرف العرب ضربًا منظمًا من الخطابة الدينية، لم يكونوا يعرفونه في الجاهلية، إذ كانت خطابتهم اجتماعية، وكانت تدور غالبًا على المنافرات والمفاخرات، وقد دعا الإسلام إلى نبذ التفاخر والتكاثر بالأحساب . (١)
*خصائص الخطابة الإسلامية*:
تمتاز الخطابة الإسلامية بالألفاظ العذبة، والأسلوب المؤثر المتين، ومما زادها بهاء ورونقًا اقتباسُها من القرآن الكريم، وانتهاجُها منهجه في التأثير والإقناع والوعظ والإرشاد .
والفرق بين الخطباء في الجاهلية والإسلام أن الإسلام زادهم بلاغة وحكمة بما كان يتوخاه الخطباء من انتهاج أسلوب القرآن واقتباس الآيات القرآنية، وقد كان للقرآن نحو هذا التأثير في الشعر أيضًا، ولكن الخطابة أوسع مجالًا للاقتباس، فأخذ الخطباء يرصعون خطبهم بالآيات تمثلًا أو إشارة أو تهديدًا . . حتى لقد كانوا يجعلون الخطبة برمتها مجموع آيات، كما فعل مصعب بن الزبير لما قدم العراق وأراد أن يحرض أهله على الطاعة لأخيه عبد الله .
وزادت الخطابة بعد الإسلام قوة ووقعًا في النفوس بنهضة العرب للحروب وانتصارهم في أكثر مواقعها، فازدادوا أنفة وسمت أنفسهم، فسما بها ذوقهم في البلاغة، وشحذت قرائحهم بما شاهدوه من البلاد الجديدة، والأمم الجديدة، والألسنة الجديدة، فبلغت الخطابة عندهم مبلغًا قلما سبقهم فيه أحد من الأمم التي تقدمتهم بلاغة وإيقاعًا حتى اليونان والرومان . (٢)
*الرسول أخطب العرب قاطبة*
نعم . الرسول أخطب الخطباء العرب وأشهرهم على مر العصور وامتداد التاريخ، وأسوةُ الخطباء في كل زمان ومكان، وإن نظرة على خطبه المأثورة - على قلتها - التي لا تضاهيها خطب مشاهير الخطباء وأعظمهم في بلاغتها وأحكامها وأثرها وتأثيرها - مهما طال الزمان - ترغم الجاحد الأعمى فضلًا عن البصير الواعي - على تصديق ما نقول !
*مزايا الخطب النبوية*
من أهم ما تمتاز به خطب رسول الله صلى اللّٰه عليه : الإيجاز مع الإحكام، والعرضُ الواضح المبين، والأسلوبُ البالغ المتين، البرىء من كل النوازع الضعيفة التي تنتاب الخطباء من التكلف في إظهار الفصاحة، أو الاستعانةٍ بالخلابة والتزويقِ والتعقيدِ والاستكراه، ثم وضوحُ الألفاظ وجزالتُها ودقةُ اختيارها، مع إبانة المعنى واتساعه، وسلامةٍ نظم الجمل والكلمات من غير إعداد سابق، وإنما هو عفو الساعة فيض الخاطر، وجهارة البيان، وتفخيم الأداء واستيفاء جميع مــا يُمتدح به الخطيب، والبراءةُ من كل ما يعاب عليه .
قلنا آنفًا : إن النبي صلى اللًٰه عليه وسلم كانت خطبه في أكثر الأحيان في غاية من الإيجاز، فلا يؤخذ من ذلك علينا أنه كان - صلى اللّٰه عليه وسلم - لا يطيل الكلام مطلقًا، بل كان يخطب أحيانًا خطبة تمتد أكثر من ساعة أو ساعتين، كما جاء في رواية أن النبي ﷺخطب بعد العصر، قال الراوي: ولم يزل يخطب حتى لم يبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقى من يومكم هذا فيما مضى » . . نقول هذه مدة لا تقل في أكثر المواسم - حتى في موسم الشتاء - من ساعة، بل في بعضها تتجاوز الساعتين، ولكن الإيجاز في الغالب . (٣)
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخطب إلا لحاجة شديدة ملزمة إلزامًا شديدًا، ولهذا فلا يتكلم - في خطبه - إلا بما يسمح به مقتضى الحال، مع المراعاة التامة للموضوعية، إذًا لا متسع للسآمة أو الملل خاصة وهو - صلى اللًٰه عليه وسلم - يوجز أشد الإيجاز كما سبق .
ثم إن الميزة الكبرى للخطب النبوية التي لا يضاهي النبي - عليه الصلاة والسلام - فيها أحد من الخطباء، هي أن الخطبة تفقد كثيرًا من تأثيرها إذا جردت من المناسبة الـــتي ألقيت فيها، فلا يبقى رونقها وفائدتها وتأثيرها، ولكن الخطب النبوية ـ على صاحبها الصلاة والسلام - لا تزيد بمرور الأيام ومضى السنين والأعوام - إلا تأثيرًا ... وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء..
وكان أسلوب خطب النبي صلى الله عليه وسلم - في الأعم الغالب - متأثرًا بأسلوب القرآن الكريم في الخطابات العامة والتعميمات البشرية، فكان أكثر ما يبدأ خطبه بـ : [ يا أيها الناس ] ، و لم تكن خطب النبي صلى الله عليه وسلم مواعظ أو إرشادات خلقيةمحضة، بل كانت - إلى جانب ذلك - تشريعًا حكيمًا وتنظيمًا دقيقًا للحياة، وتقدم حلولًا لمشكلاتها ومسائلها التى تتجدد حينًا بعد حين، وأروع نموذج لذلك خطبة « حجة الوداع » التي هي ميثاق خالد للحياة الإنسانية .
هذا . وسنقدم في الحلقات القادمة - إن شاء الله - نماذج من خطبه. التي ألقاها في مناسبات مختلفة، فنريكم رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم يخطب وهوحزين، أو هو غضبان أو هو على منصة الحج، أو على منبر المسجد، أو في غمار الحرب، ولكنه هو هو - صلى الله عليه وسلم - في كــــــل زمان ومكان، وفي كل مناسبة . . في سموه الإنساني الأعظم، وتميزه البلاغي الخطابي الفذ الذي لا يصل أحد من البشر إلى أي مستوى فيه، لا تستنزله الفجأة ولا تنهاه العاطفة عن قول الحق، ولا ينتابه نقص، أو مزلة في الكلام، ولا يعجزه البيان ولا يتفوه بكلمة نابية أو مستكرهة وهو غضبان، ولا عجب في ذلك . . فإنه من نزل عليه القرآن وأدّبه ربه فأحسن تأديبه، وتقلب في أفصح القبائل، وعاشر فضل الله تعالى - طول حياته - صلى الله عليه وسلم .
الهوامش :
(١) انظروا : الفن ومذاهبه في النثر العربي لشوقي ضيف، وتاريخ الأدب العربي لأحمد حسن الزيات .
(٢) انظروا تاريخ الأدب العربي للزيات، وتاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان .
(٣) مصطفى صادق الرافعي : تاريخ آداب العرب ٢/ ٣١٨ .
( الأحد : ٢٢ من ذي القعدة ١٤٤٧ھ = ١٠ من مايو - أيار - ٢٠٢٦م )
تعليقات
إرسال تعليق