معالم في طريق الطامحين (٧)

 على مائدة العلم والأدب

معالم في طريق الطامحين  (٧)


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


 *(١٠) لا تأخذ العلم من كل من هب ودب*: 


ثم انظر من تأخذ منه العلم، وتتلقى منه المعرفة، فليس كل من ادعى العلم صالحًا لأن يتتلمذ عليه ، فلا يؤخذ العلم إلا من الصالحين الراسخين فيه،  المتمكنين منه ، يقول الإمام مالك :


"إن هذا العلم دِِين ، فانظروا عمن تأخذونه . . لقد أدركت سبعين ممن يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين - وأشار بيده إلى أعمدة المسجد - فما أخذت  عنهم شيئًا، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أمينًا ، إلا أنهم لم يكونوا أهلاً لهذا الشأن " .


وقد قيل : " إنه ليس هناك أحد أجود أخذًا للعلم من مالك، وما كان أحد أشد منه اختيارًا للرجال والعلماء " .

وكذلك أكد أساطين الأمة على أن لا يؤخذ العلم إلا من الكبار .

فإن للكبار فضلاً من الخبرة وتقدم السن والرزانة والوقار والجلالة والتزود من الحكمة ما ليس للصغار، فمن هنا . . ينسب إلى ابن مسعود رضي الله عنه قوله : « إنكم لن تزالوا بخير ما دام العلم في كباركم، فإذا كان العلم في صغاركم، سفه الصغير الكبير » ، ويروى عن عمر بن الخطاب أنه قال : « لن يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم فإذا أتاهم من أصاغرهم فقد هلكوا »  .

هذا . وإن في الإسلام منزلة خاصة للكبير، ففي العديد من الأحاديث الشريفة تأكيد على مراعاة حرمة كبار السن وتوقيرهم واحترامهم وتفضيلهم، ففي الحديث : « أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس على قدر منازلهم »  ( مسلم ) ، وفي حديث آخر : « أراني في المنام اتسوك بسواك، فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر ، فقيل لي : كبر .. فدفعته إلى الأكبر منهما » (متفق عليه) ، وهناك حديث مشهور : « ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا » ، ويقولون : [ من ليس له كبير، فليشتر له كبيرًا ] ، ويقولون : « أكبر منك بيوم أعرف عنك بسنة » ،   وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : « ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم » .


*(١١) الزم الأدب*:


العلم إذا لم يكن في طيه أدب

يعد  جهلًا    لأن    العلم آداب


لا حاجة إلى إلقاء الضوء كثيرًا على بيان أهمية الأدب ومراعاة التأدب مع المعلمين والأساتذة، وتوقيرهم توقيرًا يتلاءم وعظمة مكانتهم، فهذا شيء معروف، فهو أول ما يعلَّم الصبي من  حين يُشرَع في تعليمه حروف التهجي، فهناك تأكيد بالغ على احترام المعلم، حتى فضله بعض الشعراء على الوالد :


أفضل  أستاذي     على نفس    والدي

وإن   نالني  من والدي  العز   والشرف

فهذا    مربي   الروح    والروح جوهر

وذاك مربي الجسم والجسم من صدف


و تاريخ تراثنا العلمي والتربوي زاخر بأمثلة رائعة من هذا الباب، فمما جاء في الكتب أن الخليفة المأمون أحضر الشيخ النحوي : (الفراء) ليعلم ولدي المأمون علوم العربية، وذات يوم أراد الفراء أن ينهض من درسه فتسابق الولدان الأميران إلى حذائه ليقدماه إليه، وتنازعا على ذلك لحظة، ثم اتفقا على أن يحمل كل منهما من الحذاء واحدة . 

ويحكى عن أبي عبيد - العالم الزاهد الراوية الثقة - أنه قال : "ما دققت بابًا على عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه " . (٢) 

إلى هذا الحد العجيب بلغ احترام المعلمين في الأمة، فلابد لمن يتوخى البركة في علمه أن يكون حريصًا على احترام أساتذته ، يحكى عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قوله : « من علمني حرفًا صرت له عبدًا » . قال الشاعر :


إن المعلم والطبيب     كلاهما 

لا ينصحان إذا هما    لم يكرَما

 فاصبر لدائك إن أهنت طبيبه

واصبر لجهلك إن جفوت معلما


وقال بعض البلغاء : إن من الشريعة أن تجل أهل الشريعة، ومن الصنيعة أن ترب حسن الصنيعة.

عن معاذ بن جبل ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليس من أخلاق المؤمن الملق (۳) إلا في طلب العلم » (٤) ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : « ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق، ذو الشيبة في الإسلام، وذو علم، وإمام مقسط » .

وقال أبو حنيفة :

ما وصل من وصل إلا بالحرمة ، وما سقط من سقط إلا بترك الحرمة.


*احرص على تنمية مواهبك*


إن أنفع طريقة لصقل المواهب أن تكثر من مطالعة الكتب، فإنها : " تفتق الذهن ، وتهدي العبر والعظات، وتمد المطلع بعدد من الحكم، وتطلق اللسان، وتنمي ملكة التفكير وترسخ الحقائق، وتطرد الشبه، وهي سلوة للمتفرّد، ومناجاة للخاطر، ومحادثة للسامر، ومتعة للمتأمل، وسراج للساري، وكلما كرّرت المعلومة وضبطت، ومحصت، أثمرت وأينعت وحان قطافها، واستوت على سوقها، وآتت أكلها كل حين بإذن ربها، وبلغ الكتاب بها أجله، والنبأ مستقره".


جاء في الحديث: « منهومان لا يشبعان، منهوم في العلم، ومنهوم في المال » ، وقالوا : علّم علمك، وتعلم علم غيرك، فإذا أنت قد علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت ، وقال الخليل بن أحمد : اجعل تعلمك دراسة لعلمك واجعل مناظرة المتعلم تنبيهًا على ما ليس عندك، وقال بعضهم : لا تكدوا هذه القلوب ولا تهملوها ، فخير الفكر ما كان عقب الجمام، ومن أكره بصره عشي، وعاودوا الفكرة عند نبوات القلوب، واشحذوها بالمذاكرة، ولا تيأسسوا من إصابة الحكمة إذا امتحنتم ببعض الاستغلاق، فإن من أدام قرع الباب ولج، وقال الشاعر :


إذا المرء أعيته السيادة ناشئّا

فمطلبها   كهلاً    عليه  شديد


وقال الأحنف : السؤدد مع السواد، وتقول الحكماء : من لم ينطق بالحكمة قبل الأربعين لم يبلغ فيها . (٤) 


وهجر المطالعة، وترك النظر في الكتب والانفراد بها ، حبسة في اللسان، وحصر للطبع ، وركود للخاطر، وفتور للعقل، وموت للطبيعة، وذبول في رصيد المعرفة، وجفاف للفكر، وما من كتاب إلا وفيه فائدة أو مثل، أو طرفة، أو حكاية، أو خاطرة، أو نادرة.

هذا . وفوائد القراءة فوق الحصر، ونعوذ بالله من موت الهمم وخسة العزيمة، وبرود الروح، فإنها من أعظم المصائب (٥) 


*الهوامش*:

(١) أدب الدنيا والدين ( لأبي الحسن علي بن محمد حبيب المصري الماوردي المتوفى٤٥٠ه‍ )

(٢)في ظلال القرآن، ضمن تفسير الآية : { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات } ( الحجرات : ٤ ) .

(٣) الملق : هو التضرع والدعاء والزيادة في التودد والمجاملة .

(٤) البيان والتبيين : ١٩٣، ١٩٤، الطبعة الأولى، شركة القدس، القاهرة .

(٥) لا تحزن للقرني .


( الاثنين : ٢ من ذي القعدة ١٤٤٧ه‍ = ٢٠ من أبريل ٢٠٢٦ م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده