ندوة العلماء وأبناؤها في نظر الطنطاوي

 على مائدة العلم والأدب

ندوة العلماء وأبناؤها في نظر الطنطاوي


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند


لقد كان من فضل الله سبحانه وتعالى على فكرة : " ندوة العلماء " أنها حظيت - منذ أول يومها - بالإعجاب والتقدير والتأييد من كافة طبقات الأمة . . من خاصتها وعامتها . . من أهل جميع الانتماءات والمشارب والمذاهب من السنة والجماعة . . وليس من  الهند فحسب . . بل ومن  العالم العربي والإسلامي أيضًا . . لأنها - فكرة ندوة العلماء - فكرة متزنة وسطية بعيدة من الإفراط والتفريط . . جامعة بين القديم الصالح والجديد النافع . . بين صلابة الحديد في التمسك بالمبادىء والأصول، وبين نعومة الحرير في الاقتباس من الوسائل والأدوات . . فلا مساومة ولا مرونة ولا تساهل ولا تنازل في الأسس والقواعد والمبادىء والثوابت . . فهي الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها بأي حال من الأحوال . . { تلك حدود الله، فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } [البقرة : ٢٢٩] . أما ما عدا ذلك من الفروع أو الوسائل والارتفاقات والأسباب وما إلى ذلك .. فموقف ندوة العلماء منها موقف المرونة والتسامح  . . ، فهي ترحب بكل نافع جديد، وتحتفي بكل طارف مفيد . . فالحكمة ضالة المؤمن . .  أنى وجدها فهو أحق بها . . وكل ذلك - طبعًا - في إطار منضبط بالضوابط والقواعد والمبادىء الشرعية .

فإشادة أعلام العلماء العرب بفكرة ندوة العلماء المتميزة غنية عن البيان، من ذلك ثناءُ العالم الشامي المعروف العلامة رشيد رضا - الذي يعرف في شبه القارة الهندية بـ : " رشيد رضا المصري " - على فكرة  ندوة العلماء، ودعوتها إلى التسامح، حيث يقول : 

" اجعلوا أساس الارتباط والاعتصام بينكم الأصول المتفق عليها، والتسامح ( والتعاذر ) في مسائل الخلاف، وقد فتح لكم هذا الباب المبارك إخوانكم علماء الهند بتأسيس جمعية : ( ندوة العلماء ) " . (١) 

وهناك كثير من الشهادات والأقوال المشيدة - من أعلام العرب - بفكرة ندوة العلماء ونجاحها في أهدافها، لست أتعرض لها في هذا المقال، لأنني أفردته بما قال الأديب الشهير علي الطنطاوي رحمه الله - وحده - عن ندوة العلماء وأبنائها، وعلى رأسهم سماحة الشيخ أبي الحسن الندوي رحمه الله، فهناك أقوال للطنطاوي مبعثرة في مختلف الكتب والمجلات، أقرؤُها - مفرًقة - في الكتب والمجلات، أو أسمعها من مشايخ الندوة ومحبيها، منذ أن كنت طالبًا في ندوة العلماء، ولا أجد مصادرها، وقد اطلعت أخيرًا على معظم هذه الأقوال الطنطاوية في كتابات الطنطاوي نفسه، فعنّ لي أن أجمعها في مقال واحد، حتى يتسنى لأبناء الندوة الاطلاع عليها - مُحالًا على مصادرها - في مكان واحد . . 


*كأني رجعت إلى التاريخ*: 

زار الطنطاوي ندوة العلماء، وقضى فيها أيامًا، واتصل بأساتذتها وطلابها عن كثب، وشهد صباحهم ومساءهم، فما هي الخواطر التي أسفرت عنها مصاحبته إياهم، اقرؤوها -  فيما يلي - من كلام  الطنطاوي :

" عشت في الندوة أيامًا، ذقت فيها متعة النظر، بمنظر نهرها وبساتينها، وراحة الأعصاب، بهدوئها وسكونها، ولذة التفكير، بالرجوع إلى مكتبتها، وعببت السعادة عبًّا بصحبة هؤلاء الإخوة الكرام، المسلمين حقًّا، الطيبين المخلصين، الذين أحسست وأنا معهم كأني رجعت إلى التاريخ، فعشت مع المسلمين في الصدر الأول : أساتذة الدار وطلابها.

وقلت : ها هنا المقيل . . فيا ليتني أحط ها هنا الرحال، ويا ليتني أعيش هنا  . . وما ذا أجد فوق ما أجد فيها . .  ؟ وهل بعد هذا المنظر الجميل، وهذه المكتبة الحافلة، وهؤلاء الصحب الأخيار، وهل بعد جوار أبي الحسن في بلده، متعة تبتغى، أو نعمة تطلب . . ؟

إن في الندوة لذات الدنيا، وحسن ثواب الآخرة إن شاء الله، والذين يعرفون أبا الحسن كثيرون، ولكنهم رأوه في سياحاته، فعرفوه  من أدبه وكتبه ومحاضراته، أما أنا فعرفته في بلده، فعرفت كيف يكون برّ الصديق، وعطف الأخ، وكرم المضيف " . (٢)


*ميزة ندوة العلماء* 

ومضى الطنطاوي يسجل انطباعاته عن زيارته لندوة العلماء، متحدثًا عما يميزها عن غيرها من دور التعليم والتربية الأخرى، فيقول :

" وشعرت كأني في مدرسة شرعية من مدارس دمشق، وتيقنت لما رأيت مناهج الدرس وكتب الطلاب، أن القوم ماشون على الجادة، فليس عندهم تفرنج ( جامعة عليكره) التي صارت كواحدة من جامعات أوربة، وليس عندهم جمود ( مدرسة ديوبند ) وهي أزهر الهند، ولكنهم يأخذون بالنافع من ثقافة الغرب، مع الحفاظ على ثقافة الإسلام، كالدار القائمة على السفح، تترفع عن وخامة السهل، وتنزل عن وعورة الجبل، وخير الأمور الوسط .

وكنت أقرأ أسماء هؤلاء الأعلام، سليمان الندوي أعلم علماء السيرة في هذا العصر، وأحد أعاظم المؤلفين فيها على مدى العصور، ومسعود الندوي رحمه الله، وأبي الحسن الندوي، وتلاميذه : محمد الندوي واجتباء الندوي، فكنت أظن أنهم أبناء أسرة واحدة، ثم علمت أنهم إنما ينتسبون إلى الندوة، وإنها هي أسرتهم، وأن صلة العلم والأدب أقرب فيهم من صلة القرابة والنسب " . (٣)


*أصالة الذوق الأدبي للشيخ الندوي*:

تحدث الشيخ الطنطاوي في مقدمة( المسلمون في الهند ) للشيخ الندوي، عن إعجابه بفصاحة أسلوب الشيخ الندوي واستعجابه له معًا، فكيف تميز أسلوبه بهذه الأصالة والبلاغة كأصالة العرب الأقحاح وبلاغتهم، بين سبب ذلك قائلًا : 

" ولقد كنت أعجب حين أقرأ لأبي الحسن، فأجد لرجل من الهند هذا الأسلوب البليغ، وهذه الأصالة وهذا الطبع، ثم زال العجب لما ظهر السبب، وعلمت أن أبا الحسن عربي صريح صحيح النسب كالأصبهاني مؤلف الأغاني، والأبيوردي الشاعر، وهما قرشيان أمويان، والفيروزآبادي صاحب القاموس، وإن خبر عربيته مستفيض في الهند .

 فمن هنا جاء هذا البيان الذي قل نظيره في هذه الأيام .

وقد يشتغل غير العربي بعلوم العربية، حتى يكون إمامًا فيها، في اللغة والنحو والصرف والاشتقاق، وفي سعة الرواية، بل إن أكثر علماء العربية كانوا في ( الواقع ) من غير العرب، ولكن من النادر أن يكون فيهم من له مثل هذا ( الذوق الأدبي ) الذي تعرفه لأبي الحسن، فلو لم تثبت عربيته بصحة النسب، لثبتت بأصالة الأدب " . (٤) .


     ( يتبع ) 


*الهوامش :*

(١) مجلة : " المنار " المصرية ، ٣٠شوال ١٣٢٨ھ - ٢ نوفمبر ١٩١٠م .

(٢) مقدمات علي الطنطاوي : جمعها مجد مكي . ص : ٩٢، ٩٣، دار المنارة، جدة، الطبعة الأولى : ١٤١٨ھ - ١٩٩٧م .

(٣) أيضًا : ٩٢ .

(٤) أيضًا : ٨٧ .


 ( السبت : ٢٤ من رمضان المبارك ١٤٤٧ھ = ١٤ من مارس - آذار - ٢٠٢٦م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده