معالم في طريق الطامحين (٣)

 على مائدة العلم والأدب

معالم في طريق الطامحين (٣)


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


(٦) احرص على نيل طلبتك في مقتبل العمر :


أنت لا تستطيع أن تظفر بتحقيق أمانيك وآمالك بعدما تتقدم بك السن ، فنيل المطلوب أسهل في زمن القوة والشباب منه في كبر السن :


إذا  المرء  أعيته   المروءة  فتى

مطلبها     كهلًا      عليه   شديد


ومن كلامهم في هذا المعنى : " التعلم في الصغر كالنقش في الحجر " ، و " العلم في الكبر كالعلامة على المدر " ، وقال الشاعر  صالح عبد القدوس :


و إن   من أدبته    في   الصبا

كالعود يسقى الماء في غرسه


وقال آخر :


يُقوّم  من  ميل   الغلام  المؤدب

ولا ينفع التأديبُ والرأس أشيب


*(٧) لا تبرز نفسك قبل النضج*

يقال : " من تصدر قبل حينه ، افتضح في حينه " ، وقال الشافعي : " إذا تصدر الحدث (الشاب) فاته علم كثير " ، يعني أنه سوف ينشغل عن التفرغ للطلب، ولهذا قرر عمر رضي الله عنه أن من تصدر سيكون عرضة للانشغال، فقال: " تفقهوا قبل أن تسوّدوا" ، وكان - رحمه الله تعالى - يقول : " السؤدد مع السواد "  (۱) ، وليس المعنى أن من تصدر لا ينبغي له أن يطلب العلم، كلا . . ولكن هذا حكاية للواقع، ولهذا عقب الإمام البخاري على أثر عمر بقوله : "وبعد أن تُسَوَّدوا".

وقال بعض المفكرين : " لا تستعجل الرئاسة، فإنك إن كنت أهلاً  لها، قدمك زمانك، وإن كنت غير أهل لها ، كان من الخير لك أن لاينكشف نقصانك " .

ومن هذا القبيل قولهم : " فلان تزبب قبل أن يتحصرم".


فالتصدر قبل التأهل آفة في العلم والعمل، وقد قيل: (من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه)، وسبب ذلك أنه لم يسبق أن تلقى العلم عن العلماء، فلم يتأدب بآدابهم، وإنما تلقى العلم عن الكتب والمطالعة فقط، وفعله ذلك قرينة على أنه لم يتخلص من رعونة نفسه كإعجابه بمبلغ علمه، وعدم فقهه لبواطن الأحوال، وجهله بعواقب الأمور .

ومن كان كذلك فقد تشبع بما لم يعط، ولبس ثوبي زور، وأجلس نفسه مجالس العلماء، يشار إليه بالبنان، ويصرف وجوه الناس إليه، والأولى به أن يعرف قدر نفسه ليقف عند حده، ومعلوم أن طلب العلم يحتاج إلى صبر وبعد عن العجلة والتهور .(٢)  


*(٨)  كن نفسك*

يقال : " كن نفسك ولا تنشد إلا مثلك " " يقول الدكتور جايمس فمليلكي : " إن مشكلة الرغبة في أن تكون نفسك" هي قديمة قدم التاريخ، وهي عامة كالحياة البشرية، كما أن مشكلة عدم الرغبة هي في أن تكون نفسك هي مصدر الكثير من التوتر والعُقَد النفسية " .

وقال مفكر : " أنت في الخليقة شيء آخر لا يشبهك أحد، ولا تشبه أحدًا، لأن الخالق - جل في علاه - مايز بين المخلوقين، قال تعالى : { إِنَّ سَعْيُكُمْ لَشَتَّى } [الليل : ٤] " .

كتب إنجيلو باتري ثلاثة عشر كتاباً، وآلاف المقالات حول موضوع "  تدريب الطفل"، وهو يقول: " ليس من أحد تعيس كالذي  يصبو إلى أن يكون غير نفسه، وغير جسده وتفكيره " 

 قال سبحانه وتعالى : { أنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَة بقدرها } [الرعد : ١٧] .

لكلٍ صفاتٌ ومواهبُ وقدراتٌ، فلا يذوب أحد في أحد :


أوردها سعد وسعد مشتمل

ما هكذا تورد ياسعد  الإبل


إنك خلقت بمواهب محددة، لتؤدي عملًا محددًا ، وكما قالوا : "اقرأ نفسك" و : " اعرف ماذا تقدم " . (٣)


فالناس مواهب وقدرات وطاقات وصفات، ومن عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وظف أصحابه حسب قدراتهم واستعداداتهم، فعلي للقضاء، ومعاذ للعلم، وأُبي للقرآن، وزيد للفرائض، وخالد للجهاد، وحسان للشعر، وقيس بن ثابت للخطابة .


فوضع الندى في موضع السيف بالعلا

مضر كوضع السيف  في  موضع الندى


الذّوبان في الغير انتحار، وتقمص صفات الآخرين قتلٌ مُجهزٌ . . 

ومن آيات الله عز وجل : اختلاف صفات الناس ومواهبهم، واختلاف ألسنتهم وألوانهم، فأبو بكر برحمته ورفقه نفع الأمة والملة، وعمر بشدته وصلابته نصر الإسلام وأهله، فارض بما عندك من عطاء وموهبة، فاستثمرها ونمّها وقدّمها وانفع بها نفسك ومن حولك، والبلاد والعباد . و { لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا وسعها }  [البقرة : ٢٨٦].


إن التقليد الأعمى، والانصهار المسرف في شخصيات الآخرين وأد الموهبة، وقتل للإرادة، وإلغاء متعمد للتميز والتفرد المقصود من الخليقة . (٤) 


الهوامش : 

(١) الجاحظ : البيان والتبيين ، ص : ١٤٨، شركة القدس، الدراسية، القاهرة، تحقيق : ناصر محمدي محمد جاد، الطبعة الأولى.

(٢) مجلة : الصحوة الإسلامية ، دارالعلوم/ حيدرآباد، العدد : ٧٨، من مقال الدكتور خالد مرغوب أمين .

(٣) لا تحزن للقرني

(٤) بتعديل من : لا تحزن ، ص ٩٠ ، الطبعة العشرون.


             ( يتبع )


( الأحد : ٢٦ من شعبان ١٤٤٧ھ = ١٥ من فبراير - شباط - ٢٠٢٦م )

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده