معالم في طريق الطامحين
على مائدة العلم والأدب
معالم في طريق الطامحين
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
*[ بعون الله تعالى نبدأ سلسة جديدة تحت العنوان المركزي : « معالم في طريق الطامحين » ، الذي يحتوي توجيهات تنفع الشباب الطامحين، الذين يتوقون إلى الأمجاد والمراتب العالية عبر تحقيق أهداف سامية وأغراض نبيلة - ، تنفعهم إذا ما وضعوها - التوجيهات - نصب أعينهم، وساروا في ضوئها في مشوار حياتهم ]*.
* * *
*كيف تصنع نفسك بنفسك . . ؟*
نفس عصام سودت عصاما
وعلمته الكر و الإقداما
كثيرًا ما يتساءل الشباب والطلاب الطماحون، المتطلعون إلى المستقبل المشرق : كيف نتقدم إلى الأمام . . ؟ وكيف نصنع مستقبلنا ؟ وكيف . . وكيف . . ؟
والحقيقة أن جواب هذه الأسئلة معلوم معروف عند كل واحد .. وهو : الجملة السائرة المنسوبة إلى ابن عطاء الله الإسكندري، وهي : *« من كانت له بداية محرقة، كانت له نهاية مشرقة »* .. التي تشير إلى ضرورة شغف واحتراق المرء في البداية، خاصة في طلب العلم ودرك النبوغ فيه، لتحقيق النجاح الباهر في النهاية ..
و البداية المحرقة تعني أقصى ما يمكن من الجد والاهتمام والسعي في تحقيق المقصود ، واحتراق النفس بالجهد للوصول إلى الهدف .
فهذا هو المفتاح الرئيسي للنجاح في أي شعبة من شعب العلم والعمل ..
وفي ذلك يكمن السر في تحقيق النبوغ والعظمة .. فمن شاء، فليجربه .. ويستوي في ذلك المؤمن والكافر، والمتقي والعاصي .. سنة الله في الأرض، ولن تجد لسنة الله تبديلًا .. ولن تجد لسنة الله تحويلًا ..
وكل ما يأتي لاحقًا .. لا يكون إلا شرحًا لهذه الجملة الجامعة التي تحوي بحرًا من المعاني ..
فأول ما يجب عليك - يا طالب المجد والنبوغ والعظمة - أن :
*(١) قدِّر قيمةَ الوقت*
نعم ! هذا أول شيء في سبيل الحصول على المجد والعظمة والنجومية في أي مجال من مجالات الإبداع، فالذين يقدرون الوقت هم الذين ينجحون ويصلون إلى ما يبتغونه من السمو والعلو، فالوقت هو الحياة، ولقد عني القرآن الكريم والحديث الشريف بالوقت أشد عناية وأعظمها، مما يدل على قيمته وأهميته، فقد أقسم الله سبحانه وتعالى في مطالع العديد من سور القرآن الكريم بأجزاء معينة من الوقت، مثل الليل والنهار، والضحى، والفجر والعصر .
يقول المفسرون : إن الله تعالى إذا أقسم بشيء من خلقه، فإنه يلفت أنظارنا إلى أهميته وعظمته، وينبهنا إلى جليل منفعته، قال تعالى: { وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ [الفرقان : ١٦٢) .
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم مؤكدًا على قيمة الوقت، وأن المرء يسأل عنه يوم القيامة و: « لا تزول قدما عبـد يـوم القيامة، حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل به" رواه الترمذي.
فماذا يكون جوابنا عن هذه الأسئلة الأربعة يوم القيامة . . وهل نُعِدّ لها . . ؟
كما أن فرائض الإسلام وآدابه هي نفسها تؤكد قيمة الوقت، وأداء كل واجب في أوانه دون تأخير أو تسويف، ومثال ذلك : فريضة الصلاة وفريضة الصيام والحج : { إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } [ النساء : ١٠٣].
وللوقت خصائص ومميزات ينفرد بها عن غيره من الأمور، ومن أهمها سرعة انقضائه، فهو يمر مر السحاب، ويجري جري الرياح، فمهما طال عمر الإنسان فهو قصير ما دام الموت هو نهاية كل حي، كما أن ما مضى منه لا يعوض، ولا يمكن استعادته، وقد عبر عنه الحسن البصري - رحمه الله تعالى - عن ذلك بقوله :
" ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي : يا ابن آدم أنا يوم جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة " ، كما يقول أيضًا : " يا ابن آدم أنت أيام مجموعة، كلما ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل وأنت لا تعلم، فاعمل ، فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل".
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : « نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ، الصحة والفراغ » رواه البخاري .
فالذين يريدون المعالي، ولا يقدرون الوقت، ولا يجتنبون ازجاء الأوقات في التفاهات، إنما هم يعيشون في جنة الحمقاء . . آمالهم كسراب، راجعون بخُفَّي حنين . . صفر اليدين !
وكيف كان المتقدمون السابقون من السلف، يقدرون وقتهم، لإلقاء الضوء على ذلك نذكر - فيما يلي - أقوالاً وأحوالًا تدل على مدى تقديرهم للوقت :
كان داود الطائي يستف الفتيت، ويقول : بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية .
وكان عثمان الباقلاني دائم الذكر لله تعالى ، فقال : إني وقت الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج لاشتغالي بالأكل عن الذكر، وأوصى بعض السلف أصحابه فقال : إذا خرجتم من عندي فتفرقوا لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه، ومتى اجتمعتم تحدثتم .
والذي يعين على اغتنام الزمان :
- الانفراد والعزلة بقدر المستطاع . .
- والاقتصار على السلام، أو حاجة مهمة لمن يلقى .
- وقلة الأكل، فإن كثرته سبب النوم الطويل وضياع الليل .
الوقت يشبَّه بالسيف، إن لم يقطعه صاحبه بالعمل المبرور والسعي المشكور قطعه الوقت بالهوان والضياع، وإن الوقت يطول ويُستعرَض أمام اللاهين أو الغافلين، فيرتعون ويمرحون ويلهون ويلعبون كأنهم مخلدون، وكأنهم إلى ربهم لا يرجعون، ولكن حينما تذهب السكرة وتأتي الحسرة . . يتضاءل هذا الزمان الطويل العريض في أنظار من استطالوه، فكأنه طيف مر، أو خيال عبر ، أو هاجس خطر بالبال . . وما أدق الرمز إلى هذا وأعمقه في قول الله : ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ } [ الروم : ٥٥]، وقوله تعالى : { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا } []النازعات : ٤٦].
دقات قلب المرء قائلة له
إن الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها
فالذكر للإنسان عمر ثان
( للحديث صلة )
( الثلاثاء : ٧ من شعبان ١٤٤٧ھ = ٢٧ من يناير - كانون الثاني - ٢٠٢٦م )
تعليقات
إرسال تعليق