محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم المثل الأعلى للأدباء (١٢)
على مائدة العلم والأدب
محمد الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم
المثل الأعلى للأدباء (١٢)
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
نماذج من مناهج التعبير النبوي
*( النموذج الخامس)*
*إعجاز النبي البياني*
قال النبي ( حين جاءه بدیل بن ورقاء - عند واقعة الحديبية - يتهدده ويحذره، فقال له: إني تركت كعب بن لؤي معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت، فقال له النبي صلى اللًٰه عليه وسلم : « إن قريشًا قد نهكتهم الحروب، فإن شاءوا ماددناهم مدة ، ويدعوا بيني وبين الناس، فإن أظهر عليهم وأحبوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، وإلا كانوا قد جموا، وإن أبوا . . فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا، حتى تنفرد سالفتي هذه . . ولينفذن الله أمره » (١) .
*كلمة زاخرة بالمعاني*
نحن الآن عند مزية بيانية نبوية أخرى - على صاحبها الصلاة والسلام - لا يضارعه فيها أحد من البلغاء أو الفصحاء إلا ما شاء ربك، يقول الرافعي في بيان مزية هذا الحديث الأدبية :
وهذا الضرب - من الكلام - يتفق في بعض الكلام المبسوط، فتقوم اللمحة منه في دلالتها بأوسع ما تأتي به الإطالة، وتكفي من مرادفة المعاني وتوكيدها ومقابلتها بعضها ببعض، فيكون السكوت عليها كلامًا طويلًا، والوقوف عندها شأوًا بعيدًا، وهو قليل في كلام البلغاء إلى حد الندرة التي لا يبنى عليها حكم, ولكنه كثير رائع في البلاغة النبوية - لما عرفت من أسباب قلة كلامه - فإن هذه القلة إن لم تنطو على مثل هذا الضرب الغريب لا تفى بالكثرة من غيره، ولا تعد في باب التمكين والاستطاعة، ولا يكون فضلها في الكلام فضلًا، ولا يعرف أمرها في البلاغة أمرًا (٢) .
إن هذا الحديث - كغيره من الأحاديث والأقوال النبوية - على صاحبها الصلاة والسلام - يزدان بالصور الفنية الرائعة والبلاغة النبوية الشاملة، لكن الذي يهمنا منه الآن هو كلمة واحدة من كلماته تجمع في طياتها معاني عظيمة كثيرة وهي كلمة : *« حتى تنفرد سالفتي هذه »*. . فلننظر كيف تحتوي هذه الجملة معاني جمة وكيف تنطق بثقة الرسول بوعد ربه، وكيف تعبر عن عاطفته - صلى اللًٰه عليه وسلم - العظيمة للدفاع عن الحق، والتضحية بالمال والنفس إعلاءً لكلمة الله، وكيف تصور عزمه الأكيد، ورباطة جأشه، وإرادته التي لا تتغير، وثباته على موقفه ثبات الجبال الرواسي، وصموده صمودًا لا يهين ولا يتزلزل، وما إلى ذلك من معاني الصبر على المكاره، وتنفيذ أمر الله، وتحمل المشاق في سبيل الله، والثقة بوعد الله، والتصوير لمعنى استمراره في تحقيق أعماله ومهامه التي عهد الله إليه بها، والحق أن هذا الضرب من البلاغة النبوية زادنا إيمانًا على إيمان ببلاغته، وإدراكًًا لمعنى قوله عليه الصلاة والسلام : « أدبني ربي فأحسن تأديبي » ، وتصديقاً لقوله سبحانه : { وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيمًا } .
وصدق الله العظيم .
*الهوامش* :
(١) رواه البخاري .
(٢) الرافعي : تاريخ آداب العرب : ٢/ ٣٥٦ .
( ليلة الجمعة : ٥ من رجب ١٤٤٧ھ = 25 من ديسمبر - كانون الأول - 2025 ) .
تعليقات
إرسال تعليق