تذكرة المدينة المنورة
من وحي الأيام
تذكرة المدينة المنورة
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
القصة التي أقصها على القراء الكرام اليوم، يعود تاريخها إلى مطلع هذا القرن . . ( تحديدًا في رجب ١٤٠١ھ ) يوم كنا في نهاية السنة الثانية للدراسات العليا - قسم الحديث الشريف - بندوة العلماء، ونفكر في المستقبل . . ونخطط له ونستشير أساتذتنا في المشاريع المستقبلية، وفوق ذلك كله . . كنا ندعو الله تعالى أن يأخذ بأيدينا ويلهمنا مراشد أمورنا، فيجعل مستقبلنا زاهرًا مشرقًا، تتحقق فيه آمالنا وطموحاتنا، وتتاح فيه لنا الفرصة لتنمية مواهبنا واستخدامها لما فيه مصلحتنا ومصلحة الأمة كلها ..
فبينما كنا في ذلك . . من الهموم والشجون فيما يخص المستقبل، مما كان يشغل بالنا صباح مساء، وقد يؤرق نومنا، وينال حيزًا كثيرًا من تفكيرنا ..
أقول : بينما كنا في ذلك .. إذ أخبرنا مخبر في يوم من أيام رجب - فيما أظن - أن عددًا من الزملاء - بما فيهم كاتب السطور - مدعوون اليوم إلى لقاء مع سعادة عميد دارالعلوم لندوة العلماء - آنذاك - الشيخ الزاهد الصالح المربي محب الله لاري الندوي رحمه الله، في داره بعد صلاة العشاء .
فلما سمعنا الخبر، ذهبنا مذاهب شتى من الحدس والظن والتخمين .. وأركض كل واحد منا جواد تفكيره وتقديره في سبب الدعوة . . . فبعضنا رجا خيرًا . . و أمل آمالًا . . بينما البعض توجس خيفة . . على أن معظمنا كان على يقين من أن اللقاء لا يؤدي إلا إلى ما يكون فيه نفعنا وفي صالحنا إن شاء الله تعالى . . لأن فضيلة العميد لم يجرب ولم ير منه الطلاب إلا الخير والنصح فحسب . . فذهبنا جميعًا - نحن الطلاب المدعوين - وكلنا أمل ورجاء . . غير خائفين ولا وجلين - إلى بيت العميد، فرحب بنا فضيلة العميد رحمه الله - كالعادة - ترحيب الوالد بأولاده . . مبتسمًا في رزانة ووقار . . فخورًا فخر الوالد برؤية أبنائه المتسلحين بسلاح العلم والأدب، وتجاذبنا أطراف الحديث، إذ عطف فضيلة العميد اتجاه الحديث - في حكمة ولباقة - إلى نقطة مهمة كانت تهمنا جميعًا . . وكانت بالنسبة لنا موضوع الساعة . . فتساءل عن مخططاتنا وطموحاتنا المستقبلية، فتكلم كاتب السطور نيابة عن جميع الزملاء، وقال سنكون سعداء بتنفيذ توجيهاتكم، ونكون طوع أمركم ورهن إشارتكم بهذا الصدد . . ، فقال فضيلة العميد رحمه الله . . الجهل يعم في القرى والأرياف، والبدع والخرافات تنتشر فيها، فأهلها في حاجة إلى من يعلمهم دينهم، ويمحو ما هم فيه من المنكرات، ولا يمكن ذلك إلا بفتح الكتاتيب والمدارس التي تحتاج إلى أمثالكم من العلماء الذين يقومون بالتدريس والتعليم والتربية والدعوة . . فهل تقومون بذلك . . ؟ فأجبنا جميعًا - دونما تذبذب أو توقف - : بلى . . نحن مستعدون لذلك . . ففرح فضيلة العميد رحمه الله بهذا الجواب، وقال : بارك الله فيكم ونفع بكم ووفقكم لما يحب ويرضى . . فهذا الذي كنا نرجو ونأمل ونتوقع منكم . . وتوقف قليلًا . . ثم تكلم - والابتسامة كات تداعب شفتيه، وكان لا يكاد يخفي فرحه واغتباطه - مبشرًا : هنيئًا لكم يا أبنائي ! فقد رشحتكم ندوة العلماء للدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة . . فبارك الله فيكم وزادكم علمًا وفقهًا ونفعًا للإسلام والمسلمين، فلما سمعنا هذه البشرى العظيمة هللنا وكبرنا، وشكرنا لفضيلة العميد وجميع المسؤلين الكرام عن ندوة العلماء - وعلى رأسهم الشيخ أبو الحسن الندوي والشيخ محمد الرابع الحسني الندوي رحمهما الله - على تكرمهم بترشيحنا للدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فالدراسة فيها سعادة وشرف لا يوصفان . . حيث أن الدراسة فيها تتيح لنا فرصة مباركة للإقامة في طيبة الطيبة : مدينة الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم التي احتضنت الرسول صلى اللّٰه عليه وسلم مرتين . . مرة في حياته، ومرة تحتضنه - كذلك - بعد أن فارقها إلى ربه جل وعلا . . كما تتيح لنا الفرصة لتلقي العلم الشرعي من مناهله الأصيلة . . في مهبط الوحي ومركز الإسلام ومهاجَر الرسول عليه الصلاة والسلام، على الأساتذة العرب الفضلاء الذين ربما يكون بعضهم من سلالة الصحابة - أو غيرهم - من جنود الإسلام الأولين وأبناء الفاتحين السابقين وحملة العلم المعروفين .
وبعد أن بشّرَنا وهنأنا فضيلة العميد، قال لنا : أعدوا الأوراق اللازمة التي تطلبها الجامعة للقبول والتسجيل، فقال كل واحد منا : حاضر يا سيدي! سنقدمها في أول فرصة ممكنة إن شاء الله، وهكذا انفض هذا المجلس على خير ما يرام . . وطِبْقَ ما كنا نرجو . . وعُدنا وكلنا فرح وسرور بما بُشرنا به من خبر : " الترشيح " المشرف الكريم، ولما علم الإخوة الطلاب والأصدقاء والأقرباء بذلك، هنؤونا وعبروا عن فرحهم، ونحن المرشحين بدورنا شكرناهم على عواطفهم النبيلة ومشاعرهم الطيبة.
وأُرسِلَتْ قائمة الطلاب المرشحين من مكتب العمادة بندوة العلماء إلى عمادة القبول والتسجيل بالجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة، وبعد مدة غير طويلة علمنا أن قد جاء الإشعار بالقبول لجميع الطلاب المرشحين، فحمدنا الله تعالى، وشكرنا المسؤولين الكرام عن الجامعة الإسلامية على تفضلهم بالاستجابة الكريمة لطلب التحاقنا بالجامعة الموقرة .
وبعد ذلك . . بدأ الانتظار لوصول التذاكر والتاشيرات، أما التذاكر فكانت ترسل - آنذاك - بالبريد، وأما التاشيرة فكانت ترسل إلى السفارة السعودية بدلهي .
وإن أنس فلن أنسى ذلك اليوم الأغر الذي وصلت فيه تذكرتي للمدينة المنورة .
ولما وصل ساعي البريد - الذي كان يحمل التذكرة - إلى البيت، لم أكن موجودًا فيه، فخرج الوالد الكريم الشيخ محمد برهان الدين السنبهلي رحمه الله، واستلم التذكرة من ساعي البريد، كانت الوالدة رحمها الله تقول إن الوالد لما دخل البيت - بعد أن استلم التذكرة - كانت العبرات تترقرق في عينيه، فالدموع تفيض فرحًا أيضًا . . كما تفيض حزنًا . .
فاض السرور علي حتى إنه
من فرط ما قد سرني أبكاني
يا عين قد صار البكاء لك عادة
تبكين في فرحي وفي أحزاني
وهو يقول : أبشروا : *لقد جاءت تذكرة نعمان للمدينة المنورة* . . وكان يحمد الله على ذلك . .
وكانت تكون تذكرة الخطوط الجوية السعودية - آنذاك - جميلة حمراء، وقد ظلت محتفظًا بالتذكرة لمدة طويلة، ثم فقدت .. فتأسفت على فقدانها لأنها كانت تذكرة أولى رحلاتي إلى مدينة الرسول الكريم صلى اللًٰه عليه وسلم، وللرحلة الأولى إلى المدينة النبوية من المتعة واللذة ما لا يشعر به إلا صاحب الرحلة .
هذا . يكون من الجفاء ومن النكران للجميل إذا لم أذكر .. بل إذا لم أشكر حكومة المملكة العربية السعودية، ولم أقدر لها صنيعها . . فهي التي أتاحت لنا هذه الفرصة الذهبية النادرة المباركة للإقامة في مدينة الرسول صلى اللًٰه عليه وسلم عبر الدراسة في جامعتها العظيمة، وهيأت لنا جوًّا هادئًا لتلقي العلم، ووفرت لنا سكنًا مريحًا وعيشًا كريمًا، وكانت تصرف لنا مكافآت شهرية سخية، وتذاكر سنوية - ذهابًا و إيابًا - للسفر إلى وطننا لكى نلقى أهلنا .
لعل المملكة العربية السعودية هي الدولة الوحيدة التي تستقبل أبناء العالم الإسلامي وتستضيفهم، وتنفق على تسليحهم بأسلحة العلم والتربية هذه النفقات الباهظة دون منّ ولا دعاية، فلا تريد على ذلك جزاء ولا شكورًا، إنها لا تريد إلا أن تخرج أبناء الأمة من ظلام الجهل إلى نور العلم، ومن الضلالة إلى الهداية، فتستحق بذلك شكر الأمة وتقديرها وثناءها .
والحمد لله أولًا وآخرًا .
( ٨ من رجب ١٤٤٧ھ = 29 من ديسمبر - كانون الأول -2025 ) .
تعليقات
إرسال تعليق