معالم في طريق الطامحين (١٢)

 على مائدة العلم والأدب

معالم في طريق الطامحين (١٢)


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند 


*(١٧) اعرف ثمنك بنفسك:* 

قال علي بن أبي طالب :

« قيمة كل امرئ ما يحسن » ، ويقول الجاحظ وهو يبين أهمية هذه الكلمة : " فلو لم نقف من هذا الكتاب إلا على هذه الكلمة لوجدناها شافية كافية، ومجزئة مغنية، بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، وغير مقصرة عن الغاية ". (١) .

ومعناها : أن علم الإنسان أو أدبه أو عبادته أو كرمه أو خلقه هي في الحقيقة قيمته، وليست صورته أو هندامه ومنصبه : {  عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى }  [عبس: ١- ٢ ] ، {  وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٌ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾ [ البقرة : ٢٢١ ].


قيمة الإنسان ما يحسنها

كثر الإنسان منه  أم أقل


فقيمة العالم علمه قلّ منه أو كثر ، وقيمة الشاعر شعره أحسن فيه أو أساء، وكل صاحب موهبة أو حرفة إنما قيمته عند البشر تلك الموهبة أو تلك الحرفة ليس إلا ، فليحرص العبد على أن يرفع قيمته، ويغلي ثمنه بعمله الصالح وبعلمه وحكمته وجوده وحفظه، ونبوغه واطلاعه، ومثابرته وبحثه، وسؤاله وحرصه على الفائدة، وتثقيف عقله وصقل ذهنه، وإشعال الطموح في روحه، والنبل في نفسه، لتكون قيمته غالية عالية.

ذكر ابن القيم أن « قيمة الإنسان همته، وماذا يريد » . 

وقال ابن تيمية : « العامة تقول : قيمة المرء ما يحسنه، والخاصة تقول : قيمة المرء ما يطلبه » .

فقيمتك يا طالب العظمة في معانيك الجليلة وصفاتك النبيلة وسجاياك ومآثرك ونبلك، لا في أصلك وأرومتك، قال عنترة :


إن كنتُ   عبدًا   فإني سيد كرمًا

أو أسود اللون فإني أبيض الخلق


إن سعادتك في معرفتك للأشياء، واهتماماتك وسموك .

إن الفقر والعوز والخمول، ما كان - يومًا من الأيام - عائقًا في طريق التقدم والوصول والاستعلاء.

فهنيئًا لمن عرف ثمنه فعلًا بنفسه، وهنيئًا لمن أسعد نفسه بتوجيهه وجهاده ونبله، وهنيئًا لمن أحسن مرتين، وسعد في الحياتين، وأفلح في الكرتين . (٢) .


*(١٨) أكثر من الخلوة ما استطعت*


نعم ! احرص على العزلة وعدم مخالطة الناس كثيرًا قدر الإمكان ضنًّا بالوقت، واشتغالًا بالعلم والتأمل والتفكر، قال عمر بن الخطاب : « خذوا حظكم من العزلة » ، وقال الجنيد : « مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة »  ، فليس هناك شيء أعظم نفعًا كالعزلة ولا أكثر عونًا  منها على الاشتغال بالطاعة والعبادة والقراءة والمطالعة والتدبر والتفكر، وصونًا للوقت من الضياع فيما لا يعني المرء، وحفظًا من آفات المخالطة والمعاشرة من الغيبة والنميمة والكذب والرياء وما إلى ذلك . .

يقول ابن الجوزي : " ما سمعت ولا رأيت كالعزلة، راحة وعزًا  وشرفًا، وبعدًا عن السوء وعن الشر، وصونًا للجاه والوقت، وحفظًا للعمر، وبعدًا عن الحساد والثقلاء والشامتين، وتفكرًا في الآخرة، واستعدادًا للقاء الله عز وجل، واغتنامًا في الطاعة، وجولان الفكر فيما ينفع، وإخراج كنوز الحكم، والاستنباط من النصوص ". (٣) 

فلا يمكن استثمار الوقت واغتنام العمر بدون العزلة، فاحرص عليها أشد ما يكون الحرص !


*(٩١) كون مكتبتك الخاصة*

لا مناص للمشتعل بالعلم من أن تكون عنده مكتبة شخصية خاصة به، تحتوي على أهم المصادر والمراجع مما يهمه، فالكتب لرجل العلم ثروته الحقيقية، يقال : «  مجد التاجر في كيسه، ومجد العالم في كراريسه ».  وقال الطنطاوي : « كتب العالم أو طالب العلم هم أصدقاؤه » ، وقديمًا قال المتنبي :


أعز مكان في الدنيا سرج سابح

وخير جليس في الزمان كتاب


فالكتاب - كما قال الجاحظ - نعم الذخر والعقدة، ونعم الجليس والعمدة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس لساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير والنزيل .


*(٢٠) قيد العلم بالكتابة واحرص على التأليف :*


واحرص - كذلك - على أن تُعَودّ نفسك الكتابة والتأليف منذ طلب العلم ، فإذا كانت كتب العالم أصدقاءه، كان التأليف ولده، كما قال ابن الجوزي :

«  . .  أو أن يصنف كتابًا من العلم ، فإن تصنيف العالم ولده المخلد » .

قال الشوكاني : «  أوصاني بعض العلماء ، فقال : لا تنقطع عن التأليف ولو تكتب في اليوم سطرين ، قال : فأخذت بوصيته، فوجدت ثمرتها » ،

وقالوا : القلم أبقى أثرًا، واللسان أكثر هذرًا .

 ونقل عن سقراط قوله : "ما بنته الأقلام، لم تطمع في دروسه الأيام " ، وقال أفلاطون : " الخط عقال العقل " ، وقيل لنصر بن يسار : فلان لا يكتب، فقال : "  تلك الزمانة الخفية " ، وقالوا : " ما حفظ فرّ، وما كتب قرً " ، وقديمًا قالت العرب: " قيدوا العلم بالكتابة " ،بل ينسب مثله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : « قيدوا العلم بالكتاب  » (٤)  ، وقال ذو الرمة لعيسى بن عمر : «  اكتب شعري ، فالكتاب أحب إلي من الحفظ، لأن الأعرابي ينسى الكلمة، وقد سهر في طلبها ليلة، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلامًا بكلام » ، وآكد من ذلك وأفحم في الإقناع الذي أقسم به رب العزة بقوله جل من قائل :  { ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ } ، [القلم : ١]. قال أبو الفتح البستي  : 


إذا   أقسم  الأبطال  يومًا   بسيفهم

وعـــدوه مما يكسب المجد والكــرم 

كفى   قلم  الكتاب   مجدًا     ورفعة

مدى    الدهر أن الله أقـسـم بــالقلم


وقالوا : «  القلم أحد اللسانين »  ، وقالوا : «  كل من عرف النعمة في بيان اللسان، كان بفضل النعمة أعرف، ثم جعل هذا الأمر قرآنًا، ثم جعله في أول التنزيل، ومستفتح الكتاب » ، وقال عبد الرحمن بن مهدي : " أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم " .

ولابد لكل كاتب أن يتقي الله في كتابته، ويجعل البيتين التاليين نصب عينيه :


وما  من   كاتب إلا ستبقى

كتابته   وإن    فنيت يداه

فلا تكتب بكفك  غير شيء

يسرك   في القيامة أن تراه


تكلم ابن الجوزي عن أهمية التأليف وضرورة الاشتغال به كلامًا رائعًا يقول :

" إن نفع التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة، لأني أشافه في عمري عددًا  من المتعلمين، وأشافه بتصنيفي خلقًا لا تحصى ما خلقوا بعد. 

ودليل هذا أن انتفاع الناس بتصانيف المتقدمين أكثر من انتفاعهم بما يستفيدونه من مشايخهم .

فينبغي للعالم أن يتوفر على التصانيف إن وفق للتصنيف المفيد، فإنه ليس كل من صنف صنف.

وينبغي اغتنام التصنيف في وسط العمر، لأن أوائل العمر زمن الطلب، وآخره كلال الحواس.

فأما إذا قلت الآلات عنده من الكتب، أو كان في أول عمره ضعيف الطلب فلم ينل ما يريده في هذا الأوان، أخّر التصانيف إلى تمام خمسين سنة " .


*الهوامش*: 

(١)  البيان والتبيين : ٧٢ ، الطبعة الأولى، القاهرة .

(٢) بتعديل من أمكنة مختلفة من : " لا تحزن " للدكتور عائض القرني .

(٣) أيضًا، ص : ٩١ ، الطبعة العشرون ، الرياض  .

(٤) البيان والتبيين : ٢٩٩ .


( الجمعة : ١٠ من محرم ١٤٤٨ھ = ٢٦ من يونيو - حزيران - ٢٠٢٦م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة الشيخ القارىء محمد طيب القاسمي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده