أحاديث شتى إلى الإخوة الطلاب بمناسبة العام الدراسي الجديد... الحلقة(٢ / الأخيرة)

 على مائدة العلم والأدب

أحاديث شتى إلى الإخوة الطلاب
بمناسبة   العام  الدراسي  الجديد


            الحلقة(٢ / الأخيرة)

      

محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند



ومما يجب - كذلك ـ على الطلاب الأعزاء مراعاته أن يتجنبوا ما يتعارض مع الوقار والجد والرزانة والنبل والمروءة، فالعلم لا يؤتي أكله - من انتفاع الناس به، واحترامهم لحامله، وإكرامهم له -إذا لم يصن صاحبه نفسه مما يزري بمكانته ويقلل من هيبته من مظاهر الابتذال والسخافة والدناءة، مما يخوض فيه عامة الناس من التوافه وسفاسف الأمور، والمزاح السفيه الوقح، والقول المرذول، والثرثرة الفارغة، فالعلم يقتضي وقارًا وجِدًّا وامتيازًا وسموًّا  مما قد لا يكون فيه حرج لغير أصحاب العلم، والناس - كذلك- يرجون من العلماء والمشايخ أن يكونوا أعلى مستوى من الجماهير نزاهةَ تعامل وطيبَ خلق وحسنَ عشرة، وترفعًا عن كثير من المباحات والعادات والتقاليد السائدة غير المنكرة أو المحرمة شرعًا، فضلًا عن المنكر أو المحرم منها، وقد كان السلف -رحمهم الله- يراعون هذا الأمر غاية المراعاة، فقال بعضهم : " كنا نمزح ونضحك، فإذا صرنا يقتدى بنا، فما أراه يسعنا ذلك"، وقال سفيان الثوري: " تعلموا هذا العلم، واكظموا عليه، ولا تخلطوه بهزل فتمجه القلوب". 

وفوق ذلك . .  قد ثبت من النبي صلى الله عليه وسلم - نفسه - مراعاة اتجاه الناس وعواطفهم،  فقد قال صلى الله عليه وسلم لعائشة: « يا عائشة ! لو لا قومك حديثٌ عهدهم - قال ابن الزبير - بالكفر، لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين، باب يدخل الناس. وباب يخرجون » . رواه البخاري .

وقال أحمد بن حنبل في الركعتين قبل المغرب : " رأيت الناس يكرهونهما فتركتهما " . يقول ابن الجوزي معلقًا على ذلك : "ولا تسمع من أحد يرى مثل هذه الأشياء رياء، إنما هي صيانة للعلم " (صيد الخاطر ص ٢٣٢).

 وما أحسن ما قاله الشافعي رحمه الله في فوائد العلوم المختلفة وقدرها وحث حامليها على الصيانة والأخذ بالجد والوقار : 

" من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن تعلم الفقه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن تعلم الحساب جزل رأيه، ومن تعلم اللغة رق طبعه،  ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه". 

لينظر الطلاب في الجملة الأخيرة: "من لم يصن نفسه لم ينفعه علمه"، فكم من صاحب علم غزير يضيع إذا كان لا يؤدي حق علمه من الوقار والرزانة، والبعد  - مما لا ينبغي لأهل العلم - من الاشتغال بالأمور التي تشين مكانتهم أوتغض من قدرهم . 

وفي الحديث: " تعلموا العلم، وتعلموا له السكينة والوقار وتواضعوا لمن تتعلمون منه".

 حقًّا ... إن جلالة " العلم " تفرض على حامليه التحلي بالوقار والرزانة والصيانة مما يزرى بشرفه أو يهوّن من قدره! 


 وليعلم الطلاب - وهم يعلمون سلفًا - أن العلم بحر لا ساحل له، فليختاروا منه وليأخذوا بأحسنه، قال ابن سيرين: " العلم أكثر من أن يحاط به، فخذوا من كل شيء أحسنه، ولكل عالم هفوة، ولكل صارم نبوة " . 

 وبهذا الصدد يشير المشايخ والمربون على أن يتخصص الطالب في أحد أنواع العلم، الذي يميل إليه قلبه، ويجد في نفسه رغبة خاصة في الإلمام به دون غيره من العلوم والفنون، فقال أحد الحكماء : ” اقصد من أصناف العلم إلى ما هو أشهى لنفسك، وأخف على قلبك، فإن نفاذك فيه على حسب شهوتك له، وسهولته عليك". 

وأيضًا كما قال علي بن أبي طالب: "قيمة كل امريء ما يحسنه". 


ما الفخر إلا لأهل العلم    إنهموا

على الهدى لمن  استهدى   أدلاء

وقيمة المرء ما قد   كان يحسنه

والجاهلون  لأهل  العلم    أعداء


 وكما اشتهرت مقولة أخرى تدل على هذا المعنى، وتحث على التخصص في أحد فنون العلم والتبريز فيه والإحاطة - بدقيقه وصغيره قدر المستطاع - مع الإلمام بباقي العلوم، فإن لكل علم علاقة بعلم آخر، و المقولة هي : " الإلمام بكل شيء من شيء، والإلمام بشيء من كل شيء“.


وعلى الطلاب -أيضًا- أن يستميتوا في سبيل طلب العلم، ولا يرضوا منه بالحظ القليل، كما قال صلى الله عليه وسلم:  « فمن أخذه أخذه بحظ وافر» .  وهذه هي طبيعة العلم كلما أخذ منه الرجل بنصيب زاد تعطشًا إلى المزيد، وقطفًا من ثمار رياض العلم الفيحاء، ولا يستطيع أحد- مهما بلغ من العلم شأوًا بعيدًا - أن يدعي أنه بلغ من العلم منتهاه، كيف وقد قيل: { وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً }(الإسراء: ٨٥) . وكما ينسب إلى بعض أهل العلم قوله : " العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، وإذا أعطيته كلك، فأنت من بعضه على خطر " ،  على أن ذلك لا يعني تثبيط الهمم وتفتير العزائم، أو الدعوة إلى القعود واليأس، بل - على العكس- يراد بذلك تحريضنا على أن نزيد هذا القليل بفضل من الله وتوفيقه، وبمضاعفة الجهد والجد والعمل، ولذلك قال الله تعالى: { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا }(طه: ١١٤).

 فيجب على طلاب العلم أن يفنوا في سبيل طلب العلم، صابرين على ما يلقونه - في سبيله - من الجهد والمشقة، مستلذين التعب والكدح، فمن ظن أن العلم يحصل بلا تعب فقد ظن المستحيل، قال يحيى بن كثير : " لا يُنال العلم براحة الجسم " .


  أعدت الراحة الكبرى لمن تعبا

   وفاز بالحق من لم يأله طلبا


    ومما ينبغي للطلاب أن لا يبرزوا نفوسهم قبل النضج، فقد قيل : "من تصدر قبل حينه افتضح في حينه"، ويروى عن ابن مسعود أنه قال : " إنكم لن تزالوا بخير مادام العلم في كباركم، فإذا كان العلم في صغاركم سفه الصغير الكبير " ، ومثل هذا ينسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : " ألا إن الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، ولم يقم الصغير على الكبير، فإذا قام الصغير على الكبير فقد هلكوا " .

وقد يصاب بعض الطلاب المتفوقين على زملائهم بشيء من العجب والتيه، والثقة بأنفسهم وبعلمهم وبنبوغهم ثقة زائدة، فهذا أيضًا مما يضر الطلاب، وعليهم أن يجتنبوه كل الاجتناب، وقد ذكر عن موسى بن عمران ـ عليه السلام ـ أنه لما كلمه الله تكليمًا، ودرس التوراة وحفظها، حدثته نفسه أن الله لم يخلق خلقًا أعلم منه، فهوَّن الله إليه نفسه بالخضر.

وقال مقاتل بن سليمان وقد دخلته أبهة العلم : سلوني عما تحت العرش إلى أسفل من الثرى، فقام إليه رجل من القوم، فقال: ما نسألك عما تحت العرش ولا أسفل من الثرى، ولكن نسألك عما كان في الأرض، وذكره الله في كتابه، أخبرني عن كلب أهل الكهف، ما كان لونه ؟ فأفحمه، وأنشد أبو عمرو بن العلاء في هذا المعنى:


 من تحلى بغير ما هو فيه

  فضحته شواهد الامتحان

          

      (العقد الفريد لابن عبد ربه) 


وبعد. فهذه خواطر وكلمات نصح للطلاب الأعزاء تفيدهم في مسيرة حياتهم التعليمية إن شاء الله إذا ما أخذوها بالجد والاهتمام، وقبل كل شيء يجب على الجميع تصحيح النية والإخلاص الله وابتغاء مرضاته، فهو الأساس، وعليه النجاح والفلاح، ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء مانوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه).


تم - ولله الحمد - الكلام في هذه الحلقة الخاصة بطلاب العلم  .

( الجمعة : ١٤ من شوال ١٤٤٧ھ = ٣ من أبريل - نيسان - ٢٠٢٦م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده