ندوة العلماء وأبناؤها في نظر الطنطاوي (٣)

 على مائدة العلم والأدب

ندوة العلماء وأبناؤها في نظر الطنطاوي (٣)


محمد نعمان الدين الندوي 

لكناؤ، الهند


لماذا أحب الطنطاوي الندوة َ؟


لعل كاتبًا عربيًّا لم يتحدث عن ندوة العلماء ومزاياها ومآثر أبنائها كما تحدث عنها صاحبنا الطنطاوي رحمه الله، بل لعل أحدًا من العرب لم يحب ندوة العلماء، كما أحبها الطنطاوي . . *فكانت الندوة أحب مكان إلى الطنطاوي بعد وطنه دمشق وبعد الحرمين الشريفين*، يقول رحمه الله : 

" كنت مرة في مقابلة إذاعية في الرائي ( التلفزيون ) ، فسألني المحدث - وأحسبه  كان الأستاذ ماجد الشبل - عن المكان الذي أتمنى أن أقضي فيه بقية أيامي، قلت : إن لم أستطع أن أعود إلى بلدي، وبلدي دمشق، ولم أقدر أن أبقى بجوار بيت الله هنا في مكة، فإن أحب مكان إليّ هو ( لكهنوء ) ، وأن أقيم في معهد ندوة العلماء، فأجمع فيها بين الظل والماء وصحبة العلماء " . (١)

ويقول رحمه الله - وهو يبدي بالغ حبه لندوة العلماء مصرحًا بأحلى وأغلى أمانيه - :

" إذا كان للإنسان أن يختصر أمانيه في أمنية واحدة، فإني أتمنى أن يعود بي الزمن إلى الوراء، وأرجع تلميذًا صغيرًا، فأتعلم وأعيش في رحاب ندوة العلماء، أحيى بين طلابها، و أتعلم على شيوخها، وأتنفس جوها وعطره، فأحيى حياة جديدة بقلب جديد وأمل جديد " .

و شبه الطنطاوي رحمه الله في بعض كتاباته ندوةَ العلماء بـ : "*واحة خضراء في صحراء قاحلة جرداء "*.

أما لماذا أحب الطنطاوي ندوة العلماء . . ؟ فلم يحبها لمبناها الجميل المطل على النهر الجاري، أو منظرها الرائع، فهناك مبان أجمل في الدنيا، ومناظر أكثر روعة وبهاء وجمالًا .. 

وإنما الذي جذبه إلى ندوة العلماء، وحببها إليه، هو أهدافها العظيمة، التي تتبناها، ومثلها العليا التي تحتضنها، والتي - هي في الواقع - مطمح  جميع البشر وغاية مناهم . .  فما هي الأسباب التي جعلت الندوة أحب دار إلى الطنطاوي ..؟ اقرؤوها بقلمه هو : 

" ولم يرغبني في دار الندوة جمال منظرها وحده، ففي الأرض مناظر كثيرة منها ما ليس في ( لكهنؤ) من ألوان الجمال، بل لأن المثل العليا التي يطمح البشر للوصول إليها والدنو منها من قديم الأزمان إلى الآن، هي الحق والخير والجمال، والثلاثة فيها، الجمال في موقعها، والخير في أهلها، والحق في الغاية التي تعمل لها وتسعى إليها " (٢) .

*الوسطية من أهم مزايا ندوة العلماء*

ومما جعل الطنطاوي يحب ندوة العلماء، كونُها داعية إلى الوسطية والاتزان والانسجام بين المادة والروح، جامعة بين الحسنتين : الأصالة والمعاصرة . . الدين والدنيا . . بين القديم الصالح والجديد النافع، يقول : 

" إن الإسلام للحياة كلها، يصلحها ويسدد خطاها، والحياة مادة ( وشيء وراء المادة ) ، والإسلام للناس جميعًا، والناس مؤلفون من جسم ونفس وروح، والدعوة الصحيحة إلى الإسلام هي التي تجمع  الحسنيين، على أن يكون هذا المزج بين مطالب الروح وحاجات الجسد مزجًا شرعيًّا، والله جعل كل شيء بقَدَر، فكما تتحد العناصر بنسب معينة، فلا تأتلف ذرة الأوكسيجين إلا مع ذرتين من الأيدوروجين، كذلك جعل توازنا دقيقًا محكمًا بين الروحيات والماديات، و من الناس من يميل ميزانه إلى إحدى الكفتين، والدعوة الصحيحة هي التي تكون للعقل من غير استغراق في المادية، وللقلب من غير انحراف مع الصوفية، وأن نلزم طريق الكتاب والسنة، وفي الكتاب والسنة غناء .

وهذا ما عليه جماعة الندوة، اشتغال بالعلم مع تثبيت الإيمان، وإصلاح القلب، وترفعٌ عن المعارك السياسية التي لا غاية لها إلا الوصول إلى كراسي الحكم، يسلك أصحابها إلى ذلك كل طريق، المستقيم منه والملتوي، ويتخذون كل ذريعة، الطيبة والخبيثة، والإسلام يريد أن تكون الغاية حسنة وأن يكون الطريق إليها مستقيمًا آمنًا،  وأن يكون أسلوب الدعوة بعيدًا عن أساليب الأحزاب السياسية التي لا تبتغي إلا المناصب والألقاب، عملها التزاحم عليها والتسابق إليها " (٣) .


وفي مكان آخر أفاض الطنطاوي رحمه الله في التزام الشيخ أبي الحسن الندوي رحمه الله وأهل الندوة في التمسك بالمبادىء الإسلامية نصًّا وروحًا، فقال : 

" ... فإن أبا الحسن وجماعته ملتزمون بالإسلام قولًا وعملًا، كتابة وسلوكًا، يعمل ما يعمل ابتغاء رضا الله لا رضا الناس، والرسول عليه الصلاة والسلام كره التكلف، وأنا لم أر فيمن عرفت من الناس من هو أبعد عن التكلف وأقرب إلى البساطة ( بالمعنى المتعارف لا بالمعنى اللغوي ) من أبي الحسن، فهو في لباسه كما وصف الشاعر إقبال يلبس أيسر لباس، وأرخصه، وأبعده عن الزهو والتعالي، قميص طويل تحته سراويل واسعة، وهو لباس أكثر من عرفت من علماء الهند " (٤) .


*التعليم خير وسيلة للدعاة* 

عند الطنطاوي التعليم خير وسيلة للدعاة إلى الله، وهو منهج ندوة العلماء الذي تبنته ودعت إليه، يقول : 

" وقد وجدت عند أبي الحسن وندوة العلماء النافع من هذه الطرق كلها، فهم يتخذون وسيلة التعليم وهي أصدق الوسائل التي يتوصل بها الدعاة، وإن كان ثمرها قد يتأخر في الظهور، ولكنه مضمون، وما قيمة عشر سنين في تاريخ الأمم التي تمتد أجيالًا وأجيالًا، فأولى ما يقوم به الدعاة إلى الله هو أن يُعنَوا بالتعليم لإعداد الجنود لمعركة الكفر والإيمان " (٥)


( يتلى)



الهوامش : 

(١) مقدمات علي الطنطاوي : ١٠٥ .

الطبعة الأولى : ١٤١٨ھ - ١٩٩٧م، دار المنارة، جدة، السعودية .

(٢) أيضًا : ١٠٦ .

(٣) أيضًا.

(٤) أيضًا : ١٠٧ .

(٥) أيضًا : ١١٠


( السبت : ١٥ من شوال ١٤٤٧ھ = ٤ من أبريل - نيسان - ٢٠٢٦م ) .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العلامة السيد سليمان الندوي

سلام على صاحب التضحية الكبرى

كان الوستانوي أمة وحده