معالم في طريق الطامحين (٦)
على مائدة العلم والأدب
معالم في طريق الطامحين (٦)
محمد نعمان الدين الندوي
لكناؤ، الهند
( سنكمل - في هذه الحلقة - الحديث عن المعلم (٩) : " اصنع الحياة بعلو الهمة " إن شاء الله تعالى ) .
وإنها لحقيقة أخرى – أيضًا – أن نيل العز والشرف، وتحقيق الأماني الحلوة ليس أمرًا سهل المنال، بل دونه شوك وقتاد، وصاب وعلقم من التضحيات المستمرة بالنوم والراحة، واللذة والمتعة، وإذابة حبات القلب، وسلسلة متصلة - إلى آخر نفس من أنفاس الحياة - من الكد والجهد وبذل العرق . . ( ومن لزم الرقاد، عدم المراد) :
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
وقال الكاتب الفرنسي أندريه جيد :
" الأديب الحقيقي لا يعطي القبر إلا العظام " .
سئل الفاتح الشهير والحاكم الفرنسي الشهير نبولين بونا بارت: (NIPOLEN BONAPARTE عن سر نجاحه، فقال :
*" طموح جندي، فإن كبلتم يده ورجله بالقيود وألقيتموه من أعلى جبل بأوربا، ثم سألتموه : هل تستطيع أن تعبر هذا الجبل . . ؟ أجاب : نعم ! يا سيدي، ولم لا يجيب بهذا الجواب، فنبولين كان قال مرة : لفظة : [ اللا ممكن ] لا توجد إلا في قاموس السفهاء . . "*
والواقع أن أصحاب الهمة العليا والطموح العصامي يلتذون بتحمل المشاق والتعب في الوصول إلى المعالي والعوالي :
ومن تكن العلياء همة نفسه
فكل الذي يلقاه فيها محبب
إنهم لا يقنعون بدرجة، فكلما تحقق لهم هدف، تاقوا إلى أكبر منه، وجدّوا في نيله، وقد قرّر الأخلاقيون : أن المثل الأعلى للطموح لا ينتهي . .
يقول المتنبي بعد أن ينعى على قليلي الهمة والطموح الراضين بالدون، القانعين بالعيش الحقير، يقول بعد أن ينعى عليهم صنيعهم هذا :
ولكن قلبًا - بين جنبی - ماله
مدى ينتهي بي في مراد أحده
وهذه - أيضًا - هي الروح الإسلامية القرآنية التي تحث على الجهد المتواصل والعمل الدائم، فقد قال بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى : { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ } [ الشرح : V ] أن معناه : إذا انتهيت وفرغـت مـن واجب، فلا تركن إلى الكسل أو العطل أو النوم، بل إشرع في واجب آخر، وانصب له واتعب فيه، وأقبل عليه . . !
فكلما عظم طموح الإنسان، وعلت همته وكبرت عزيمته عظم قدره وسمت مكانته وعلا شأنه، وقد صدق الأولون حينما قالوا : " قيمة كل امريء بقدر همته " ، وأيضًا قيل : "همة الإنسان على حسب ما أهمه، وعلوها على حسب مطلبها في الحياة " .
أما ذوو الهمم الدنيئة الخسيسة فيرضون بالهون والهوان، والعيش على هامش الحياة، أو في ذيل القافلة أو كعيش الهمج الرعاع الذين لا يعاونون ولا ينفعون ، قال عنهم أبو تمام :
بنو الهمم الهوامد والنفوس
الخوامد والمروات النيام
ويقول شاعر آخر :
وفي الناس من يرضى بميسور عيشه
ومركوبه رجلاه والثوب جلده
فيكون حالهم كما قال الشاعر :
ومن لا يحب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر
انظر كيف يحث ابن الجوزي (٥١٠ - ٥٩٧هـ) على نشدان الكمال وكبر الهمة :
" من أعمل فكره الصافي دله على طلب أشرف المقامات، ونهاه عن الرضى بالنقص في كل حال :
ولم أر في عيوب الناس عيبًا
كنقص القادرين على الإتمام
فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض .
ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض، غير أنه إذا لم يمكن ذلك، فينبغي أن يطلب الممكن، وفي الجملة لا يترك فضيلة يمكن تحصيلها إلا حصلها ، فإن القنوع حالة الأراذل .
فكن رجلاً رجله في الثرى
وهامة همته في الثريا
ولو أمكنك عبور كل أحد من العلماء والزهاد فافعل، فإنهم كانوا رجالًا . . وأنت رجل !
وما قعد من قعد إلا لدناءة الهمة وخساستها، واعلم أنك في ميدان سباق . . والأوقات تنتهب، ولا تخلد إلى كسل، فما فات ما فات إلا بالكسل، ولا نال من نال إلا بالجد والعزم، وإن الهمة لتغلي في القلوب غليان ما في القدور، وقد قال بعض من سلف :
ليس لي مالٌ سوى كرّي
فيه أحيا من العدم
قنعت نفسي بما رزقت
وتمطت في العلا هممي (١)
يقول الرافعي ناعيًا على ضعف الهمة :
"وأما ضعف الهمة فمنزلة الحيوان الذي لا هم له إلا أن يوجد كيفما وجد، وحيثما جاء موضعه من الوجود، إذ هو يولد ويكدح ويكد ليكون لحمًا وعظمًا وصوفًا ووبرًا وشعرًا أثاثًا ومتاعًا، وكأنه ضرب آخر من النبات إلا أنه نوع آخر من المنفعة " . (٢)
ويقول ابن الجوزي متحدثًا عن تكاليف المجد :
" ما يتناهى في طلب العلم إلا عاشق العلم، والعاشق ينبغي أن يصبر على المكاره والفضائل تنادي :
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصَّبِرا
فالصبْر الصبْر أيها الطالب للفضائل " . وقال الشافعي رحمه الله :
یا نفس ما هو إلا صبر أيام
كأن مدتها أضغاث أحلام
فتلمح يا أخي عواقب الأحوال، واقمع الكسل المثبط عن الفضائل، فإن كثيرًا من العلماء الذين ماتوا مفرطين يتقلبون في حسرات وأسف، واعلم أن الفضائل لا تنال بالهوينا ، وأن يسيرَ التفريط يشين الوجه " . (٣)
ويقول ابن الجوزي أيضا :
" من رزق همة عالية يعذب بمقدار علوها، كما قال الشاعر:
وإذا كانت النفوس كبارًا
تعبت في مرادها الأجسام
وقال الآخر :
ولكل جسم في النحول بلية
وبلاء جسمي من تفاوت همتي
والدنيا دار سباق إلى أعالي المعالي، فينبغي لذي الهمة أن لا يقصر في شوقه، فإن سبق فهو المقصود ، وإن كبا جواده مع اجتهاد لم يلم .
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا تنالون ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، ولا تبلغون ما تهوون إلا بترك ما تشتهون » . وقيل في منثور الحكم : " أتعب قدمك ، فكم من تعب قدمك " ، وقال بعض البلغاء : " إذا اشتد الكَلَف هانت الكُلَف" ، وقيل : " لن يدرك العلم من لا يطيل درسه ويكد نفسه " ، وقيل : " علة الراحة قلة الاستراحة " .
ويحدثنا ابن الجوزي - نفسه - عن علو همته - هو - قائلًا :
" . . فيا ليتني قدرت على عمر نوح، فإن العلم كثير، وكلما حصل منه حاصل رفع ونفع " .
قال الإمام الراغب الأصفهاني - وهو ينعى على الكسل - "من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية بل من الحيوانية، وصار من جنس الموتى، ومن تعود الكسل ومال إلى الراحة، فقد الراحة، وقد قيل : إن " أردت أن لا تتعب فاتعب ، لئلا تتعب " ، وقيل أيضًا : " إياك والكسل والضجر، فإنك إن كسلت لم تؤد حقًّا، وإن ضجرت لم تصبر على حق، ولأن الفراغ يبطل الهيئات الإنسانية، فكل هيئة، بل كل عضو ترك استعماله يبطل كالعين إذا أغمضت واليد إذا عطلت، ولذلك وضعت الرياضات في كل شيء " .
ومما ينسب للإمام الشافعي رحمه الله تعالى في الجد في تحصيل العلم قوله :
سهري لتنقيح العلوم ألذ لي
من وصل غانية .. وطيب عناق
وصرير أقلامى على صفحاتها
أحلى من الدوكاء والعشاق
وألذ من نقر الفتاة ولدفها
نقري لألقي الرمل عن أوراقي
وتمايلي طربًا لحل عويصة
في الدرس أشهى من مدامة ساقي
أأبيت سهران الدجى .. وتبيته
نومًا .. وتبغي بعد ذاك لحاقي ؟"
فالعظائم كفؤها العظماء، والعظيم يبني النجاح من النجاح، والأكثر عظمة يبني النجاح من حطام .
إن للجد كيمياء إذا ما
مس كلبًا أحاله إنسانا
يفعل الله ما يشاء كما شا
ء متى شاء كائنًا ما كان
ينبه الدكتور عائض القرني إلى نكتة هامة ، تتعلق بالنجاح ، يقول :
" كنت أكتب عن النجاح، ومن طرقه عدم التكلف، فعثرت على بيت للمتنبي أغلى من حمر النعم، وهو قوله :
أبلغ ما يُطلب النجاح بــــه الــــ
طبع وعند التعمق الزلل (٤)
يقول المتنبي حاثًّا على الجد :
لا يدرك المجد إلا فطن
لما يشق على السادات فعّال
لولا المشقة ساد الناس كلهم
الجود يفقر والإقدام قتال
فالنجاح قطرات من الآهات والزفرات والجهد، وحباتُ العرق تصنع المعجزات، والنجاح والفلاح مرهون بمدى الجد والجهاد والصبر والكفاح، والشرفُ بالهمم العالية لا بالرمم البالية.
وبالعكس . . فإن الفشل زخات من الإحباط والنوم و التسويف.
ويقال : نكح العجزُ التوانيَ، فخرج منها الندامة، ونكح الشؤمُ الكسلَ فخرج منها الحرمان .
وقالوا : الفشل يتيم لا أب له ولا أم، أما النجاح فله ألف ألف أب.
*الهوامش :*
(١) بتعديل من صيد الخاطر ١٥٩ وما بعدها. المكتبة العلمية، بيروت .
(٢) وحي القلم ٣/ ٣٧٩، دار الكتاب العربي، بيروت .
(٣) صيد الخاطر ٤٤٢، مما ينبغي تنويهه أننا استفدنا من أجزاء متفرقة من العنوان : ( تكاليف المجد ) من هذا الكتاب .
(٤) الأسطورة : ٤٢٨ . الطبعة الثانية، دار المنهاج.
( الخميس : ٢٠ من شوال ١٤٤٧ھ = ٩ من أبريل - نيسان - ٢٠٢٦٩ م ) .
تعليقات
إرسال تعليق